129 / خطر التصوّف

شرح الحديث:

أشار النبي(صلى الله عليه وآله) في هذا الحديث الى موضوع مهم بصورة إجمالية، و هو ظهور قوم في آخر الزمان لابسين للصوف في الصيف و الشتاء، و يعدّون ذلک فضلا لهم. و أولئک ممّن تلعنهم ملائکة السموات و الأرض.

 

الاحتمالات في معنى الحديث:

هناک احتمالان في معنى الحديث المذکور:

1ـ مراد النبي(صلى الله عليه وآله) مسألة الرياء; المراؤون و المعجبون بأنفسهم يرتدون الملابس السميکة (الصوفية و الخشنة) في الصيف حين يلبس کل الناس ملابس رقيقة، و في الحقيقة يرغبون أن يعرفوا بين الناس بالزهد و التقوى و الفضيلة ويشارلهم بالبنان، و أصلا هذا هو لباس الشهرة، فبرغم ما يقوله بعض العلماء من أنّ لباس الشهرة هو ما يخالف حياة الانسان، لکنّنا لم نفهم ذلک من الأحاديث لذا نقول:لباس الشهرة هو اللباس الذي يرغب المرء من خلاله أن يصبح مشهوراً بالزهد و الورع و التقوى لا أية شهرة، و هذا المعنى الذي فهمناه يتنا غم مع الروايات. باختصار هذا التفسير الذي ذکرناه يشير الى لباس الشهرة فيستحق هؤلاء المرائين و المتظاهرين بالزهد العذاب، وکذلک الذين جعلوا هذا الزهد الظاهري متجراً لالفات أنظار الآخرين و تشملهم اللعنة أيضاً.

2ـ لکنّ التفسير الثاني المستفاد من الحديث هو الاشارة الى الصوفية و المتصوفة،لأنّ التصوف لم يدخل الاسلام منذ الصدر الأول، بل هو من ضمن الافکار الالتقاطية و المستوردة التي دخلت الاسلام من القرن الثاني فما بعد من الممالک الأخرى برفقة الأفکار الهندية و اليونانية الخ، فانتقلت هذه الأفکار الى الممالک الاسلامية عن طريق ترجمة الکتب، فعلى هذا (و طبق هذا التفسير) ينبأ النبي(صلى الله عليه وآله) عن الغيب و يقول: سيظهر آخر الزمان قوم من أمتي ... و هذا اللعن الشديد الوارد في الرواية يتناسب مع انحراف تلک المدرسة الفکرية و ليس الانحراف الفردي، فمن الممکن أن يُلعن إنسان، لکن ليس بهذه الشدة; سوف أتحدث لکم هنا عن هذه العقيدة المنحرفة بما لدىّ من معلومات قديمة حولها:

 

أخطار التوصف:

التصوف خطر على الاسلام برمّته و على التشيع و علماء الشيعة بالخصوص، لأنّ هناک قضايا کثيرة تهيمن على الوضع و سأبين ثلاثاً منها بصورة مفهرسة:

1ـ الخطر الأول هو أنّ التصوف يفصل طريقه عن العلم فأولئک يعتقدون أنّ طريق العقل طريق منحرف و لايوصل الانسان الى الواقع، لأنّ أقدام أصحاب الاستدلال خشبية، بل يجب اتباع طريق القلب و القاء الاستدلال جانباً; يقبح التکلم حول الکتاب و العلم في معابدهم، يقول أحد المتصوفين بهذا الشأن: کنت أذهب الى المدرسة و أتلقى الدروس لکن عندما جئت الى التکية و تتلمذت على الشيخ مع بقية أصحابي أخفيت الکتاب و القلم و الدواة لئلا يرونها، سرحت ذات يوم فسقطت الدواة منى على الأرض، إلتفت إلىّ حينها أحد الأخوان في المعتقد و قال: خذ هذه و استرعورتک، فهم يظنون أنّ هذه الدواة عورة قد کشفت، و يتعاملون مع الکتاب و الدفتر و غيرها کذلک.

يکتب بعضهم أنّهم ألقوا کل مالديهم من کتب في الشاطي. أحد هؤلاء الذين ألقوا کتبهم و تخلصوا منها و کان برفقته شي کالکشکول رأى في منامه لاحقاً کذا و کذا، و بعد ما قام بذلک ذهب الى الشيخ فقال له: لو لم تکن قد ألقيتها لما استفدت من الشيخ نهائياً.

أولئک لديهم خصومة مع العلم و العالم من هذا القبيل، من الممکن ألاّ يقول المتصوف العصري بهذا، لکنّ هذه أمور قد سجلت في تاريخ التصوف، فيعتبرون العلم حجاباً و يعدّون العالم قاطع طريق، من الواضح أن يفتح حساب خاص لهؤلاء القوم.

اذا کانت عبارة «العلمُ حجابٌ أکبر» قد کتبت في الکتب فمن المسلم أن نأخذ بمعناها العلمي و هو أنّه يسبب الغرور و التکبر و الأنانية للانسان، و إلاّ لايذم أحد ذات العلم، و إن وجدت هکذا جملة يجب تأويلها، لما لدينا من آيات و روايات في مدح العلم و العالم مثل: «إنّما يَخشى اللهَ من عبادِهِ العلماءُ»، و عندما يوزن مداد العلماء مع دماء الشهداء يوم القيامة فيرجح المداد على الدماء، قال الامام الصادق(عليه السلام): «فتوزنُ دماءُ الشهداءِ مع مدادِ العلماءِ فيرجحُ مدادُ العلماءِ على دماءِ الشهداءِ» (2)، فلا يمکن تجاوز کل ذلک. الآن يمکن أن يتبادر سؤال الى أذهانکم مفاده لماذا يتعامل أولئک مع العلم بهذه الکيفية؟

لأجل أنّ لهم مقترحات لاتنسجم مع الاستدلال العقلي و لاتتطابق مع الآيات و الأحاديث أيضاً.

2ـ الخطر الثاني هو أنّهم يرفضون مبدأ المرجعية و العلماء و القضايا التي من هذا القبيل، أولئک يعتبرون منزلة شيخ الطريقة أسمى من المراجع، فالعلماء قشريّون و شيوخ الصوفية لُبّيون کما يقولون، أي يعتبرون العلماء في مرحلة الشريعة و هم في مرحلة الطريقة و الحقيقة.

بالنظر الى ذلک لن يکون لرسالة توضيح الماسئل أي قيمة فعلية لديهم إزاء أوامر الشيخ، لأجل ذلک يجيزون مخالفة القوانين الاسلامية في أغلب الأماکن طبقاً لأوامر شيوخهم.

کُتب في تاريخهم عندما يريد الشخص مثلا أن يشرع بالسير و السلوک في طريق التصوف فيجب عليه أن يرمي مالديه من أموال في البحر.

راجعوا کتاب «إحياء العلوم» للغزالي ـ الذي يعتبر من أکابر علمائهم و جميعهم يقبلون کلامه ـ لتروا کلامه العجيب، حتى أنّه يتحدث خلاف المسلمات الفقهية.

إنّه يقول: کنت أذهب الى المسجد الحرام و أطوف حول بيت الله، لکن لما بلغت الحق رأيت بيت الله يطوف حولي. الشخص الذي يعتقد بذلک لايتقيد بمکة و المدينة إذن. في الوقت الذي قام النبي(صلى الله عليه وآله) في أواخر عمره بحجة الوداع، لکنّه يقول: تطوف الکعبة حولي. بناءاً على هذا أول أمر يصدره أولئک لمن التحق بهم أن يقطع علاقته بالعلماء و رجال الدين، بينما نعتقد بعدم وجود أي منصب في زمان غيبة الامام صاحب الزمان (عج) سوى الفقهاء و المراجع الذين يستنبطون الأحکام الالهية من الکتاب و السنة لأنّه هو القائل: «فارجعوا فيها الى رواة أحاديثنا».

الآن نسألهم هل هذا الشخص الذي أسميتموه شيخاً مرجع؟ فان لم يکن کذلک على أي دليل استندتم في وجوب إطاعته و من أين نشأت؟

حيث أنّنا لانملک شخصاً مفترض الطاعة سوى النبى(صلى الله عليه وآله) و الامام و نائب الامام المبيّن لکلماته. إذن مخالفتهم للعلم تجلب لهم النفع و هو افتراض طاعة غير المرجع.

3ـ الخطر الثالث بساطة تأويل و تفسير الآيات و الروايات، أي التلاعب بألفاظ الکتاب و السنة، و لهذا قصة طويلة جداً، يعني أنّ ألفاظ الکتاب و السنة کالشمع بأيديهم، يفسرونها کيف يشاؤون; بعبارة أخرى التأويل عندهم بسيط جداً، إلتفتوا الى مثال من توجيهاتهم و تفسيراتهم: يقول: ألقيت کل شيء و أمسکت بالقرآن فلما وصلت الى هذه الآية «قُل اللهَ ثمّ ذَرْهُم» قلت: المقصود من «ذرهم» غيرالله. لقد فسر کلمة «ذرهم» حسب رغبته، بينما مراد القرآن منها الأصنام أو يحتمل أن يکون المراد المخلوقين.

عندما يتلاعب أولئک بالآيات و الروايات بهذه الطريقة يتضح مدى خطرهم، و لهذا السبب يؤمنون بولايتهم على الأحکام بالفعل. نحن نعتبر ولىّ الفقيه منفذاً للأحکام و لا نؤمن بولايته بالحکم، و الأحکام هي إما أحکام و عناوين أولية و إما أحکام و عناوين ثانوية.

باختصار الأحکام هي الأوامر التي أصدرها الله و النبي(صلى الله عليه وآله)، لا أن نقول أنّه يغيّر الحلال و الحرام و الواجبات. أمّا هم (الصوفية) يغيرون الاحکام واقعاً فغيروا الکثير من مسلّمات الاسلام. أحتمل أنّ هذه القضية إحدى معاني الرواية (لا أنّها محصورة بها فقط).

يقول أحد شيوخهم: عندم ما يأتي يوم القيامة يخضع الجميع لسيطرة جاهي حتى محمد و آل محمد(صلى الله عليه وآله). أو أنّهم يقولون: الرجبيون هم الذين يرون الشيعة على شکل خنازير في عالم المکاشفة.

ننقل هنا أموراً بشأن تاريخ التصوف من کتاب «مشهد الحق» لسماحة آية الله العظمى مکارم الشيرازي لمعرفة کيفية نشوء هذه الفرقة: «لقدْ کانَ في قصَصَهِمْ عبرةٌ لأولي الألبابِ» (3).

ينقل المؤرخون أنّ طائفةً ظهرت قبل ظهور الاسلام، بل قبل ميلاد المسيح(عليه السلام) و سموا أنفسهم «عشاق جمال الله» و «الواصلين الى الله»، لکن لا توجد معلومات عن بداية نشوئهم، کما لا يعلم من أي مکان في العالم نشأ هذا المسلک، يعتقد البعض أنّه نشأ في الهند و يعتبر البعض الآخر مبدأ نشوئه من الشام و مصر، لکن لا يوجد أي اختلاف بين المؤرخين على وجودهم قبل ميلاد المسيح تقريباً.

 

ورود التصوف الى الاسلام:

في القرن الثاني الهجري، أى منذ أن اهتم خلفاء بني العباس بنشر علوم الآخرين و ترجمتها الى اللغة العربية و نشاط الرأي العام في ذلک الوقت، و ازدهار سوق المذاهب المختلفة طبعاً، حاز هذا المسلک على موقع و منزلة في نفوس المسلمين من بين المسالک الأخرى، و التحق به عدد منهم فأصبح له أتباع بالتدريج نتيجةً لبعض الظروف، و کان أتباعه من أبناء السنة أکثر، و أخيراً اتسع البساط ليشمل عدداً من الامامية أيضاً.

حسب عدد من الأخبار أول من نثر بذور هذا المسلک في البلاد الاسلامية هو أبوهاشم الکوفي. نقل في کتاب «حديقة الشيعة» أنّ الامام الحسن العسکري(عليه السلام)قال: « إنّهُ کانَ فاسدَ العقيدةِ جداً و هوَ الذى ابتدع مذهباً يقالُ لهُ (التصوف) و جعله مقراً لعقيدته الخبيثة».

من الأدلة التي تثبت تأسيس هذا المذهب في القرن الثاني الهجري رواية نقلت عن الامام الصادق(عليه السلام) في نفس الکتاب: «أحد أصحاب الامام يقول له: شاعت هذه الأيام جماعة باسم الصوفية ما تقول فيهم؟ قال الامام(عليه السلام): أولئک خصومنا، من أحبّهم کان منهم و حشر معهم، و ستميل لهم فرقة من محبينا و تلقب نفسها بألقابهم و تأول أحاديثهم، من رغب فيهم ليس منّا و نبرء الى الله منه، و من أنکر عليهم حديثهم کان کمن قاتل الکفار بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وآله)».

المؤيد الآخر لذلک کون الأحادث الوردة في ذم المتصوفين و انتقاد مذهبهم منقولةً عن الامام الصادق(عليه السلام) فما بعد.

لقد صرحت بعض الروايات أنّ الأئمة يبرؤون من محبيهم لو مالوا لتلک الفرقة، حتى جاء في أحدهما، بعد أن فرغ الامام الهادي(عليه السلام)من ذم المتصوفة قال له أحد أصحابه: لو اعترف الصوفي بحقکم؟ فنظر له الامام بغضب و قال: دع عنک هذا الحديث! من اعترف بحقنا لا يسلک طريقاً يؤذينا! ثم يقول: «والصوفيةُ کلُّهُم من مُخالفينا و طريقَتُهمْ مُغايرةٌ لطريقَتنا».

يقول المؤرخون: لم يکن بين المسلمين اسم للمتصوفة قبل التاريخ المذکور، و ملاحظة لفظ «الصوفي» في کلمات بعض القدماء لا يدل على وجود هذا المذهب في صدر الاسلام لأنّ العرب يطلقون هذا اللفظ على مرتدي الصوف، مثلا نقل عن الحسن البصري قوله: «رأيتُ صوفياً في الطوافِ و أعطيتُهُ شيئاً فلم يأخذهُ».

طبعاً لم يقل أحد بأنّ لفظ الصوف و الصوفي وجدت في زمن الامام الصادق(عليه السلام) و لم تکن متداولةً بين العرب ليستدلوا بهذه الأحاديث على قدم المذهب، فالمراد عدم وجود جماعة خاصة بهذا الاسم آنذاک، فالحديث المنقول عن الحسن البصري لايدل من قريب أو بعيد على هذا الموضوع.

کيف زيّنوا التصوف بالاسلام؟

انطلاقاً من أنّ هذه المذاهب تصطبغ بصبغة البيئة التي تردها وفق قانون «اتباع البيئة»، استطاع أنصار التصوف أن يصبغوه بالصبغة الاسلامية، فمزجوا جزءاً من الثقافة و الأوامر الاسلامية بهذا المذهب، و لإظهار انطباق عقائد هم مع العقائد و الاحکام الاسلامية تناولوا الآيات و الروايات التي يعتبر أغلبها من المتشابهات، و أخيراً زعموا أنّ زهاد الصدر الأول للاسلام و بعضاً من الأصحاب المعروفين من أمثال سلمان و أبي ذر من أنصارهم، و أنّهم أوصلوا «البقلة الحمقاء» الى علي بن أبي طالب، في حين أن کل ذلک عار عن الصحة.

اليوم و لحفظ ارتباطهم برجالات الصدر الأول للاسلام أعدوا سلسلة من المشايخ التي تفتقر الى الدليل و هم مستمرون في فعالياتهم، لکن و بما أنّ نمط الفکر و التربية الاسلامية لاتنسجم أصلا مع کل ألوان التکتل و الطائفية داخل الاسلام، فبالاضافة الى عدم إمکان تطبيق جميع أصول التصوف على العقائد و الأحکام الاسلامية لم تتصاعد و تيرة أعمال الصوفيين برغم کل الجهود المبذولة من قبلهم وهوجموا من جميع الجهات، على کل حال لديهم أنصار و موالون في کل زمان هنا و هناک يزدادون و ينقصون حسب الزمان و المکان.

 

التشعب الکثير و انحطاط التصوف:

بما أنّ إحدى الثروات الرئيسية للتصوف إجراء الذوق و الاستحسان و کما عبر البعض «نسج العرفان»، حيث لا تخضع لضوابط معينة و معيار ثابت کالشمع الذي يظهر بأشکال متعددة، تستحدث قضايا جديدة باستمرار و تضاف إليه، و لم يمحض ردح من الزمن حتى ظهرت تشعبات کثيرة لهذا المذهب يمتلک کل منها أسلوباً و عقائد معينة و منفصلة، ألّفت کتب کثيرة و أنشدت أشعار کذلک في هذا المجال و وصلت الى درجة بحيث لو أردنا التحدث عن الشعب المختلفة للتصوف و عقائدها الغريبة لما خلاکلامنا عن الاشکال قطعاً، و الطريف أنّ عدد هذه السلاسل في تزايد مستمر، فکلما رحل شيخ عن الدنيا حلّ محله عدد من الشيوخ الآخرين و بعقائد و نزعات متفاوتة.

لکنّ هذا الحدث أمر الطبيعى، لأنّ کل طائفة لاتستند الى معايير و ظوابط معينة و تدور حول محور الذوق و الاستحسان و المکاشفة و الرؤيا کالتصوف، سوف تبتلى بهذا المصير فتهي هذا الفرقة و الاختلاف الأرضية للانحطاط. من جهة أخرى، نتيجة نشاط العلماء و توفير الوسائل و الأدوات لنشر الکتب و سهولة الاتصالات و العوامل الأخرى تيقظت العيون و الآذان و کشف النقاب عن العديد من الأعمال، في هذه الأثناء مالت قلعة التصوف الى الاضمحلال و سوقهم الى الرکود و الکساد. کذلک من جرّاء رقي العالم في جدر «العناصر الأربعة» و رسمت عالم الحياة بمسامير «الأمزجة الأربعة» نحو الفناء و العدم، کما أنّ مذهب التصوف آل الى الانحطاط جرّاء جهاد العلماء الأعلام و تنوير الأذهان.

نقول بوضوح: اليوم هو ليس ذلک اليوم الذي يصدق فيه قول الشيخ صفي الدين الأردبيلي حيث يقول: «صليتُ أربعين صباحاً و مساءاً بوضوء واحد» (4)، ولا يوجد مشتر للادعاءات العجيبة «لأبي يزيد البسطامي» حيث قيل له: سيکون الناس يوم القيامة تحت لواء النبي الکريم(صلى الله عليه وآله)، فقال: أقسم أنّ «لوائي أعظمُ من لواءِ محمد(صلى الله عليه وآله)». ولا يتبسم شخص سمع بالأفعال المنحرفة «لحسين بن منصور الحلاج»، من ضمن ذلک يذکر الشيخ العطار في کتاب «تذکرة الأولياء» أنّه کان لحسين بن منصور الحلاج جبة صوفية لم يخلعها طيل مدة عشرين عاماً (الله أعلم کيف کان يزيل الأقذار عن بدنه ويؤدي الأغسال الواجبة). ذات يوم خلعوها عن بدنه قسراً فرأوا القمّل قد عشعش فيها و لما وزنوا واحدةً منه وجدوا أنّها تساوى نصف دانق!، و ينقل کذلک:«وقف حسين بن منصور الحلاج أمام الکعبة في الشمس سنةً کاملةً حتى کان يسيل الزيت من أعضائه على الأرض»!.

لو تصفح الانسان أوضاع کبار علماء الصوفية في کتبهم فسوف يرى أمثال ذلک کثيراً. أي شخص يطالع اليوم هذه الأحاديث ولا يعتبر أنصار هذا المذهب خرافيين و هذه العقائد أباطيل! هؤلاء القوم الذين ترونهم قد بقوا على هذه العقيدة لأجل أنّهم أعادوا النظر في أوضاعهم و قاموا بحذف مقدار من عقائد و أفعال السالفين و أظهروها بشکل آخر يتناسب الى حدٍّ ما مع الرأي العام السائد.

اذا أراد فرد الوقوف على صدق ما قلنا فليقارن بين کتب قدماء التصوف من قبيل «تذکرة الأولياء» و «صفوة الصفا» و أمثالها التي تشرح أوضاع کبار المتصوفة مع الکتب الحالية لهم.

 

بضعة موارد من کرامات مشايخ التصوف:

1ـ يکتب الجامي في «نفحات الأنس» :

غطس المرشدي السباک يوم الجمعة في شط بغداد ليغتسل، فبعد أن خلع ملابسه غاص في الماء و لما أخرج رأسه فاذا به في شط النيل في مصر! بقي هناک سبع سنوات و تزوج و أنجب ثلاثة أولاد، ثم ذهب ذاتِ يوم ليسبح في شاطي النيل و لما غطس و أخرج رأسه رأى أنّه في بغداد في نفس الساعة من يوم الجمعة، ذلک اليوم الذي أراد أن يغتسل فيه و يذهب لأخذ سجادة الصوفيين الى المسجد، و عندما خرج و أخذ تلک السجادات قالوا له: لقد تأخرت!

2ـ نقل أنّ إبراهيم الأدهم کان جالساً ذات يوم على ضفة نهر دجلة و کان يخيط خرقته البالية. سقطت أبرة الخياطة منه في الشاطي، سأله أحدهم: ماذا حصلت بعد افتقادک لکذا ملک؟ أشار نحو الشاطي، أن ائتوني بالأبرة; فخرجت ألف سمکة! تحمل کل منها أبرةً ذهبيةً بفمها! قال إبراهيم: أريد أبرتي، عندئذ خرجت سمکة ضعيفة تحمل أبرته في فمها، فقال ابراهيم: أقل ما حصلت عليه بدل ملک بلح هو هذا و أنت أعلم بالباقي» (5)

3ـ قال سهل بن عبدالله التستري: جاء نى رجل من الأبدال و تحدثت معه و سألني عن مسائل ترتبط بالحقيقة، و کنت أجيبه حتى أدى صلاة الفجر و غطس تحت الماء، فجلس هناک الى وقت الزوال، عندئذ ناداه أخي إبراهيم لأداء الصلاة، فخرج من الماء و لم تبتل شعرة منه فأقام الصلاة، ثم غطس مرةً أخرى ولم يخرج منه سوى لإقامة الصلاة، کنّا على تلک الحالة مدةً، و لم يأکل قط طبعاً و لم يجالس أحداً حتى غادر. (6)

من يصدق هذا الکلام المضحک و غير المجدي؟ (7)

يستطيع الراغبون في التعرف على عقائد الصوفية و ما يرتبط بها مراجعة کتاب «مشهد الحق» تأليف سماحة اية الله العظمى مکارم الشيرازي (دام ظله الوارف).

 


1.بحار الانوار، ج 74، ص 91.

2.بحار الانوار، ج 2، ص 14، الرواية 26، الباب8.

3.سورة يوسف، الآية 111.

4.صفوة الصفا، ص 258.

5.تذکرة الأولياء، ج 1، ص 87.

6.تذکرة الأوليائ، ج 1، ص 153.

7.مشهد الحق (فارسى)، ص 72 ـ 85.

128 / شرار الأمة

شرح الحديث:

المبدأ الرئيسي للنعم الالهية في الاسلام هو استغلالها و الاستفادة منها. جاءت في القرآن الکريم آيات متعددة بهذا الخصوص: «مَن حرّمَ زينةَ اللهِ التي أخرجَ لعبادِهِ و الطيباتِ من الرزقِ»، أو الآية الشريفة الأخرى: «يا أيِّها الرسلُ کُلوا من الطيباتِ و اعملوا صالحاً» (2). لدينا کذلک آيات عديدة أجازت الاستفادة من النعم الالهية، لقد قُبل ذلک بعنوان مبدأ طبعاً، لکنّ المهم أنّ هناک عناوين أخرى يجدر بالانسان الانتباه لها.

1ـ العنوان الأول الذي يطرح نفسه هو فلتصبح الحياة المترفة هدفاً أصيلا وتقع بقية الأشياء في طريقه. يتربى الانسان منذ نعومة أظفاره في حياة مترفة و ينمو على ذلک و يشکل ذلک کل همّه، فالاسلام لايرضى بذلک أبداً، حتى عندما يقول القرآن: «يا أيّها الرسلُ کلوا من الطيباتِ» يذکر العمل الصالح معه و يقول: «و اعملوا صالحاً»، أي استثمروا الطيبات في طريق العمل الصالح.

أو في الآية الشريفة: «خذوا زينَتَکُم عندَ کلّ مسجد» ليس الهدف هو المسجد أيضاً: «أرضُ اللهِ واسعةٌ» (3)، يجب أن يقع کل ذلک في طريق العبودية، لأنّه لو أصبح هدفاً لانحرف عن الطريق الرئيسي له.

2ـ الشکل الثاني الممنوع الغفلة عن ذلک، أي تُغفل الحياة المادية الانسان عن الله، و تشغله الحياة المترفة بنفسه، أي تکون موجدةً للغفلة و مزيلةً لها. هنا أمر الاسلام بالزهد و الصوم و ترک اُمنيات النفس.

لدينا حديث منقول عن النبي الکريم(صلى الله عليه وآله) مضمونه ظريف جدّاً حيث يقول: أصوم تارةً و أفطر أخرى، لمّا أصوم أشکر الله تعالى و لمّا أفطر أتذکر الجائعين».

ذُکر المرء الله أثناء النعمة و المحرومين أثناء الحرمان دليل على أنّ النعمة لم تغرّه و لم تلهه، أي لم يتذکر المحرومين أثنائ الحرمان لکنّه يغفل عن ذکر الله في النعمة، هنا يؤدي ازدياد النعم الى الغفلة.

يجب التدقيق و الامعان في قصة سبأ، إنّها قصة تعليمية: «لقدْ کانَ لسبإ في مساکِنِهمْ آيةٌ جنّتان عن يمين و شمال کُلوا من رزقِ ربّکُمْ» (4).

أشخاص کانوا يعيشون في صحراء جرداء تماماً و لا يملکون شيئاً، لکنّهم أنشأوا سدّ مأرب المعروف فحال دون حدوث الفيضانات، و شقوا القنوات و الترع فأصبحت مملکتهم عامرةً، فلو سافر شخص من مدينة الى أخرى لظلّلته الأشجار على طول الطريق، و لو وضع على رأسه سلةً و مرّ تحت تلک الأشجار لامتلأت بعد فترة، لکنّ هذه النعم لم تؤدّ الى الشکر فحسب بل خلّفت الاعراض عن الله و الغفلة عنه. و أخيراً أرسل الله عليها السيل و أفناها جميعاً.

العجب من أنّ کل هذه الحضارة التي نشأت من سدّ مأرب تلاشت بواسطة عدد من الفئران الصحراوية کما نقلت الروايات. الظاهر أنّ سدّ مأرب کان ترابياً، فأوجدت الفئران و الجرذان جحراً وعشعشت فيه، و عند ما يدخل الماء الى حجر صغير يغسل أطرافه و جوانبه بالتدريج، و أولئک کانوا لاهين بمالديهم من أعمال، و عندما استيقظوا من نوم الغفلة لم يکن بإمکانهم الحؤول دون الفيضان و السيطرة عليه، فأصبح مصيرهم يضرب فيه المثل; يمکن أن يقع ما يشبه هذه الحکاية لطالب العلم (الروحاني) لا قدّر الله، فيتسابقون في الأمور الکمالية و الترف، مثلا يسعون لاقتناء منزل فخم و مرکبة عظيمة و فخمة و بقية الأشياء الکمالية، و النتيجة يغفلون عن الله و يبتلون بذلک المصير، فهذا العنوان الثانوي يمنع استغلال النعم الالهية من قبل الانسان.

3ـ عندما يمّر الناس بشقاء و عناء فکما قال أميرالمؤمنين(عليه السلام): «هل أنام شبعاناً» بينما تحيط بي بطون جائعة. في هکذا بيئة مليئة بالجائعين و المحرومين لايجب أن أهتم بنفسي فقط فتکون جميع همي و غمي و أغفل عن الآخرين.

4ـ يوجد أحياناً عنوان ثانوي يشمل صنفاً خاصاً، و هم من يجب أن يکونوا قدوةً و أسوةً للآخرين، فيحتمل أن يکون اسعمال تلک الوسائل من قبل الآخرين حسناً، لکنّه لا يناسب من کان أسوةً و قدوةً للناس.

من أراد أن يکون أمير جماعة يجب عليه أن يراعي شأناً من الشؤون الکثيرة لأمير المؤمنين، کيف يمکن أن يکون الانسان أميراً على قومٌ و لايشارکهم في سرّائهم و ضرائهم.

بناءاً على هذا، تجب مشارکة الناس في مشاکل الدهر، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): السيد من شارک الناس في همومهم و مشاکلهم.

 

الحکاية العجيبة لقوم سبأ:

مع أخذ توصيات الأستاذ بشأن مطالعة سيرة الذين جحدوا نعمتهم بنظر الاعتبار سنذکر مصير قوم سبأ ليکون عبرةً للجميع:

الذي يستفاد من القرآن الکريم و الروايات الاسلامية و کذلک من الکتب التاريخية أنّ أولئک سکان کانوا يعيشون جنوب الجزيرة العربية و کانت لديهم دولة ممتازة و حضارة متألقة.

کانت أراضي اليمن واسعة و خصبة و مثمرة، لکن وبرغم هذا الاستعدادلم يتمّ استثمارها لعدم وجود نهر مهمٍّ فيها، کانت الأمطار الغزيرة تهطل في المناطق الجبلية فتضيع مياهها في البوادي القاحلة، فکر الفطنون من أبناء تلک البلاد باستثمار هذه المياه، فأنشأوا سدوداً عديدةً في المناطق المهمة و من أهمها وأکثرها مياهاً سدّ مأرب.

مأرب (على وزن مغرب) بلدة تقع في نهاية أحد هذه الوديان، و تمّر السيول العظيمة لجبال«الصراط» بجنب هذه البلدة. قاموا ببناء سدٍّ ضخم في فوهة هذا الوادي و سفح جبلي «البلق» و أوجدوا فيه مجاري مختلفة، فاجتمعت مياه غزيرة خلف ذلک السدّ و استطاعوا بالاستفادة منها إيجاد حدائق غنّاءة و مزارع کثيرة على ضفتي النهر المنتهي بالسد. کما قلنا کانت القرى العامرة لهذه البلاد متصلةً ببعضها تقريباً فتکاتفت الضلال الواسعة للأشجار فقيل کلما وضع شخص سلّةً على رأسه و سار تحتها تتساقط الثمار فيها باستمرار حتى تمتلأ في فترة و جيزة.

لقد أوجد و فور النعمة المقرون بالأمن بيئةً مناسبةً جداً لحياة طيبة، بيئة جاهزة لإطاعة الرب و التکامل في الجوانب المعنوية.

لکنّ أولئک لم يدرکوا قيمة تلک النعم، فنسوا أو تناسوا الله و انشغلوا بجحود النعمة، و بدأوا يتفاخرون، و أجّجوا الفوارق الطبقية.

جاء في بعض التواريخ أنّ الفئران الصحراوية و الجرذان توجهت الى جدار هذا السدّ بعيداً عن أعين الناس الذين ملأهم الغرور و الترنح فأوهنته من الداخل; هطلت أمطار غزيرة على حين غرة فتحرکت سيول قوية جداً، فتلاشت جدران السد التي لم تستطع مقاومة الضغوط، و جرت تلک المياه الکثيرة المجتمعة خلف السدّ بسرعة فائقة فدمرت جميع القرى و الحدائق و المزارع و الدواب، و هدمت القصور و البيوت المجللة و الجملية بصورة مفاجئة، فتحولت تلک البلاد العامرة الى صحراء قاحلة، و لم يبق من تلک الحدائق النضرة و الأشجار المورقة سوى بضغة أشجار مرّة «المشواک» و «الاشجار المالحة» و قيل من «السدر»، هاجرت الطيور المغنية بالغزل من هناک و حلّ محلها البوم و الغربان.

نعم، عندما يرغب الله أن يُري قدرته يهلک حضارةً عظيمةً بواسطة بضعة فئران، ليتعرف العباد على ضعفهم و لا يأخذهم الغرور عندما ينالون قوةً و قدرةً. (5)

 

ما حقيقة الجحود بالنعمة:

ليس جحود النعمة عدم شکر الله فقط، بل کل استغلال للنعمة و استثمار شاذ و منحرف لها يعدّ کفراً بها. أصلا هذه حقيقة الکفر بالنعمة و يأتي عدم الشکر بالدرجة الثانية. کما أنّ شکر النعمة معناه إنفاقها في الهدف الذي خلقت من أجله، و الشکر اللساني يقع في الدرجة اللاحقة، فلو قلت «الحمد لله» آلاف المرات بلسانک لکنّک أسأت الاستفادة منها عملياً فقد کفرت و جحدت بها!

في هذا العصر الذي نعيش فيه تُرى أبرز مصاديق تبديل النعمة بالجحود، لقد قُيدت القوى المختلفة لعالم الطبيعة بأيدي الانسان في ضوء الذکاء و الابداع الذي منّ الله به عليه، و سُخرت في طريق مصالحه. لقد بدلت الاکتشافات العلمية و الاختراعات الصناعية وجه هذا العالم، و قد رفعت الأعباء الثقيلة من على کاهل الانسان و وضعت على اکتاف مکائن المعامل. المواهب و النعم الالهية أکثر من أي زمان سبق، و صارت وسائل نشر الفکر و بسط العلوم من جميع مناطق العالم في متناول الجميع، و کان يجب أن يصبح الناس في هذا العصر سعداء من جميع الجوانب، من الناحية المادية و من الناحية المعنوية أيضاً، لکن و بسبب تبديل هذه النعم الالهية العظيمة الى الکفر و إنفاق الطاقات الجميلة و الکبيرة للطبيعة في طريق الظلم و الاستبداد، و استعمال الاختراعات و الاکتشافات في طريق الأهداف المخربة، بحيث أنّ کل ظاهرة صناعية جديدة تخضع للاستثمار التخريبي أولا ثم تأتي مرتبة الجوانب الايجابية و باختصار إنّ هذا الجحود بالنعمة المعلول للابتعاد عن تعاليم أنبياء الله البنّاءة أد;ى الى جرف المجتمع نفسه نحو دار البوار، دار البوار الذي هو عبارة عن مجموعة من الحروب الاقليمية و العالمية مع جميع آثارها المخربة. کذلک عدم الاستقرار، الظلم، الفساد، الاستعمار، و الاستثمارات التي تصيب مؤسسيها في النهاية کما رأينا ذلک في الماضي و نراه اليوم بأعيننا.ما أروع ماتنبأ به القرآن الکريم من أنّ کل قوم و أمة جحدت نعمتها فهي تسير نحو دار البوار(6).

 


1.بحار الانوار، ج 74، ص 90.

2.سورة المؤمنون، الآية 51.

3.سورد الزمر، آلآية 10.

4.سورة سبأ، الآية 15.

5.التفسير الأمثل، ج 18، ص 67 ـ 68.

6.التفسير الأمثل، ج 10، ص 345 ـ 346.

127 / مقارنة بين الغيبة و الزنا

شرح الحديث:

لإدراک و فهم الروايات الواردة عن المعصومين(عليه السلام) يجب أن أبيّن نقطةً و هي عادةً ما تحصل مقارنة في الأحاديث و الروايات الاسلامية بين الأشياء، و من الطبيعي ليست هذه المقارنات بين الأشياء من جميع الجهات بل من زاوية و جهة واحدة; مثلا عندما نقول تعدل قراءة سورة الفاتحة ثلاث مرات ختم القرآن بأکمله مرةً واحدةً، ليست هذه المقارنة من جميع الجهات طبعاً ليقول البعض لماذا نقرأ القرآن بأجمعه إذن، بل هي من جهة واحدة.

الموضوع المراد بحثه من هذا القبيل أيضاً، فاذا قارن النبي(صلى الله عليه وآله) هنا بين الغيبة و الزنا فليس مراده من ذلک أنّ الغيبة أسوأ و أشدّ من الزنا من جميع الجهات، و من المحتمل أنّ أباذر تصور أنّها أشد من جميع الجهات، بينما يمکن أن يکون الزنا أشدّ، لذا سأل عن السبب في ذلک، فوضع النبي(صلى الله عليه وآله) في الاجابة إصبعه على اختلافهما من ناحية حق الله و حق الناس فقال: الزنا حق الله و اذا تاب الانسان واقعاً يتوب الله عليه، حتى زنا الحصنة، لکنّ الغيبة حتى لوکانت صغيرةً و بالنظر لکونها حق الناس اذا تاب الانسان عنها لايقبل الله تعالى توبته إلا أن يغفر له المغتاب. بناءاً على ذلک يُعرف الفرق بينهما; حق الناس هو إضاعة شيء من الناس; من يغتاب مسلماً فهو في الحقيقة قد هدر عرضه و کرامته التي قد تکون أفضل من ماله و دمه، فما أکثر الناس المستعدين للموت أمام عدم التفريط بعرضهم; على الرغم من أن الناس غالباً يعتبرون عود الثقاب أو الخشب و ... حق الناس، لکنّهم لايعتبرون النيل من عرض و کرامة المؤمن جزءاً من حق الناس مع أنّ: «حُرمةُ عرضِ المؤمنِ کحرمةِ مالهِ دمهِ».

طبعاً هذا من جهة واحدة، لأنّ الزنا ذنب يرتکب في الخفائ و السر، أمّا الغيبة تکون مصحوبةً باهدار کرامة الانسان، الخلاصة إنّ مقارنة النبي(صلى الله عليه وآله) تحذير لئلا يُتعامل ببساطة مع مسألة الغيبة، لأنّها ترتبط بعرض مسلم، ذلک العرض الذي يعادل الروح بل هو أفضل من المال و الدم. أحياناً يتصل البعض هاتفياً فيقول مثلا: لقد اغتبتک فسامحني و أبرء ذمتي، فيقول الانسان: سامحتک، فهل يکفي هذا؟

العياذ بالله أن يرحل الانسان عن هذه الدنيا و يبقى عب حق الناس على أکتافه، لذا في البحث الفقهي للغيبة اذا لم نقل من الواجب طلب إبراء الذمة فهو احتياط واجب حيث لا يغفر للانسان بدون ذلک، لأنّه حق الناس، لذا جاء في الروايات، عندما يأتي يوم القيامة و يراد أخذ حق من اغتيب و لم يکن المغتاب يملک شيئاً ليعطيه، لذا يؤخذ من حسناته، و اذالم يکن لديه حسنات يعطى من سيئات الطرف الآخر (خصمه).

أرسل رجل جليل هديةً لشخص، فتعجب ذلک الشخص بأنّي أهجوک و أذمک و أنت ترسل لي هديةً؟ فأجابه قائلا: سمعت أنّک تهديني حسناتک هذه الأيام فأردت أن أعوضک بهدية مالية.

يجب أن نتعامل مع مسألة الغيبة بهذه الطريقة; لأنّ طلاب العلوم الدينية يتعرضون لهذه المسألة اکثر من غيرهم، ولديهم مجالات عديدة للاغتياب; برغم أنّ الأرضية غير متوفرة لارتکاب بعض أنواع الذنوب من قبل طلاب العلم لکنّها متوفرة في البعض الآخر مثل الرياء، الغيبة، الکذب، و التکبر، الحسد، و التهمة، و الافتراء و...

بناءاً على هذا يجب أن تخافوا من الذنوب التي تتوفر أرضيتها بينکم: مثلا سمعتم أنّهم يقولون لايبتلى الانسان بالحمّى القرمزية خمسين سنةً، إذن لايجب على مثل هذا الانسان أن يخاف من تلک الحمى، لکن على هذا الرجل ذي الخمسين عاماً أن يخاف من الأمراض التي يکون عرضةً لها من قبيل تنخر العظام، السکتة القلبية و الدماغية، مرض السکري و ...

 

بناءاً على هذا، يمکن أن يکون للغيبة جوانب متعددة:

الجانب الشخصي أحياناً، والجانب الاجتماعي و حتى العالمي أحياناً أخرى. يمکن أن يکتب شيئاً و ينشره على المستوى العالمي، يجب على المغتاب التدارک و التعويض، تجب إعادة حيثية وکرامة المسلم الذي اغتيب; أي يذهب الى سامع الغيبة و يقول: لقد أخطأت، اذا کان قد اغتاب أحداً من الناس يمکنه التدارک و الاصلاح، أما لو اغتاب على المنبر أو في إحدى وسائل الاعلام فلامجال للتدارک هنا، فيرحل الانسان عن الدنيا بحمل ثقيل من الذنوب و الآثام.

لذا لو التفت الانسان لما يتعلق بالغيبة من حق الناس لتخلص من هذه الابتلاءات .

لدينا روايات تقول: لاتقبل صلاة المغتاب أربعين يوماً. اذا احتوى اللباس على خيط مغصوب تبطل الصلاة فماذا لوهتک عرض مليون شخص ؟

يعتبر البعض عرضه و کرامته ذاقيمة عالية جداً فلايبدله بملايين التومانات، لذا يجب الانتباه جيداً لأجل عدم الوقوع في فخ الغيبة و لنطلب من الله تعالى أن يخفف أعبائنا، لأنّ للغيبد بالاضافة الى الجانب الفردي جانباً اجتماعياً أيضاً. اذا لم ترتکب الغيبة في مجمع يثق الناس ببعضهم و يصبحون متفائلين; ينشأ الاختلاف و إراقة الدماء و الحروب من الغيبة غالباً.

النقطة المهمة هي أن نعلم أنّ التشاؤم مصدر المفاسد الاجتماعية و الغيبة منشأ التشاؤم لأنّه لو لم توجد الغيبة لما وجد التشاؤم، و لو لم يوجد التشاؤم لم تحدث تلک المصائب.

للغيبة طرق مختلفة، لأنّ الانسان يتصور أحياناً أنّه في حال العبادة، لکنّ ذلک في الواقع غيبة و رياء أيضاً.

يقول أحد علماء الأخلاق: يقول البعض: من المؤسف أنّ الشارع أغلق فمي، دعني أسامح. لقد ارتکب هذا الشخص ذنبين، ارتکب الغيبة و الرياء أيضاً.

عندما يقول: الشارع أغلق فمي، فمعنى ذلک أنّ هذا الشخص ارتکب آلاف الجرائم لکنّي لاأريد أن أقول، بحيث لو ذکر نفس ذنب الطرف المقابل لما حصل على عشر هذا الذنب، بالاضافة الى أنّه يفعل الرياء في نفس الوقت.

حصلت مقارنة بين الثنين من الکبانر (الغيبة و الزنا) في الحديث الشريف، و سوف نقدم شرحاً مختصراً لکل منهما:

 

الغيبة:

الغيبة کما هو ظاهر من اسمها التکلم أثناء غياب شخص، لکنّ هذا الکلام يظهر عيباً من عيوبه، سواء کان ذلک العيب بدني أو أخلاقي، و سواء کان في أعماله أو في کلامه، حتى لو کان بأمر يتعلق به مثل اللباس، المنزل، الزوجة و الأولاد و أمثال ذلک.

بناءاً على هذا، لو ذکر شخص الصفات الظاهرة لشخص آخر فلن يکون کلامه اغتياباً، إلاّ أن يقصد ذمّه و إعابته فيصبح محرماً، کما لو قال ذاماً له: ذلک الرجل المکفوف، أو قصير القامة، أو أسود اللون أو أجرد.

فعليه يکون ذکر العيوب المستورة بأي قصد غيبةً و محرماً، و ذکر العيوب الظاهرة اذا کان بقصد الذم و الانتقاص حرام أيضاً، سواء اعتبرنا ذلک داخلا في مفهوم الغيبة أم لا.

کل ذلک في حالة کون تلک الصفات واقعاً موجودةً في الشخص، أما لو لم تکن إحدى الصفات موجودةً فيه فيدخل ذلک تحت عنوان «التهمة» حيث يکون ذنبها أشدّ و أکبر.

فقرأ في حديث عن الامام الصادق(عليه السلام): «الغيبةُ أن تقولَ في أخيک ماستَره اللهُ عليهِ، و أما الأمرُ الظاهرُ فيهِ مثلُ الحدّةِ و العجلةِ فلا; و البهتان أن تقولَ ماليسَ فيهِ»(2)

يتضح من ذلک أنّه لا تسمع الأعذار التي يأتي بها بعض العوام، مثلا يقول المغتاب أحياناً: ليس هذا عيباً بل هو صفته، في الوقت الذي لو لم تکن صفته لأصبح تهمةً لا غيبةً.

أو يقول: هذا الکلام أقوله في حضوره أيضاً، في الوقت الذي لايقلل ذلک من ذنب الغيبة فحسب، بل يحّمله ذنباً اکبر لايذائه المؤمن.

 

الغيبة من أکبر الذنوب:

کما تعلمون إنّ العرض و الکرامة و الشخصية أکبر ثروة للانسان في الحياة، و کل ما يعرض ذلک للخطر کأنّما يعرض روح الانسان للخطر، بل يعدّ اغتيال الشخصية أحياناً أهم من اغتيال نفس الشخص، و هنا يکون ذنب ذلک أعظم من ذنب قتل النفس أيضاً.

أحد علل تحريم الغيبة هي عدم تضييع تلک الثروة العظيمة و عدم تقويض حرمة الاشخاص، و عدم تلطيخ أعراض الأشخاص، فالاسلام يتناول هذا الموضوع بأهمية بالغة.

النقطة الأخرى هي أنّ الغيبة تخلق التشاؤم و تزلزل الروابط الاجتماعية و تقضي على ثورة الثقة و الاطمئنان و تزعزع رکائز التعاون و التعاضد.

نعلم أنّ الاسلام يؤمن بالأهمية القصوى لمسألة وحدة و انسجام و استحکام المجتمع الاسلامي، و کل ما من شأنه ترسيخ هذه الوحدة يحبه الاسلام، و کل ما يضعفها يکرهه، و الغيبة إحدى عوامل التضعيف المهمة.

و بغضّ النظر عن کل ذلک فانّ الغيبة تنثر بذور الحقد و العداوة في القلوب، و تصبح منشأً للنزاعات الدموية و القتل.

باختصار اذا اعتبرت الغيبة في الاسلام من الذنوب الکبيرة فلأجل آثار السوء الفردية و الاجتماعية لها.

الغيبة في الروايات الاسلامية:

تلاحظ تعابير شديدة في الروايات الاسلامية في هذا المجال، حيث ننقل نماذج منها فيمايلي :

1ـ قال النبي الکريم(صلى الله عليه وآله): «إنّ الدرهَم يصيُبه الرجلُ من الرّبا أعظمُ عنداللهِ في الخطيئة من ستٍّ وثلاثين زنيةً يزينها الرجلُ; و أربى الربا عرضُ الرجلِ المسلمِ» (3).

تأتي هذه المقارنة طبعاً لأجل أنّ الزنا مهما کان قبيحاً يتعلق به «حقّ الله»، لکنّ الربا و الأنکى منه إراقاة ماء وجه الناس عن طريق الغيبة أو غيرها يتعلق بها «حق الناس».

2ـ يروى في حديث آخر أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) خطب الناس ذات يوم بصورت مرتفع و قال: «يا معشرَ من آمنَ بلسانهِ و لم يؤمنْ بلقبهِ لا تغتابوا المسلمين، و لا تتّبعوا عوراتِهم، فانّهُ من تتّبعَ عورةَ أخيهِ تتّبع اللهُ عورتَهُ، و من تتّبع اللهُ عورتَهُ يفضحهُ في جوفِ بيتِه»(4).

3ـ جاء في حديث آخر أنّ الله تعالى أوحى لموسى: «مَن مات تائباً من الغيبةِ فهوَ آخرُ من يدخلُ الجنّةَ، و من مات مصرّاً عليها فهوَ أولُ من يدخلُ النّارَ» (5).

4ـ نقرأ في حديث عن النبي الکريم(صلى الله عليه وآله): «الغيبةُ أسرعُ في دينِ الرجلِ المسلمِ من الآکلةِ في جوفهِ» (6).

يؤکد هذا التشبيه أنّ الغيبة کالآکلة التي تأکل لحم الانسان و تفنيه تقضي على إيمان الانسان بسرعة، و مع الالتفات الى أنّ أسباب الغيبة أمور کالحسد، التکبر، البخل، الحقد، الاحتکار، و أمثال هذه الصفات القبيحة و المذمومة يتضح لماذاتؤدي الغيبة و هتک عرض المؤمن بواسطتها الى زعزعة ايمان الانسان بهذه الکيفية. (تأملوا)

5ـ نقل عن الامام الرضا عن آبائه(عليه السلام) أنّ الامام علي بن الحسين(عليه السلام) قال: «إيّاکم و الغيبة فانّها إدامُ کلابِ النارِ».

6ـ قال النبي(صلى الله عليه وآله): «مَن اغتابَ مؤمناً فکأنّما قتل نفساً متعمّداً».

7ـ قال النبي(صلى الله عليه وآله): کذلک: «مَن اغتابَ مسلماً لم يقبلِ اللهُ صلاتَهُ و لاصيامَهُ أربعين يوماً و ليلةً، إلاّ أن يغفَر لهُ صاحبُهُ» (7).

8ـ نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) انّه قال: «يؤتى بأحد يومَ القيامةِ يوقفُ بينَ يدي اللهِ و يُدفعُ إليهِ کتابُهُ فلا يرى حسناتهِ فيقولُ: إلهي ليس هذا کتابي، فإنّى لا أرى فيها طاعتي، فيقالُ لهُ: إنّ ربّکَ لا يضلُّ و لا ينسى، ذهبَ عملُکَ باغيابِ الناسِ، ثمّ يؤتى بآخر و يدُفعُ إليه کتابُهُ فيرى فيهِ طاعات کثيرةٌ فيقولُ: إلهي ماهذا کتابي فإنّى ما عملتُ هذهِ الطاعاتِ فيقال: لأنّ فلاناً اغتابکَ فدُفعت حسناتُهُ إليک» (8).

9ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «کفّارةُ الاغتيابِ أن تستغفر لمن اغتبتَهُ» (9).

الروايات في المصادر الاسلامية في هذا المضمار کثيرة جداً، و سوف ننهي بحثنا بذکر حديث آخر:

10ـ يقول الامام الصادق(عليه السلام): «مَن روى على مؤمن روايةً يريدُ بها شينَهُ، و هدمَ مروّتهِ ليسقطَ من أعينِ الناسِ، أخرجَهُ اللهُ من ولايتهِ الى ولايةِ الشيطانِ، فلا يقبلُهُ الشيطانُ» (10)

کل هذه التأکيدات و العبارات المثيرة لأجل الأهمية القصوى التي يبديها الاسلام لحفظ عرض المؤمن و حيثيته الاجتماعية، و کذلک للآثار المخربة التي تخلفها الغيبة على وحدة المجتمع و الثقة المتبادلة و ارتباط القلوب، و الأنکى من کل ذلک أنّ الغيبة عامل لتأجيج نارالحقد و العداوة و البغضاء و النفاق و اشاعة الفحشاء في محيط المجتمع، لأنّه لما تظهر عيوب الناس الخفية عن طريق الغيبة تزول أهمية و عظمة ارتکاب الذنب، و يسهل ارتکابه و التلوث به.

 

علاج الغيبة و التوبة عنها:

تشبه الغيبة الکثير من الصفات السيئة في أنّها تتحول بالتدريج الى مرض نفسيٍّ، الى درجة أنّ المغتاب يتلذذ بفعله، و يبدي ارتياحه من هتک عرض هذا و ذاک باستمرار، و هذه إحدى المراحل الأخلاقية الخطرة جداً.

هنا يجب على المغتاب قبل کل شيء أن يعمل على علاج الدوافع الداخلية للغيبة، و التي تکمن في أعماق روحه و تؤجج هذه المعصية، تلک الدوافع من أمثال (البخل)، (الحسد)، (الحقد)، (العداوة)، و (الغرور).

يجب غسل هذه الأقذار من الروح عن طريق تهذيب النفس و التفکير في العواقب الوخيمة لهذه الصفات القبيحة و النتائج المشؤومة التي تخلفها، و کذلک عن طريق ترويض النفس، ليتمکن من منع اللسان من التلوث بالغيبة. ثم يتوب بعد ذلک، و انطلاقاً من کون الغيبة تتعلق بـ «حق الناس» فلو استطاع الوصول الى من اغتابه يلتمسه العذر ـ اذا لم يتسبب ذلک في إيجاد مشکلة ـ حتى لو کان ذلک بصورة إجمالية; فيقول مثلا: لقد اغتبتک أحياناً نتيجة الجهل و عدم الاطلاع فسا محني، و لا يوضح له أکثر من ذلک، لئلا يصبح عاملا جديداً للفساد. و اذا لم يستطع الوصول الى ذلک الشخص، أو لايعرفه، أو رحل عن الدنيا، فليستغفر له و يعمل له حسناً، و من المحتمل أن يتجاوز عنه الله تعالى ببرکة ذلک و يرضي الطرف الآخر.

 

موارد الاستثناء:

حديثنا الأخير عن الغيبة هو أنّ قانون الغيبة کغيره من القوانين يحتوي على استثناءات، من ضمن ذلک مالو سأل شخص غيره من باب التشاور حول اختيار الزوجة مثلا أو اختيار شريک للعمل و أمثال ذلک. الأمانة في التشاور ـ و هو قانون اسلامي قطعي ـ توجب ذکر العيب مع العلم به، لئلا يقع المسلم في الفخ، فلا تحرم هذه الغيبة مع هکذانية. کذلک لو حصلت الغيبة في موارد أخرى لأهداف مهمة کالتشاور من أجل العمل، أو لاحقاق الحق و التظلم.

يخرج بالطبع المتجاهر بالفسق عن موضوع الغيبة، فلا إشکال في ذکر عيوبه بغيابه، لکن يجب الانتباه الى أنّ هذا الحکم يختص بالذنب المتجاهر فيه .

يجدر بنا الالفات الى هذه النقطة أيضاً و هي ليست الغيبة حرام فحسب، بل يحرم الاصغاء إليها و الحضور في مجلس الغيبة أيضاً، و تؤکد بعض الروايات وجوب رفض اغتياب المسلمين; أي يجب الدفاع أمام الغيبة، فيدافع الانسان عن أخيه المسلم الذي عرضت حيثيته للخدشة و الخطر، و ماأجمل المجتمع الذي تطبق فيه تلک المبادي الأخلاقية بدقة (11).

 

الزنا:

يشير القرآن الکريم في سورة الأسراء الآية 32 الى ذنب کبير و عمل مناف للعفةِ ألاوهو الزنا حيث يقول: «ولا تقربوا الزنا إنّهُ کانَ فاحشةً وساءَ سبيلا».

أشير في هذه الآية الشريفة الى ثلاث نقاط:

الف) لم يقل لاتزنوا، بل قال: لاتقربوا الزنا، هذا التعبير بالاضافة الى التأکيد المضمر في عمقه الى نفس هذا العمل، هو إشارة ظريفة الى أنّ للتلوث بالزنامقدمات غالباً تقرب الانسان منه رويداً رويداً، المغازلة بالنظر إحدى تلک المقدمات، الخلاعة و سوء الحجاب مقدمة أخرى، الکتب المعلمة للأمور السيئة و «الأفلام القذرة» و «النشريات الفاسدة» و «مراکز الفساد» کل واحد من هذه الأمور يعتبر مقدمةً لهذا العمل. کذلک الاختلاء بالأجنبية عامل آخر لاثارة الوساوس.

و أخيراً ترک الشباب للزواج و التشدد المفرط و غير المنطقي من قبل الطرفين في هذا المجال، کل ذلک من عوامل «الاقتراب من الزنا» التي نهى عنها القرآن الکريم بجملة مختصرة في الروايات الاسلامية.

ب) تنکشف عظمة هذا الذنب بجملة «إنّه کانَ فاحشةً» حيث تشتمل على ثلاثة تأکيدات.

ج) تبين جملة «ساءَ سبيلا» حقيقة أنّ هذا العمل يفتح الطريق أمام مفاسد أخرى في المجتمع.

 

فلسفة تحريم الزنا:

1ـ إيجاد الهرج و المرج في نظام الأسرة، وفقدان علاقة البنوة و الأبوة، تلک العلاقة التي لاتسبب المعرفة الاجتماعية فحسب، بل تؤدي الحماية الکاملة للأبناء، و تضع أساس المحبة التي توجد هذه الحماية طول العمر. الخلاصة تتقوض العلاقات الاجتماعية القائمة على العلاقات الأسرية في المجتمتع الذي يکثر فيه الأبناء غير الشرعيين. کفانا لإدراک هذا الموضوع أن نفکر لحظةً فيمالو أجيز الزنا في کل المجتمعات البشرية و رفع الزواج، فالأطفال المولودون في هذه الظروف لا يتمتعون بحماية أحد، لابدو الولادة و لا أثناء الکبر.

بغضّ النظر عن ذلک، سوف يحرمون من عنصر المحبة ذي الدور الحاسم في مکافحة الجرائم و العنف و الاضطهاد، و يبدل المجتمع الانساني الى مجتمع حيواني مليء بالاضطهاد في جميع أبعاده.

2ـ يسبب هذا العمل القبيح أنواع التصادمات و التجاذبات الفردية و الاجتماعية بين أتباع الهوى. القصص التي نقلت و کتبت حول کيفية الأوضاع في المناطق السيئة الصيت و مرکز الفساد تبين حقيقة وقوع أبشع الجرائم مع الانحرافات الجنسية جنباً الى جنب.

3ـ أکدت التجارب و أثبت العلم أنّ هذا العمل يؤدي الى انتشار مختلف الأمراض، و برغم جميع الوسائل التي و فرت في هذا العصر للحدّ من تبعات و آثار ذلک، تؤکد الاحصائيات ازدياد عدد الأفراد الذين فقدوا و يفقدون سلامتهم في هذا الطريق.

4ـ يسبب هذا العمل إسقاط الجنين و قتل الأبناء و قطع النسل غالباً، لأنّ هکذا نساء غير مستعدات لتربية أولئک الأطفال، و وجود الطفل أصلا عقبة کبيرة في طريق مواصلة أعمالهنّ الخبيثة، لذا يسعين دائماً لازالتهم عن الطريق.

إنّ النظرية القائلة بامکانية جمع هؤلاء الأطفال في مؤسسات تحت إشراف الدول لاتعدو الأوهام، فقد أثبت فشلها عملياً، لأنّ تربية الأولاد الفاقدين للأبوين بهذه الطريقة تواجه مشاکل جمة، و تکون ثمارها غير مرغوبة أبداً، أولاد قساة، مجرمون، عديموا الشخصية و فاقدون لکل شيء.

5ـ لايجب أن ننسى أنّ الهدف من الزواج ليس إشباع الغريزة الجنسية فقط، بل الاشتراک في تشکيل الحياة و الاستئناس الروحي و الاستقرار الفکري، و تربية الأبناء و التآزر في جميع شؤون الحياة من آثار الزواج، حيث لا يمکن تحقق أيٍّ منها بلا اختصاص الرجل و المرأة ببعضهما و تحريم الزنا.

 

الزنا و تبعاته في روايات المعصومين(عليه السلام):

يقول الامام على(عليه السلام) في حديث: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: «في الزنا ستُّ خصال: ثلاثٌ في الدنيا، و ثلاثٌ في الآخرةِ، فأمّا اللواتي في الدنيا، فيذهبُ بنورِ الوجهِ، و يقطعُ الرزقَ، و يُسرعُ الفناءَ. و أمّا اللواتي في الآخرة، فغضبُ الربِّ، و سوءُ الحسابِ، و الدخولُ في النارِ أو الخلودُ في النار» (12).

نقل عن الامام الباقر(عليه السلام) أنّه قال: وجدتُ في کتابِ علي(عليه السلام) أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: «اذا کثُرَ الزنا من بعدي کثُرَموتُ الفجأةِ» (13).

نقل عن أميرالمؤمنين على(عليه السلام) أنّه قال: «الزنا يورثُ الفقرَ» (14).

قال علي(عليه السلام): «ترکُ الزنا تحصيناً للنسبِ» (15).

قال علي(عليه السلام): «مازنا غيورٌ قطُّ» (16).

روى الامام الصادق(عليه السلام) أنّ المسيح(عليه السلام) قال: «إنّ موسى أمرَکُم أن لا تزنوا، و أنا آمرُکُم أن لاتُحدّثوا أنفسَکُم بالزنا فضلا عن أن تزنوا; فإنّ مَن حدّث نفسَهُ بالزنا کانَ کمن أوقد في بيت مزوّق فأفسدَ التزوايقَ الدخانُ و ان لم يحترقِ البيتُ» (17)(18).

 


1. بحار الانوار، ج 74، ص 89.

2. أصول الکافي، ج 2، باب الغيبة و البهتان، ح 7.

3.المحجة البيضاء، ج 5، ص 253.

4.نفس المصدر.

5.نفس المصدر، ص 252.

6.أصول الکافي، ج 2، باب الغيبة، ح 1.

7.بحار الانوار، ج 5، ص 256.

8.نفس المصدر، ص 259.

9.نفس المصدر، ج 57، ص 253.

10.وسائل الشيعة، ج 8، الباب 158، الحديث 2، ص 608.

11.التفسير الأمثل، ج 22، ص 188 ـ 194.

12. التفسير الامثل، ج 12، ص 102 ـ 105.

13.الکافي، ج 5، ص 541.

14.بحار الانوار، ج 9، ص 23.

15.نهج البلاغة، الحکمة 252.

16.نفس المصدر، الحکمة 305.

17. وسائل الشيعة، ج 5، ص 37.

18.اقتبست الروايات 2 ـ 6 من کتاب «الحکم الظاهرة» للکاتب علي رضا الصابري.

126 / أنواع التکبر

شرح الحديث:

ذکرت مسألة التکبر في کثير من الآيات و الروايات، وتمّ التحذير منها لکون التکبر من العلل المهمة للمعصية.

جاء في المصادر الاسلامية: أول ذنب ارتکب في العالم ذنب أبليس، و کان ناشئاً من التکبر، و قد أدّى به الى الکفر، بل تمخض عن الاعتراض على الله جلّ و علا; إذا حلّلنا هذه المسألة بصورة صحيحة نجد أنّ سبب الکثير من المعاصي هو التکبر. و التکبر يتضمن أنواعاً لکلٍّ منها آثاره الخاصة:

1ـ إن کان التکبر مقابل الله سوف يؤدي الى عصيانه و هو يساوق عدم التسليم له، و هذا عدم الايمان بعينه، لأنّ غير المتکبر هو الذي يستسلم لله: «إنّ الّذينَ يََستکبرونَ عنْ عبادَتي سيدخُلونَ جهنَّمَ داخيرنَ» .

2ـ يکون التکبر أحياناً على عبادالله.

3ـ يحصل التکبر أحياناً أمام أوامر النبي(صلى الله عليه وآله).

4ـ أحياناً يحدث التکبر مقابل الحقّ; مثلا إنّي علمت أنّ الشئ الفلاني حقّ، لکنّ التکبر لايأذن لي بالخضوع له.

 

فروع التکبر:

العجيب أنّ للتکبر فروعاً و شعباً کثيرةً و متعددةً.

1ـ الأنانية و الغرور; 2ـ حب الذات و الخيلاء; 3ـ الغطرسة; 4ـ تعظيم الذات; 5ـ قمة الأنانية و الاعجاب بالنفس.

 

ملاحظة:

بدءاً يرى الانسان نفسه فقط ثم يعجب بنفسه و بعدها لايريد سواها،ثم يقارون نفسه مع الآخرين بالتدريج و يقول: إنّي أفضل من الجميع، و بعدئذ يقول: بما أنّي أفضل الجميع يجب أن أکون محوراً و قطباً فيدور الجميع حولي و هذا ما يسمى بالتمحور حول الذات و هو قمة الأنانية و الاعجاب بالنفس.

تسبب هکذا صفة اعتقاد الشخص بامتلاکه أفضل و أرفع منزلة في المجتمع و يعتبر الآخرين عبيداً له. طبعاً يمکن أن تکون هناک فروعاً أخرى.

 

آثار التکبر:

عدّوا للتکبر آثاراً جمّةً من ضمنها:

يلقي التکبر غشاءاً بين المرء و عيوبه فيؤدي الى عدم رؤيته لها، بل يراها محاسناً، يرى نقاط الضعف نقاط قوة، فالمسکين و الشقي من لم يستطع تحديد محاسنه من عيوبه نتيجة الغرر و الأنانية، و هذا أکبر العراقيل بوجه تکامل الانسان.

أهم مرحلة استند عليها علماء الأخلاق الذين کتبوا عن السير و السلوک هي مرحلة التکبر، أى لا توجد أىّ مرحلة أسمى و أرفع منها برأيهم، لأنّ المرء لايصل الى منزلة لقاء الله و القرب الالهي إلاّ عندما يستطيع أن ينسى نفسه ولا يرى و لا يطلب سوى الله، و لا يفکر في غيره. إن لم ينسَ نفسه يفکر فيها و التفکير بالذات شرک أيضاً. الموحد الحقيقي هو الذي يذوب في جماله فقط، و هذه مسألة عسيرة جداً، لأنّ طالب العلم في مظانّ هذه المسألة، فيقدم الناس للسلام عليه و يحترمونه و يکرمونه، و يصلون على النبي لأجله، و يوصل بعض المتملقين الانسان الى قمة العرش بکلامهم المعسول.

يحتاج الانسان هنا الى روح قوية و مقتدرة جداً لکي لا يغترّو ينسى نفسه.

سئل في ذيل الحديث: يا رسول الله هل ينجو من الکبر أحد؟ فقال النبي: نعم، ثم ذکر أشياءاً للمثال طبعاً، مثل أن يلبس المرء الصوف، و أن لا يکون مرکبه جالباً للتکبر، و أن يحلب حيوانه بيده، و يجالس الفقراء و المساکين. باختصار المراد کسر صنم التکبر.

 

عوامل تحطيم الغرور:

يغترّ أغلب الناس بالحصول على الامکانيات المادية و الوصول الى المنصب و المنزلة، و هذا الغرور من أکبر أعداء سعادة البشر، و کما جاء في القرآن الکريم يکون الشرک و الکفر عاقبة الغرور. من أجل ذلک استعمل القرآن الکريم ـ الکتاب التربوي الممتاز ـ طرقاً مختلفةً لهدم و سحق ذلک الغرور: يصور أحياناً الفناء و العدم و عدم الاستقرار للثروات المادية(2)، و يحذر أحياناً أخرى من أنّ هذا الثروات يمکنها أن تصبح عدوةً لکم (3)، و ينبّه الناس أحياناً عن طريق ذکر مصير المغرورين في التاريخ کقارون و فرعون، و يمسک أحياناً يد الانسان لينقله الى ماضيه، يعني عندما کان نطفةً تافهةً أو تراباً عديم القيمة، أو يصور له مستقبله الذي لا يختلف کثيراً عن ماضيه، ليعلم أنّ الغرور عمل أحمق بين هذين الضعفين و العجزين، (مثل: الطارق الآية 6; السجدة الآية 8; القيامة الآية 38).

و على هذا فالقرآن استفاد من جميع الوسائل لإحباط هذه الصفة و العادة الشيطانية التي کانت سبباً لجرائم عظيمة على مرّ التاريخ.

لکن من المسلّم أنّ المؤمنين الواقعيين و ذوي التحمل الکبير لايفتتنون بهذه الصفة القبيحة بنيلهم منصباً أو ثروةً أبداً. أولئک لايغترّون فحسب بل لايقع أدنى تغيير في برنامج حياتهم، إنّهم يعتبرون جميع هذه الأمور زينةً مستعارةً تنهار بهبوب النسيم (4).

 

التکبر في روايات أهل البيت(عليه السلام):

1ـ نقرأ في کتاب نهج البلاغة في «الخطبة القاصعة» عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أثناء ذم الکبر و الغرور: «فاعتبروا بما کانَ من فعلِ اللهِ بابليسَ إذ أحبطَ عملَهُ الطويلَ، وجَهدَهُ الجهيدَ، و کان قد عبدَاللهَ ستّةَ آلافِ سنة ... عن کبرِ ساعة واحدة. فمن ذا بعدَ إبليسَ يسلمُ على اللهِ بمثلِ معصيتِهِ، و أهلِ الأرضِ کلاّ، ما کانَ اللهُ سبحانَهُ ليُدخلَ الجنّةَ بشراً بأمر أخرجَ بهِ منها ملکاً. إنّ حکمَهُ في أهلِ السماءِ و الأرضِ لواحدٌ»(5).

2ـ نقل عن الامام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «أصولُ الکفرِ ثلاثةٌ: الحرصُ و الاستکبارُ و الحسدُ. فأمّا الحرصُ فإنّ آدمَ حين نُهيَ عن الشجرةِ حملَهُ الحرصُ على أن أکل مَنها،و أمّا الاستکبارُ فابليسُ حيثُ أمُرَ بالسجودِ لآدمَ فأبى، و أمّا الحسدُ فابنا آدمَ حيثُ قتلَ أحدُهُما صاحَبهُ» (6)

3ـ نقرأ في رواية عن الامام الباقر و الامام الصادق(عليه السلام): «لايدخلُ الجنّةَ من في قلبِهِ مثقالُ ذرّة من کبر» (7)

4ـ نقل عن الامام علي(عليه السلام) أنّه قال: «التعزّزُ بالتکبّرِ ذُلٌّ» (8).

5ـ من نصائح الله تعالى لموسى(عليه السلام): «يا موسى ضعِ الکبرَ ودَعِ الفخرَ و اذکُرْ أنّکَ ساکنُ القبرِ فيمنعْکَ ذلکَ من الشهواتِ» (9)

 


1.بحار الأنوار، ج 74، ص 90.

2.سورة الکهف، الآية 46 ـ 45.

3. سورة التوبة، الآية 55.

4.التفسير الأمثل، ج 12، ص 448 ـ 449.

5.نهج البلاغة، صبحي صالح، الخطبة 192.

6.أصول الکافي، ج 2، ص 219، باب أصول الکفر.

7.نفس المصدر، باب الکبر، ح 7.

8.غرر الحکم، ص 34.

9.بحار الانوار، ج 73، ص 214.

125 / حبّ الجاه و الرئاسة

شرح الحديث:

هناک أحاديث کثيرة بشأن حبّ الجاه و المنزلة في التاريخ الاسلامي، و قد أشار القرآن الکريم الى هذا الموضوع إشارةً عميقةً في سورة النور: «تلکَ الدارُ الآخرةُ نجعلُها للّذينَ لا يُريدونَ علوّاً في الأرضِ و لافساداً» (2)، و مضمون الآية أنّ الجنة ليست مکاناً لمن يرغب العلوّ في الأرض، و تتعلق الآخرة بمن کان مطيعاً و لم يفسد في الأرض. لجملة «العلو في الأرض» معنى واسع فيشمل جميع أنواع طلب الجاه و المنزلة. من ضمن ذلک قال الامام علي(عليه السلام) في حديث معروف: معنى العلو في الأرض واسع حيث تشمل الآية من راد أن يکون رباط نعله أفضل من صديقه، فيعلو عليه بهذا المقدار، لأنّ «العلوّ» له مراتب، مثلا يرغب الشخص أحياناً أن يکون حاکماً على الآخرين فيکون الآخرون محکومين له و يخدمونه کالعبد الضعيف و الذليل. و أحياناً يرغب بالتقدم على الآخرين بکون رباط نعله أفضل منهم فيتقدم عليهم لهذا السبب. تحتوي الروايات على إشارات عميقة في هذا الخصوص:

1ـ من ارتفعت أصوات النعل خلفه يکون على حافة الخطر: «ما خَفقتِ النعالُ خلفَ رجل إلاّ هلکَ» (3). يعني من طلب الرئاسة و المنزلة، أما لو لم يکن من أتباع الهوى فلا يؤثر فيه مرافقة آلاف الناس له الى المسجد أو عدم مرافقتهم لأنّه ليس من أهل الهوى، أما لو أحبّ الشخص أن يتمثل له الرجال قياماً بمعنى کونه سيداً و الآخرين عبيداً و خدماً فليتهيّأ الى دخول جهنم، أي أنّ مقعده جاهز فيها.

الموضوع المهم طبعاً هو حبّ الجاه و الرئاسة، حيث تعتبر هذه المرحلة حقاً من المراحل العسيرة جداً خصوصاً لطلبة العلوم الدينية و الروحانيين، و المتصدرين و المسؤولين بالذات، أو أولئک الذين ينالون منزلةً خاصةً في المجتمع.

خلاصة الکلام ما الانفصال عن جميع هذه المراحل بعمل يسير، لأنّ «آخرُ ما يخرجُ من قلوبِ الصدّيقينَ حبّ الجاهِ».

إصلاح النفس في جميع المراحل الأخرى (الشهوات الجنسية، هوى النفس، حبّ الدنيا، حبّ الثروة) أيسر، أي من الممکن إخراج کلّ ذلک من القلب، لکنّ إخراج حبّ الجاه منه لايتأتّى من کلّ أحد. الطريف في هذا الحديث عبارة «قلوبُ الصدّيقينَ» حيث يتضح أنّ قلب الصدّيق يمکنه أن يحوي حبّ الجاه.

س/ ما هو طريق محاربة حبّ الجاه؟

ج/يقول البعض: لمجابهة هذه الصفة المذمومة من الأفضل أن يبقى الانسان مجهولا بين الناس، و بجملة مقتضبة يعيش منزوياً و مجهولا، و من المحتمل أن يکون هذا الدليل هو الذي دعا عدداً من علماء الأخلاق و السائرين في طريق السير و السلوک الى بذل قصارى جهودهم لئلا يصبحوا مشهورين. لکن هل هذا هو الطريق حقاً لمحاربة حبّ الجاه؟ لأنّ معنى هذا العمل هو ألاّ يزني الطفل الذي لايعرف معنى الشهوة الجنسية. يؤدي هذا الموضوع الى السلامة لا الى السعادة و التکامل. يحصل الانسان على التکامل و الافتخار لو عاش وسط المجتمع و کان عرضةً للمنصب و المنزلة لکنّه لم يکن يملک حبّ الجاه. أنا أخرج من البيئة غير السلمية لئلا أتلطخ بالذنوب و المعاصي، هذه السلامة، لکنّ ذلک ليس مهماً للغاية، لأنّ المهم هو أن أکون بين الناس و لا أتلطخ; على کل حال الطريق الأول هو طريق الانزواء و خمول الذکر، و الطريق الثاني هو طريق التسلط على النفس مع العيش في قلب المجتمع، فيستطيع الانسان السيطرة على نفسه. طبعاً هذا أمر عسير بأن لا يعجب الانسان من التفاف مجموعة حوله و يصل الى مرحلة أن يقول کعلىّ(عليه السلام): «لايزيدُني کثرةُ الناسِ حولي عزّاً و لا تفرّقُهُمْ عَنّي وحشةً»، هذه منزلة رفيعة أن لايتبدل الانسان من التفاف الناس حوله أو تفرقهم عنه. قول ذلک يسير طبعاً لکنّ الوصول إليه عسيرو غير ممکن إلاّ بطلب العون و الفضل الالهي و تهذيب النفس الجزيل.

 

حبّ الظهور و تزکية النفس:

هذا العمل قبيح الى درجة أنّ هذا الموضوع أصبح مضرباً للمثل «تزکيةُ المرءِ نفسَهُ قبيحةٌ».

المنشأ الرئيسي لهذا العمل السي عدم معرفة الذات، لأنّه لو عرف الانسن نفسه جيداً، و علم بصغره أمام عظمة الربّ و تفاهة أعماله إزاء المسؤوليات الثقيلة التي تقع عليه و النعم العظيمة التي وهبها الله إياه لما وضع قدمه على طريق حبّ الظهور أبداً.

الغرور و الغفلة و العجب والأفکار الجاهلية أيضاً دوافع أخرى لارتکاب هذا العمل القبيح.

إنطلاقاً من کون حبّ الظهور يعبر اعتقاد الانسان بکماله فسوف يؤدي الى تخلّفه بسبب أنّ رمز التکامل «الاعتراف بالتقصير» و قبول وجود النقص. لذا کان أولياء الله يعترفون دائماً بتقصيرهم أمام التکاليف الالهية و ينهون الناس عن حبّ الظهور و الاغترار بأعمالهم.

جاء في حديث عن الامام الباقر(عليه السلام)في تفسير الآية 32 من سورة النجم: «فلا تُزکّوا أنفَسکُم» ما نصّه: «لا يفتخرُ أحدُکُم بکثرةِ صلاتهِ و صيامهِ و زکاتهِ و نُسکهِ لأنّ اللهَ ـ عزَّوجلَّ ـ أعلمُ بمن اِتّقى» (4).

قال الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) في إحدى رسائله التي کتبها الى معاوية: «ولولا مانهى اللهُ عنهُ من تزکيةِ المرءِ نفسَهُ لذکرَ ذاکرٌ فضائلَ جمّةَ تعرفُها قلوبُ المؤمنينَ ولا تمجُّها آذانُ السامعينَ» (5).

منشأ حبّ الظهور طبعاً هو العجب و الغرور و الکبر التي تظهر بصورة حبّ الظهور رويداً رويداً و أخيراً تظهر بشکل التکبر و طلب الجاه. هذه العادة الخاطئة التي توجد في العديد من الشعوب و الطبقات و الأفراد مصدر لقسم مهم من الاضطرابات الاجتماعية، الحروب، الاستعمار و النزعة التقدمية. يثبت التاريخ السالف أنّ بعض شعوب الدنيا کانت تعتبر نفسها أفضل من بقية الشعوب نتيجة هذا الاحساس الکاذب، و لهذا السبب کانوا يعطون لأنفسهم الحق في جعل أولئک عبيداً ورقاً لهم. العرب في الجاهلية کانوا يعتبرون أنفسهم «النسل الأفضل»! مع مالديهم من التخلف و الفقر المدقع و الشامل، و کانت کل قبيلة منهم تعتبر نفسها «القبيلة الأفضل». في العصر الأخير کانت مسألة تفوق العرق الألماني أو العنصر الاسرائيلي سبباً في بروز حروب عالمية أو إقليمية.

يقول الامام علي(عليه السلام) في خطبة «همّام» المعروفة حول الصفات الممتازة للمتقين: «لايرضونَ من أعمالِهمْ القليل ولا يستکثرون الکثير، فهم لأنفسهم متّهمون و من أعمالهم مشفقونَ، إذا زُکّيَ أحدٌ منهُم خافَ ممّا يُقالُ لهُ فيقولُ: أنا أعلمُ بنفسي من غيري، و ربّي أعلمُ من نفسي، اللهمَّ لاتُؤاخذني بما يقولونَ و اجعلني أفضلَ ممّا يظنّون و اغفرْ لي ما لايعلمونَ» (6)

 

الفرق بين تعريف النفس و حبّ الظهور:

بلاشکّ أنّ الإطراء على النفس عمل مذموم، لکنّه مع هذا ليس قانوناً عاماً; توجب الظروف أحياناً أن يعرّف الانسان نفسه للمجتمع ليتعرف عليه الناس و يستفيدوا من ثروات وجوده کي لايبقى کالکنز المستترو المتروک.

روي في تفسير العياشي عن الامام الصادق(عليه السلام) أنّه أجاب على سؤال، هل يجوز أن يثني الانسان على نفسه؟ فقال: «نعم إذا اضطُرَّ اليهِ، أما سمعتَ قولَ يوسفَ: (اجعَلني على خرائنِ الأرضِ إنّي حفيظٌ عليمٌ) و قولَ العبد الصالحِ: (و أنا لکُمْ ناصحٌ أمينٌ)».

من هنا يتضح سبب مدح الامام علي(عليه السلام) نفسه في الخطبة «الشقشقية» و بعض الخطب الأخرى في نهج البلاغة، فيعتبر نفسه قطب رحى الخلافة ولا تدرکه الأفکار و تنبع العلوم و تنحدر من وجوده المقدس و أمثال ذلک التمجيد، کل ذلک ليدرک الناس منزلته و يستفيدوا من کنز وجوده لتحسين وضع المجتمع. (7)

 

حبّ الجاه و الرئاسة في الروايات الاسلامية:

نقل عن النبي الکريم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «حبُّکِ للشي يُعمي و يُصمُّ» (8).

قال النبي(صلى الله عليه وآله) لعلي(عليه السلام): «إنّما هلکَ الناسُ باتباعِ الهوى و حبِّ الثناءِ» (9).

نقل عن الامام علي(عليه السلام)أنّه قال: «حبُّ الرياسةِ رأسُ المحنِ» (10).

قال الامام الصادق(عليه السلام): «ملعونٌ من ترأسُ، ملعونٌ من همَّ بها، ملعونٌ من حدّثَ نفسَهُ بها» (11).

نقل عن الامام علي(عليه السلام) أنّه قال: «مَن اغترَّ بغيرِ اللهِ سبحانَهُ ذلَّ» (12)

 


1.بحار الانوار، ج 74، ص 90.

2.سورة القصص، الآية 83.

3.بحار الأنوار، ج 73، ص 150.

4.بحار الأنوار، ج 5، ص 232.

5. التفسير الأثل، ج 22، ص 542 ـ 543.

6.التفسير الأمثل، ج 3، ص 414 ـ 416.

7.التفسير الأمثل، ج 10، ص 12.

8.من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 272.

9.المحجة البيضاء، ج 6، ص 112.

10.غرر الحکم، ص 380.

11.أصول الکافي، ج 2، ص 298.

12.غرر الحکم، ج 2، ص 639.

124 / المعيار الظاهر و الباطن

شرح الحديث:

لکلّ شيء ظاهر و باطن في هذه الدنيا التي نعيش فيها على العکس من يوم القيامة «يوم البروز» و «يوم الظهور» حيث يتحد الظاهر مع الباطن. الانسان الذي يعتبر جزءاً من هذه الدنيا غير مستثنىً من هذه القاعدة فيملک ظاهراً و باطناً، و فوق کل ذلک للقرآن ظاهر و باطن أيضاً. الآن يطرح هذه السؤال: أيهما ملاکاً و معياراً؟ هل المعيار هو العمل بالظاهر أم الباطن؟

يخاطب النبي الکريم(صلى الله عليه وآله) في هذا القسم من حديثه أباذر الغفاري و يقول بشأن الانسان کحد أدنى: أنّ الله لا ينظر الى صورکم وظاهرکم و أقوالکم، بل ينظر الى شيئين: 1ـ قلوبکم; 2ـ أعمالکم.

هذه الجملة تبيّن رأي الشارع المقدس، و هي في الحقيقة نوع من الدستور الدائم للمسلمين. قول الرسول مسألة جذرية و يرتبط بالنظر، و يستعمل في تمام المسائل الاسلامية مثل العلوم الانسانية، علم الاجتماع، علم الأفراد و ...

لا ينظر الله الى الظواهر في البشر، بل ينظر الى الباطن والقلوب و الأعمال المرتبطة به، لأنّ الشي المستقر في القلب يظهر أثره في الأعمال الظاهرية، إذن ينظر الله جل جلاله الى الأعمال الي تعتبر شاهداً صادقاً للقلوب لا الى الکلام الذي يمکن تبدله بکثرة، لأنّنا لو أردنا المحاسبة وفق المعيار الظاهري لم نتمکن من معرفة أنفسنا و لا معرفة الآخرين، لأجل أنّ الادّعاءات في الدنيا کثيرة، و لو کانت الأعمال تُصلح بالادعاء و التظاهر لکانت قد صلحت. عندما يصغي الانسان إحياناً الى إدعاءات الآخرين وزعمهم يلاحظ مدى عظمة تلک الادعاءات، مع أنّه لو نظر الى ظاهرهم لعرف ما أکثر تلک الوجوه التي أخفت أنفسها تحت غطاء المؤمن و المتقي و ...، في الوقت الذي لا يشکل أولئک سوى شکل و ادعاء و تظاهر و کلام أجوف و عديم الجدوى.

الخلاصة إنّ الله تعالى ينظر الى أعمالکم و قلوبکم لذا يجب إصلاحهما. الجملة التالية مکملة لذلک حيث قال الرسول(صلى الله عليه وآله): ليس مرکز و محل التقوى اللسان أو مرکزها في الوجوه التي تجري الدموع فيها ظاهراً، بل القلب مرکز التقوى ثم تتفرع غصونها من هناک و تمتد جذورها الى جميع أعضاء و جوارح البدن و تترسخ في تمام حياة الانسان فيظهر جميع شيء لدى الانسان مصبوغاً بصبغة التقوى. بناءاً على هذا لايجب تصور التقوى مجرد لقلقة لسان، لأنّ هناک عوامل تؤدي أحياناً الى امتلاک الانسان تصوراً مقلوباً. فيما يتعلق بتجويد و قراءة القرآن، برغم أنّ الدورات المقامة و الکتب المؤلفة في هذا الموضوع جيدة لکنّ المهم أن نعلم أنّ الألفاظ مقدمة لموضوع أرفع من ذلک، و ليس الألفاظ هي الهدف النهائي ،لکون هذه الألفاظ القرآنية تحظى بکل هذا الاحترام بسبب مضمونها و قدرتها العلمية; فهل أنّنا نولي اهتماماً لمضمون تلک الألفاظ بمقدار ذلک الاهتمام الذي نبديه لقراءة و تجويد القرآن؟

لأنّ القراءة و التجويد لو لم تکن مقرونةً بالعمل بالقرآن و فهمه و درکه فما هي الفائدة فيها؟ لما بدأ المرحوم العلامة الطباطبائي (قدس سره) تفسير القرآن اعتبر الکثير أنّ ذلک دليل على جهله و قالوا: إنّه لايحظى بالعملية لأنّه لم يدرس البحث الخارج. کان المرحوم العلامة (ره) قليل الکلام لکنّه کان تنبري أحياناً لطرح بعض المواضيع نتيجة الحرقة و الحرارة الداخلية له، فهل من اللائق الآن التعامل بهذه الطريقة مع أصل الاسلام. على کل حال المعيار في الاسلام هو القلب و الأعمال، و الله ينظر الى هذين الاثنين.

لقد طرح موضوع کتاب الأعمال في العديد من الآيات القرآنية و الروايات، حيث يستنتج من مجموعها أنّ أعمال الانسان بجميع تفاصيلها تسجل في صحيفة، و يعطى هذا الانسان يوم البعث و النشور صحيفة أعماله بيمينه إن کان من المحسنين، و ان کان من المسيئين أعطي بشماله.

نقرأ في صورة الحاقة الآية 19: «فأمّا مَن اؤتيَ کتابُهُ بيمينِهِ فيقولُ هاؤُمُ اقرأوا کتابيَه»،و نقرأ في الآية 25 من نفس السورة: «و أمّا مَن أوتيَ کتابُهُ بشمالِهِ فيقولُ ياليتني لم أوتَ کتابَيهْ».

کذلک نقرأ في الآية 49 من سورة الکهف: «و وُضعَ الکتابُ فترى المجرمينَ مشفقينَ ممّا فيهَ و يقولون ياويلتنا مالِ هذا الکتاب لايغادرُ صغيرةً ولا کبيرةً إلاّ أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً و لايظلمُ ربُّکَ أحداً».

نقرأ حديثاً عن الامام الصادق(عليه السلام) في ذيل الآية 14 من سورة الأسراء: «يذکُر العبدُ جميعَ ما عملَ و ما کُتبَ عليهِ حتّى کأنّهُ فعلَهُ تلکَ الساعةِ، فلذلکَ قوله: «ياويلتنا ما لهذا الکتابِ لا يغادرُ صغيرةً ولا کبيرةً إلاّ حصاها»»

و هنايطرح هذا السؤال نفسه: ما هو هذا الکتاب؟ و کيف يکون؟

بلاشک هو ليس من جنس الکتاب و الدفتر و الصحيفة العادية، لذا قال بعض المفسرين: ليست صحيفة الأعمال المذکورة سوى «روح الانسان» التي تسجل آثار جميع الأعمال فيها، لأنّ أيّ عمل نقوم به يترک أثراً على روحنا شئنا أم أبينا.

أو تکون صحيفة الأعمال أعضاء جسمنا حتّى جلدنا، والأکثر من ذلک أن تکون الأرض والجو و الفضاء الذي ارتکبنا فيها تلک الأعمال، و لأنّ أعمالنا بالاضافة الى کونها تُرسم في جميع ذرات أجسادنا تنعکس في الأرض و الجو أيضاً.

برغم عدم إمکان إدراک هذه الآثار و الشعور بها في هذه الدنيا، فهي موجودة بلاشک، و سوف نستطيع رؤية و قراءة جميع تلک الأعمال في يوم نحصل فيه على بصر جديد .

لا يجب أن يصرفنا التعبير بـ «القراءة» عما ذکر في التفسير المذکور آنفاً، لأنّ للقراءة معنىً واسعاً يشمل کل أنواع المشاهدة بمفهومها الواسع; مثلا نقول أحياناً في التعابير اليومية: قرأت ما قرر في عينيه، أو قرأت بقية العمل الفلاني الذي صدر من الشخص الفلاني، کذلک يروج اليوم التعبير بالقراءة حول صور الأشعة التي تلتقط للمرضى .

و على هذا لا يمکن إنکار خطوط صحيفة الأعمال المذکورة في الآيات 13 ـ 15 من سورة الاسراء، لأنّ الآثار الواقعية و التکوينية هي نفس العمل، و هذا يشبه تماماً صوت الانسان المسجل على شريط أو الصورة المأخوذه له أو بصمة إصبعه (2).

 


1. بحار الانوار، ج 74، ص 88.

2.التفسير الأمثل، ج 12، ص 54 ـ 56.

123/ محاسبة و مراقبة النفس

شرح الحديث:

أنّ الذين کتبوا کتباً حول منازل سير و سلوک الانسان شبهوه بمسافر عليه أن يقطع مسافةً طويلةً للوصول الى لقاء الله. لقد اعتبروا مراقبة و محاسبة النفس أولى مراحل السير و السلوک; أي يجب على الانسان أولا أن يراقب أعماله، فير اعي تلک الأعمال القلبية من جهة و الأخرى التي تصدر من الجوارح من قبيل الواجبات و المستحبات و المکروهات و المحرمات يومياً، ثم يحاسب نفسه على تلک الأعمال بعد مراقبتها. التعبير الطريف الذي جاء في هذا القسم من حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) هو أنّه قال: لا يمکن الوصول الى التقوى بدون محاسبة النفس; أي اذا أراد الانسان أن يکون في زمرة المتقين فيجب عليه أن يعتاد على مراقبة و محاسبة نفسه، فيحاسبها على تمام أيام حياته أشد من محاسبة الشريک لشريکه. دليل ذلک واضح لأجل أنّ الشراکة نسبية، أي حسب المبلغ المالي المشارک فيه; أما الانسان فهو مالک لتمام وجوده. يجب أن يحاسب نفسه فيقول: يا نفس ماذا جرى لثروة عمري؟ ماذا حصل لثروة قابليتي و عقلي؟ ماذا حصل لثروة شبابي؟ ماذا حصل لثروة سلامتي؟ ماذا جرى لعلقي؟ تحتاج هذه الثروات الخمسة المعروفة الى محاسبة حقاً؟ لأنّ العمر ليس شيئاً تم الحصول عليه بسهولة، و حسب قول البعض: اذا قيل لشخص: أنت مستعد لتبديل تمام عمرک بأي شي؟ يقول: لا أعطيه حتى لو أعطيت الدنيا بکاملها، لکن يمکن أن يقضي جميع ذلک العمر بالبطالة مثلا، أليس مجموع هذا العمر مرکباً من أجزاء؟ فاذا کنت تعتقد أنّ مجموع العمر يستحق هذه القيمة فلماذا تضيع أجزاء العمر التي هي الأيام و اللحظات بلامقابل؟ و لماذا تتلف و بکل سهولة ثروة الشباب التي تعتبر من أهم ثروات الانسان، فيقولون يصل الانسان لأىّ منزلة علمية يرغب فيها في مرحلة الشباب؟ و لماذا أضعت نعمة الفراغ و لم تعرف قدر و قيمة اللحظات؟ لأنّه سيأتي زمان لا يحوي أوقات فراغ، يقول بعض الأشخاص:

ماذا نفعل کي نصبح ضمن رهط المتقين؟ يقول النبي(صلى الله عليه وآله): اذا حاسبت نفسک يومياً: أو عددت النعم الالهية المعطاة لک، ستکون جزءاً من أولئک المتقين، لکن لو لم تفعل ذلک الحساب و خرج حساب الجميع من يدک، تصبح حينئذ إنساناً غير متق. رُکّز في هذا الحديث على ثلاثة أقسام:

1ـ الطعام; 2ـ الشراب; 3ـ اللباس.

اذا أراد شخص أن يحصل على الکمال يجب أن يراعي مسألة الحلال و الحرام حقاً، و يجتنب عن اللقمة المشبوهة، لأنّ للقمة الحرام أثراً سلبياً فتسلب النور القلبي و تقلل التوفيق الالهي للانسان.

کان هناک رجلا يعدّ من الأوتاد في مدينة مشهد المقدسة. عندما کان يتحدث حول لقاء الامام صاحب الزمان(عج) کان يقترح برنامجاً ثقيلا لذلک، هو عبارة عن صيام ثلاثة أيام و الافصار على طعام و شراب خالد من الشبهة و الحرام و يضيف: إنّ الحصول على طعام خال من الشبهة عمل عسير جداً; لذا لايحظى بلقاء الامام (عليه السلام)سوى الانسان الطاهر و العظيم و الرفيع الدرجة ـ طهارة الطعام و الشراب شرط رئيسي.

قال الله تعالى في محکم کتابه الکريم: «يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللهَ ولتنظرْ نفسٌ ما قدّمتْ لغد» (2).

و يخاطب العلىّ القدير رسوله الکريم: «فإنّما عليکَ البلاغُ و علينا الحسابُ» (3).

و هذا يعني أنّک تبلغ الأحکام و نحن نحاسب على تطبيقها. يسجل الله تعالى حساب ما يقوم به العباد من حسن و سيء، وقبيح و جميل، صواب و خطاء: «إنّا کنّا نستنسخُ ما کنتُم تعملونَ» (4)، هذا الحساب من المالک لمملوکه أو من المعبود لعبده، و هناک حساب آخر من العبد لنفسه حيث يحاسب أعماله. يقول أميرالمؤمنين على(عليه السلام):«عبادَ اللهِ زنوا أنفسکُم من قبلِ أن توزنوا، و حاسبوها من قبلِ أن تحاسبوا» (5).

إستنساخ أعمال العباد لأجل الحساب. سوف يأتي اليوم الذي يحاسب فيه العباد، لکنّ السالکين الى الله لديهم حساب أعمالهم; أي أنّهم يحاسبون أنفسهم باستمرار; اذا أخطأت النفس يقومون بعتابها فوراً و يوبخونها و يلومونها ثم يأدبونها بالعمل الصحيح و الحسن; لأنّ المعصية تترک أثرها في القلب فتجعله مظلماً، و طالما بقي ذلک الأثر يبقى قلب الانسان مغموماً و مکدراً.

لذا يجب على الانسان المبادرة الى عمل الخير لتدارک المعصية، و يطلب من الله جلّ و علا العفو و رفع الکدورة; لأنّه لو لم يلتفت الانسان الى المعاصي و الذنوب و لم يحاسب نفسه عليها و لم يتدارک السيئات بالحسنات تزداد الذنوب، فيزداد اسوداد القلب على أثر ذلک، و أخيراً يسبب الأثر السي للمعاصي و الذنوب البرودة و الفتور، و يمنع الانسان من الوصول الى مرحلة السلوک، حينها تسلب منه الرغبة في الطلب و لم يعد بعدها مريداً لأداء أعمال الخير و الصواب. التفتوا الى هذا المثال لادراک المسألة بصورة أفضل:

يملک التاجر و الکاسب عدداً من الدفاتر ليحيط بحساب ثروته: دفترالتوافه و الصغائر، دفتر التقويم، دفتر الصندوق، دفتر المخزن، دفتر الأموال و بعض الدفاتر الأخرى; أي يملک التاجر الممتاز جميع هذه الدفاتر، و هي جميعاً تبيّن له حسابه.

يُري دفتر الصندوق التصدير و الاستيراد النقدي ;بينما يظهر دفتر المخزن البضائع المصدرة و المستوردة; الدفتر العام يبين ماله و ما عليه من الديون; دفتر التقويم يوضح العمليات اليومية; يسجل الربح و الخسارة في صفحة في الدفتر العام، فهذه الصفحة تظهر حال ذلک التاجر و وضعه المالي، و يکون نظر التاجر الى هذه الصفحة دائماً، فکم يکون قلقاً و مضطرباً عندما يرى الخسارة تفوق الربح، أو أنّه مدين أکثر مما هودائن.

الآن و مع الالتفات الى هذا المثال: يجب على الانسان المسلم أن يهيي دفتراً لکلٍّ من أعضائه و جوارحه ليکون حسابها جميعاً بيده; حساب العين، الأذن، اللسان، اليد و الرجل و أخيراً عليه أن يملک حساب الدفتر العام - الذي هو القلب، ليعلم ماذا يفعل، ماذا يرى، ماذا يقول، بأىّ شيء يهتم،الى أين يذهب، ماذا يحب؟ يعاشر من و يريد من؟

يجب أن يکون لديه حسب کل تلک المواضيع، و ان لم يکن من أهل الحساب و الکتاب کالتاجر الذي لا يملک دفتراً و حساباً خاصاً يکون مصيره الخسارة و الفشل. يجب على الانسان المسلم أن يخطو بعد التوبة في طريق المحاسبة. من الواضح أنّه عندما يبتلى الانسان بالضرر يتقدم باحتياط في جميع الأمور; کيف ينتبه التاجر الى الضرر عندما يشعر به، و يفکر دائماً في الوقت الذي يستطيع فيه التدارک و التعويض؟ الانسان الذي ارتکب معصيةً ثم التفت إليها و ندم و تاب عنها وأخذها في الحسبان، يلزمه أن لا يرتکب معصيةً و تمرداً آخر. مع الالتفات الى ما قيل آنفاً حول موضوع المحاسبة، تجب دراسة ثلاثة مبادئو أصول والاستفادة منها:

 

المبدأ الأول:

لينظر الانسان الى جرائمه و معاصيه و النعمة الالهية التي حصل عليها، و ليجعل هذين الأثنين مقابل بعضهما. من المسلم به أنّ الشخص الذي لم يستعمل نورالحکمة و يثق بنفسه جيداً لا يستطيع القياس و إيجاد النتيجة أبداً; لأنّ تشخيص النعمة من النقمة مشکل جداً; لأنّ الانسان المشغول بالنعم الالهية تغرّه تلک النعم الوفيرة عن ذکر الله و تجعله غافلا عنه: «و الذّين کذّبوا بآياتنا سنستدرجُهُم من حيثُ لا يعلمونَ» (6)

 

المبدأ الثاني:

يجب أن يفهم الانسان أنّ ما أوکل إليه من الطاعات و العبادات منّة من الحق عليه، و ليعلم أنّ حاله يصلح بأداء الفرائض فقط، و ما يصدر منه بعنوان الطاعة و العبادة وظيفة له ووضع لإصلاح حاله و لايستحق الجزاء عليه، کما يعطي الطبيب النسخة للمريض، فلو أدّى المريض أوامر الطبيب هل يجب أن يمنّ عليه؟ کلا، جميع طاعتنا و عبادتنا أدوية تزيل مرض الغفلة و الجهل. اذا أقام الانسان الطاعات و العبادات لرفع مرضه، هل يحق له أن يمنّ على الله؟ عند ما کان البعض في صدر الاسلام يمنّ على رسول الله(صلى الله عليه وآله) التحاقهم بالاسلام جاء الخطاب: «يمنّون عليکَ أنْ أسلموا قلْ لا تمنّوا علىَّ إسلامَکُم بل اللهُ يمنُّ عليکُم أنْ هداکُم للإيمانَ إن کنتُم صادقينَ» (7).

کيف يشعر الأشخاص الذي يخدمون الدولة الاسلامية بالعار عندما يقال لهم أنّ إنجاز الأوامر برأينا لأخذ المکافأة و الجزاء، بل يقولون من أعماقهم: نحن نفتخر أنّ الحکومة الاسلامية اختارتنا لتنفيذ أوامرها; کذلک هم عبادالله المخلصين. أولئک يقولون: لقد منّ الله علينا أن أمرنا بطاعته و عبادته. عندما يقوم موظف الدولة بخدمة لصالح الدولة و المملکة فلايستحق أخذ الأجر و المکافأة، لکنّه لو ارتکب جرماً خلاف مصلحة الدولة فيجب أن يعاقب عليه; لأنّه أخلّ الدولة، و اذا أعطي أجر مقابل ما يقوم به من الأعمال الحسنة فذلک الأجر رعاية و تقدير من قبل الحکومة الاسلامية.

المبدأ الثالث: لا يجب أن يظهر الانسان رضاه عن العمل الذي أدّاه و يبدي إعجابه فيه; لأنّ النفس لما ترضى عن أداء أمر يحصل عکس النتيجة المتوخاة; ففي الحقيقة الأمر الذي ترضى عنه النفس لا يرضى عنه الحق تعالى، و الأمر الذي يرضي الحق لايرضي النفس لذا قيل: «أعدى عدوّک نفسُکَ التي بين جنبيکَ» (8) (عندما يبدي الانسان رضاه عن عمل فذلک الرضا يحکي أنّه مازال لايعرف منزلة المعبود و عزته و کبريائه، ولا يعلم أنّه لا يستطيع شخص القيام بحق العبودية و العبادة الخالصة).

يقول سعدي: العاکفون على کعبة جلاله يعترفون بتقصير عبادتهم «ما عبدناک حقَّ عبادتکَ» (9)

و واصفون حلية جماله يُنسبون الى التحير «ما عرفناکَ حقَّ معرفتکِ» (10).

بالاضافة الى أنّ عبدالله يدّعي أنّه أنجز خدمةً مقابل الأجر و يعتبر نفسه مستحقاً للأجر و المکافأة مع أنّ هذا الرأي مرفوض و لا يبرز العارف السالک هذه المسألة أبداً.

إذا کان رضا الانسان بشأن أداء الفرائض بأن يقول: أشکر الله الذي وفقني لأداء الفرائض، مع العلم أنّ هذا العمل لايليق بمنزلة کبرياء الله جل جلاله، فالظاهر أنّ هذا الرضا لايضر بالانسان، لأنّ الضرر يحصل عندما ينظر الانسان الى عمله و يعتقد أنّه لائق بمنزلة الکبرياء الالهي.

 

حساب النفس في کلام الامام علي(عليه السلام)

ثمرةُ المحاسبةِ إصلاحُ النفسِ» (11).

«جعلَ اللهُ لکلَّ عمل ثواباً و لکلِّ شيء حساباً» (12)

إنّ اليومَ عملٌ ولا حسابَ، غداً حسابٌ ولا عملِ» (13)

«حاسبوا أنفسَکُم قبلَ أنْ تُحاسبوا و زنوها قبلَ أنْ توزنوا» (14).

«مَن تعاهدَ نفسَهُ بالمحاسبةِ أمنَ فيها المداهنةَ» (15).

مَن حاسبَ نفسَهُ وقف على عيوبهِ و أحاطَ بذنوبهِ فاستقالَ الذنوبَ و أصلحَ العيوبَ» (16).

«مَن حاسبَ نفسَهُ سُعدَ» (17).

 


1.بحار الانوار، ج 74، ص 86.

2.سورة الحشر، الآية 18.

3. سورد الرعد، الآية 40.

4.سورة الجاثية، الآية 29.

5.بحار الأنوار، ج 4، ص 310.

6.سورة الاعراف، الآية 182.

7.سورة الحجرات،الآية 17.

8.بحار الانوار، ج 70، ص 64.

9. نفس المصدر، ج 8، ص 215.

10.نفس المصدر، ج 69، ص 293.

11.غرر الحکم، ج 1، ص 323، ص 68.

12.نفس المصدر، ص 63.

13. نهج البلاغة، الخطبة 42.

14.غرر الحکم، ج 1، ص 346، ص 59.

15.نفس المصدر، ص 171، ص 345.

16.نفس المصدر، ج 2، ص 324، الرقم 1273.

17.نفس المصدر، ج 2، ص 161، الرقم 2436.

122 / ازدواج الشخصية

شرح الحديث:

هناک روايات کثيرة حول ازدواج الشخصية و النفاق; لأنّ الوجه و اللسان حاکيان عمّا في داخل الانسان، و معنى هذه الروايات أنّ الانسان المزدوج الشخصية (أي له شخصيتان متناقضتان) منافق. لأنّ المنافق ذو وجهين.

التوحيد أساس الاسلام، لذاتکون الوحدة في الشخصية مرغوبةً. و في جملة واحدة يجب أن يکون الانسان کما هو، لا أن يظهر نفسه في کل زمان و لحظة في شخصية و لباس و لسان مختلف، بل يجب أن تعم الوحدة وجود الانسان; أي له شخصية و وجه واحد. من الناحية الاجتماعية أيضاً يبتلى المجتمع بأعظم المصائب و البلايا من جهة هؤلاء الأفراد، لأنّهم يتلونون بلون الطائفة التي يجالسونها، فعندما يتحدثون مع الناس يقولون: «إنّا معکم» (2)، و عندما يذهبون الى طائفة أخرى يقولون: إنّا معکم« إنّما نحن مستهزؤن» (3). يؤدي هکذا أناس منافقون الى تردي حالة المجتمع و تزلزله. مسألة النفاق و المنافق مهمة للغاية، و الأهم من ذلک لماذا يصبح الانسان ذا وجهين؟

 

منا شي ازدواج الشخصية:

1ـ نقص الشخصية: و هذا ما يعبرون عنه بـ «عقدة الحقارة»، بمعنى أنّ أولئک الأفراد لايملکون شخصيةً داخليةً فيقتبسون لون المکان الذي يحلون فيه لأنّهم لا يملکون الأصالة و الاستقلال، و على العکس من ذلک الأشخاص الذين لديهم أصالة و شخصية مستقلة يفرضون شخصيتهم أينما حلّوا، و لا يشعرون بنقص أبداً، فهم صريحون و صادقون، و يتکلمون على أساس تلک الشخصية المستقلة التي يملکونها، و يظهرون وجوههم الحقيقة.

و الناس الذين ليسوا بهذا الشکل يفزعون من الجميع أينما ذهبوا، کأولئک الفاقدون للأصالة يبدولون وجوههم على حين غرة، بمجرد خروجهم من إيران و وصولهم الى المراکز الأمريکية و الأوربية، يتلونون بألوانها لأنّهم لا يملکون شخصيةً مستقلةً.

2ـ عدم القناعة:ثمة أشخاص لديهم شخصية مستقلة، لکنّهم لا يقتنعون بشخصيتهم أنّهم هم أنفسهم، بل يريدون أن يصبحوا مثل الآخرين، في الوقت الذي يختلف أولئک الآخرون عنهم. يرغب هکذا أفراد في أن يخطوا مثل الآخرين، لکنّهم ينسون طريقة مشيهم، أي لا يصبحون کما يستطيعون أن يکونوا و لا يستطيعون أن يصبحوا کما يريدون; لأنّ الله جل و علا جعل کل فرد على کيفية معينة و أنا يجب أن أکون کما جعلني و أنّمي و أربي ذلک.

بناءاً على هذا من الأفضل للانسان أن يربي ثروات وجوده، و اذا خلقه الله تعالى لفرع و مجال معين فليهذب و ليربي نفسه له و يتابعه و يستمر عليه، لئلا يصبح مصداقاً للمثل المشهور: أراد الغراب أن يتعلم طريقة مشي الحجل فنسي مشيته.

3ـ الاجبار من قبل المجتمع:يحمّل ازدواج الشخصية على الانسان من الخارج أحياناً; مثلا يعيش المجتمع في حالة خاصة بحيث لا يستطيع بعض الأفراد أن يکونوا کماهم و يظهروا شخصيتهم الحقيقية بحرية، فيضطرون أن يظهروا شيئاً و يبطنون شيئاً آخر; لأنّهم لا يستطيعون أن يبروزا شخصيتهم الذاتية.

4ـ الوصولية وحب الانتفاع: يرغب الانتهازيون و الوصوليون أحياناً أن يصبحوا جزءاًمن کل طائفة يقابلونها لتأمين مصالحهم و الحصول على الأرباح مهم; نعم: «فان کان لکم فتح من الله قالوا ألم نکن معکم» و إن يکن هناک فتح يقولون: «و إن کان للکافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليکم و نمنعکم من المؤمنين» (4)نحن ننصحکم بعدم الذهاب الى الميدان; لأنکم سوف تهزمون، عندما ينتصرون يقولون: نحن کنا معکم في خلفيات البجهة. الخلاصة يکونون کل يوم مع طائفة لتأمين مصالحهم و أرباحهم.

مع الالتفات الى هذه المسألة، يدخل هؤلاء نار جهنم وفق حديث النبي(صلى الله عليه وآله)الذي خاطب به أباذر الغفاري أياً کان عامل إزدوج الشخصية لديهم من هذه العوامل الأربعة، والمهم هو أنّ کلا الشخصيتين في النار و کلاهما من المنافقين.

5ـ ضعف الأفراد وعجزهم:لايملک الضعاف و العاجزون الصراحة و الشجاعة عادةً، لأنّ الشجاعة و الصراحة و امتلاک الشخصية من مواصفات الأشخاص الأقوياء.

6ـ فقدان الخط و الفکر و المدرسة: إنّ الانسان الذي لا يملک خطاً معيناً يأخذ لون المکان الذي يحلّ فيه، و على العکس من ذلک، من يملک خطاً و مبنى و مدرسةً فکريةً خاصةً لا يصير منافقاً.

من جملة آثار و تبعات النفاق الابتلاء بسلسلة من الذنوب و المعاصي; لأنّ ذا الوجهين يضطر الى الکذب ليتمکن من المحافظة على وجهيه، بعبارة أصح يجب أن يکون خائناً، کاذباً، متملقاً، مرائياً و متظاهراً و يمتلک بقية الصفات السيئة الخارجة عن محل بحثنا.

 

أقسام النفاق:

النفاق على ثلاثة أقسام:

1ـ النفاق على الناس:

النفاق على الناس يعني: «إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنّا و اذا خلوا الى شياطينهم قالوا إنّا معکم» (5)

2ـالنفاق على الله: و هو يعني أنّ الانسان أحياناً يعبدالله و يطيعه: «إيّاک نعبد و إياک نستعين» (6)، يقول: إلهي أنت وحدک سندي و عمادي، لکنّه في مقام العمل يکون الشي الوحيد الذي لا يعتمد عليه و لا يستند إليه هو الله تعالى، و الوحيد الذي لا يؤدي عبوديته هو الله تعالى أيضاً فهو من جهة يتظاهر بالاسلام و العمل بالقرآن الکريم و في مقام العمل أي عندما يصل الى مفترق طرق ينسى ـ والعياذ بالله ـ مسألة التقوى; و هذا يعني أنّ هذا الانسان يکذب على الله أيضاً، مثلا يقول في التشهد: «أشهد أن لا إله إلاّ الله» ثم يؤکد و يقول: «وحده لا شريک له» و يؤکد ذلک عدة مرات، لکنّه يسجد لغير الله و يعتبر مقدراته بيد الآخرين، و يشتري الغضب الالهي بارضاء الناس «تأمرون الناس بالبرّ» (7) لکن «تنسون أنفسکم» (8) لماذا لا تعملون بما تقولون:«لَم تقولون مالا تفعلون» (9)الخلاصة أنّ أولئک ذوو وجهين لدى الله تعالى.

3ـ النفاق على أنفسهم: أى أنّ المنافق يکذب على نفسه أيضاً حيث أنّ هذه نتيجة ازدواج الشخصية و النفاق;

مثل الطواغيت الأشقياء الذين کانوا يعملون للنظام البهلوي الکريه. لا أنسى قضيةً، و أعجب و أتحير کلما تذکرتها: کان لمنظمة الأمن في طهران (الساواک) رئيس قوي و معروف - کانت نهايته الهلاک في حادثة سقوط طائرة هليکوبتر، ذات يوم أخذوني من قم الى هناک، کانت غرفته تحتوي على تنظيمات عجيبة، و قد وضع مصباح أحمر فوق تلک الغرفة، خلاصة الکلام أخذوني إليه، و ما أن راني ابتدأ بالکلام و أظهر نفاقه منذ اللحظة الأولى، و تابع کلامه لي قائلا: سمعت أنّک مثقف، لکنّي أريد أن أتکلم معک بصراحة. إبتداءاً أعرف لک نفسي، أنا درويش و زاهد و أعشق الله و حصلت على کل ماطلبته منه، و ليس إيماني أضعف من إيمانک، قلت له: حسناً. ثم تابع: هذا من ناحية إيماني، أما من ناحية حبي لشخص الملک فلا أبالي لو قتلت مليون إنسان من أجله.

هؤلاء تعساء و مساکين الى هذه الدرجة! اذا کان للانسان مدرسة فکرية و خط معين فيجب أن يرافقه في کل مکان، و اذا لم يستطع فلماذا يکذب على نفسه و على الله و على الناس؟ أليس لأجل عجزه و ضعفه النفسي؟

س: ماذا نعمل لکي لا نبتلي بما ذکر؟

ج: لکي ينجي الانسان نفسه من الابتلاء بازدواج الشخصية فعليه قبل کل شي، و من الأفضل له أن يعتمد و يتوکل على الله فقط. لما يتوکل الانسان على الله تعالى يعلم أنّ عباده ليسوا شيئاً يستحق تبديل وجهه لأجله ; لأنّه عندما يکون نظره الى الله جل و علا لن يکون الناس بعد ذلک مبدأً للربح والخسارة بنظره، بل کلاهما بيد الله، العزة و الذلة، النصر و الهزيمة بيد الله تعالى، و ليس بيد هؤلاء العباد حتى أظهر أمامهم کل يوم بالوجه الذي يرغبونه و أبدل نفسي.

بناءاً على هذا، تقوية مباني و الايمان، و عشق الله، و ملأالقلب بمحبته، ووده وحبه بتمام الوجود من جملة العوامل المؤدية الى إبعاد النفاق و ازدواج الشخصية عن الانسان، لأنّ العامل المهم لا يجاده و ظهوره هو الابتعاد عن الله تعالى; فمتى ماتّم إحياء تلک الحقيقة فيه تحل جميع مشاکله. اذا ما حققنا في الموضوع و در سناه نرى أنّ جذر جميع أنواع السعادة و التوفيق معرفة و عشق الله، و أصل جميع الافتخارات و أساس کل استقرار حب الله و ترک غيره; ما أطرف ما يقوله الشاعر: اذا لم يخفق هذا القلب الذي في صدري و يدق لک فما هي فائدته؟ و اذا لم تفدک هذه الروح فلا قيمة لها عندي، لما يصل الانسان الى هذه المرحلة فيستحيل أن يصبح منافقاً.

 

مناشي النفاق و علامات المنافقين:

برزت مسألة النفاق في الاسلام منذ أن هاجر النبي(صلى الله عليه وآله) الى المدينة و أرسى دعائم الاسلام و بانت معالم النصر، فلم يکن هناک منافق في مکة تقريباً; بسبب أنّ المعارضين الأقوياء کانوا يقولون ما يريدون ضد الاسلام بصراحة و يفعلون ذلک، ولا يهابون أحداً فلم يکونوا بحاجة الى أعمال النفاق، لکن لما أضعف نفوذ و انتشار الاسلام في المدينة الأعداء أصبح إظهار الخصومة بشکل بيّن في غاية الاشکال ومستحيل أحياناً، لذا بدّل الأعداء المنهزمون ظاهرهم لمتابعة برامجهم التخريبية، إلتحقوا بصفوف المسلمين ظاهراً لکنّهم استمروا بأعمالهم باطناً.

في الحقيقة هذه طبيعة کل ثورة حيث تواجه بعد النصر الباهر صفوف المنافقين، و يبرز أعداء الأمس بشکل عملاء اليوم في لباس الأصدقاء ظاهراً، و من هنا يمکن معرفة سبب نزول الآيات القرآنية الکثيرة المتعلقة بالمنافقين في المدينة و ليس في مکة.

هذه النقطة مهمة أيضاً و هي أنّ مسألة النفاق و المنافقين لم تکن تختص بعصر النبي(صلى الله عليه وآله) فقط، بل تواجه ذلک کل المجتمعات ـ خاصةً المجتمعات الثورية ـ لهذا السبب يجب أن تدرس مسألة التحليل و الامعان في القرآن الکريم بدقة، ليس بعنوان مسألة تاريخية فحسب بل بعنوان مسألة ذات حاجة فعلية، و يجب أن يستلهم منها طريقة مکافحة روح النفاق و خطوط المنافقين في المجتمعات الاسلامية الحالية; کذلک يجب معرفة العلامات التي ذکرها القرآن الکريم لأولئک بدقة، فيمکن معرفة خطوطهم و خططهم من خلال تلک العلامات و المواصفات.

المسألة الأخرى المهمة هي کون خطر المنافقين على المجتمع أکبر من خطر جميع الأعداء لأنّ معرفتهم غالباً ما لا يکون يسيراً من جهة، و من جهة أخرى إنّهم أعداء الداخل، و يتغلغلون أحياناً في وسط المجتمع بحيث يصعب جداً فصلهم عنه، و من جهة ثالثة تصبح محاربتهم عسيرة جداً بسبب علاقاتهم المختلفة مع سائر أعضاء المجتمع.

لهذا السبب تلقى الاسلام على مرّ التاريخ أکثر و أوجع الضربات على أيديهم، و لهذا السبب أيضاً صبّ القرآن جام غضبه عليهم فوبخهم و شنع بهم مالم يشنع بعد و غيرهم.

 

صفات المنافق:

هناک موصفات عديدة للمنافقين يمکن استفادها من الآيات 5 ـ 8 من سورة المنافقين، و باختصار يمکننا تصنيفها الى عشر صفات:

الکذب الصريح و الجلي.

إستعمال الأيمان الکاذبة لتضليل الناس.

عدم إدراک الواقع، نتيجة ترک الدين الحق بعد معرفته.

لهم ظاهر جميل و لسان لبق، برغم کون باطنهم خاوياً.

عدم الجدوى في المجتمع و عدم المرونة أمام الحق، کقطعة من الخشب اليابس.

الظنّ بالسوء و الهلع و الفزع من کل أمر و شيء لکونهم خونةً.

الاستهزاء بالحق.

الفسق و العصيان.

إعتبار أنفسهم مالکين لکل شيء، و ظنّ احتياج الآخرين لهم.

10ـ تصور کونهم أعزةً و غيرهم أذلةً.

بلا شک لاتقتصر صفات المنافق على هذه، فتستفاد صفات متعددة أخرى من الآيات القرآنية الأخرى و الروايات الاسلامية ونهج البلاغة، حتى أنّه يمکن إدراک صفات و خصوصيات أخرى لهم عن طريق المعاشرة اليومية، لکنّ ماجاء في سورة المنافقين هو القسم المهم و الملفت من هذه الصفات.

 

صفات المنافقين في الخطبة 194 من نهج البلاغة:

يحتوي کتاب نهج البلاغة على خطبة لتوصيف المنافقين، و قد جاء في جزء منها مانصه: «أوصيکم عبادالله بتقوى الله، و أحذرکم أهل النفاق فانّهم الضالون المضلون، و الزالون المزلون. يتلونون ألواناً، و يفتنون افتتاناً، ويعمدونکم بکل عماد، و يصدونکم بکل مرصاد. قلوبهم دوية، و صفاحهم نقية. يمشون الخفاء، و يدبون الضراء، و صفهم دواء، و قولهم شفائ، و فعلهم الداء العياء. حسدة الرخاء، و مؤکدوا البلاء، و مقنطوا الرجاء. لهم بکل طريق صريع، والى کل قلب شفيع، و لکل سجود دموع. يتقارضون الثناء، و يتراقبون الجزاء. إن سألوا ألحفوا، و إن عدلوا کشفوا، و إن حکموا أسرفوا. قد أعدّوا لکل حق باطلا، و لکل قائم مائلا، و لکل حيٍّ قاتلا، و لکل باب مفتاحاً، و لکل ليل مصباحاً، يتوصلون الى الطمع باليأس ليقيموا به أسواقهم، و ينفقوا به أعلاقهم. يقولون فيشبهون، و يصفون فيموهون. قد هونوا الطريق، و أضلعوا المضيق. فهم لمّة الشيطان، و حمّة النيران، «أولئک حزب الشيطان ألا إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون».

 

خطر المنافقين:

کما عرفتم إنّ المنافقين أخطر أفراد المجتمع لإنّهم:

يعيشون داخل المجتمع و يعلمون تمام أسراره.

ليس من اليسير التعرف عليهم دائماً، و يظهرون أنفسهم أحياناً بلباس الصديق لدرجة أنّ الانسان لا يصدق ذلک.

بما أنّ أغلب الناس يجهلون الوجه الحقيقي لأولئک لذا يصعب جداً الاشتباک المباشر معهم و محاربتهم.

تربطهم أواصر مختلفة مع المؤمنين (أواصر و علاقات سببية و نسبية و غيرها) مما يجعل محاربتهم أمراً معقداً.

أولئک يطعنون من الخلف فتکون ضرباتهم على حين غرة.

تؤدي هذه الأسباب و أسباب أخرى کثيرة الى تحمل المجتمعات خسائر فادحة من قبلهم، لذا يجب التخطيط الدقيق و الشامل لدفع شرورهم.

جاء في الحديث أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قال: «إنّي لا أخاف على أمتي مؤمناً و لا مشرکاً. أمّا المؤمن فيمنعه الله بايمانه، و أما المشرک فيخزيه الله بشرکه، و لکنّي أخاف عليکم کلّ منافق عالم اللسان، يقول ما تعرفون و يفعل ما تنکرون» (10).

 

المنافقون في الروايات الاسلامية:

1ـ قال الامام علي(عليه السلام): «للمنافقين علاماتٌ يعرفون بها: تحيّتهم لعنةٌ; و طعامُهم تهمةٌ; و غنيمتُهم غَلولٌ. لا يعرفون المساجدَ إلاّ هجراً، و لايأتون الصلاة إلاّ دُبراً; مستکبرون لا يألفون و لايؤلفون; خشبٌ بالليل، صخبٌ بالنهار» (11).

2ـ نقل عن الامام الصادق(عليه السلام) أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: «ثلاثٌ من کنّ فيه کان منافقاً و ان صام وصلّى و زعم أنّه مسلم، من اذا أئتمن خان، و اذا حدّث کذب، و اذا وعد اُخلف. إنّ الله عزّوجلّ قالى في کتابه: «إن الله لا يحبّ الخائنين» و قال الله: «إنّ لعنة الله عليه إن کان من الکاذبين» و قال الله: «و اذکر في الکتاب إسماعيل إنّه کان صادق الوعد و کان رسولا نبياً» (12).

3ـ سئل النبي(صلى الله عليه وآله) عن علامات المنافق فقال:: «إنّ المؤمن همّه في الصلاة و الصيام و العبادة; و المنافق همّته في الطعام و الشراب کالبهمية» (13)

4ـ قال النبي(صلى الله عليه وآله) «لعن اللهُ مَن أکرمَ الغنيّ لغنانُه، و لعن اللّهُ مَن أهانَ الفقير لفقره و لا يفعلُ هذا إلاّ منافقٌ، و مَن أکرمَ الغنيّ لغناهُ و أهانَ الفقيرَ لفقره سُمّي في السموات عدوّاللهِ و عدوَّ الأنبياءِ و لا يستجابُ له دعوةٌ ولايُقضى له حاجة».

5ـ نقل عن علىّ(عليه السلام) أنّه قال: «المنافقُ لسانهُ يسرُّ و قلبهُ يضرُّ» (14).

 


1.بحار الأنوار، ج 74، ص 89.

2.سورة البقرة، الآية 14.

3.سورة البقرة، الآية 14.

4.سورة النساء، الآية 141.

5.سورة البقرة، الآية 14.

6.سورة الفاتحة، الآية5.

7.سورة البقرة، الآية 44.

8.نفس الآية.

9.سورة الصف، الآية 2.

10.التفسير الامثل، ج 24، ص 146 ـ 167.

11.ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 20، ص 266.

12.الکافي، ج 2، ص 290.

13.المحجة البيضاء، ج 5، ص 122.

14.غرر الحکم، 60.

121/ رمز الظفر في الأعمال

شرح الحديث:

أصدر القرآن الکريم (2) أربعة أوامر للمؤمنين هي:

1ـ «إصبروا».

2ـ «صابروا».

3ـ «رابطوا»، لهذه الکلمة معنيان: أحدها المعنى الاصطلاحي و هو أن يستعد الانسان للدفاع عن الثغور الاسلامية أمام الکافرين (أي حافظوا على ثغورکم)، و الآخر ـ الذى هو أوسع من الأول ـ حافظوا على العلاقات فيما بينکم.

4ـ «اتقوا»، أي يجب أن تکون جميع تلک الأعمال مقرونةً بالتقوى .

الآن يسأل النبي الکريم(صلى الله عليه وآله) في هذا الحديث الشريف الصحابي المعروف أباذر الغفاري: يا أباذر أتعلم في أي شيء أنزلت هذه الآية؟ فقال أبوذر: لا أدري فداک أبى و أمى، فقال الرسول(صلى الله عليه وآله): نزلت في إنتظار الصلاة خلف الصلاة.

لعلکم لا حظتم ما هو متداول بين أهل السنة من التفريق بين الصلاتين، فلما يفرغون من صلاة المغرب ينتظرون فترةً لإداء صلاة العشاء، تبين هذه الآية الشريفة طبعاً مصداقاً من هذه المصاديق و ليست هي بصدد الحصر.

من ضمن المسائل المهمة في حياتنا نحن المسلمين الاستمرار في البرامج; العلماء الناجحون هم الذين يستمرون في أداء عملهم. اذا استمر الانسان أياماً متواليةً لأداء عمل ثم ضجر و ترکه فلن يحصل على ثمرته، فکما يجب وصل الصلاة بالصلاة الأخرى يجب فعل ذلک في الأبحاث العلمية و الأعمال الأخرى أيضاً.

کنت أعرف شخصاً ناحجاً في زمانه، و کان يتحدث للناس في مسجد کل ليلة، هذب جماعةً کبيرةً، حدث شيءٌ جعله يخرج من تلک المنطقة، لکنّ الناس استمروا على عملهم و تابعوه. کلمة «رابطوا» ليست مقيدة بالثغور و ...، بل المراد منها العلاقات بين الأفراد أيضاً، أي تکون الأعمال مؤثرةً اذا أنجزت بشکل جماعي، لأنّها تکون أبعد عن مخاطر الزلل و الاشتباه، و تکون ذات سرعة و عمق أکبر، و کم تکون الأعمال الکبيرة التي يقوم بانجازها الانسان منفرداً ذات أثر قليل جداً.

هؤلاء الأجانب عبيد الدنيا على العکس منّا تماماً، ليس لديهم أعمالا فريدةً أبداً، ينجزون أعمالهم بصورة جماعية، و يکون النجاح حليفهم متى کانوا کذلک إعتاد أولئک على الکون بهذه الصورة في الدنيا، في الوقت الذي يجب أن نسبقهم في الدنيا و الآخرة.

 

مسائل حول الصلاة:

فلسفة الصلاة:

جاء في الآية 45من سورة العنکبوت: «أقم الصلاة إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاءِ و المنکرِ». فى هذه الآية الشريفة إشارة الى الفلسفة العظيمة للصلاة و هي أنّ الصلاة بطبيعيتها بما أنّها تذکّر الانسان بأقوى العوامل الرادعة أي تذکره بالاعتقاد بالمبدأ و المعاد فسوف تتضمن أثر النهي عن الفحشاء و المنکر.

الانسان الذي يقف للصلاة و يکبر، و يعتبر الله أفضل و أعلى و أکبر من کل شيء، سيتذکر نعمه و يحمده و يشکره، و يثني على رحمانيته و رحيميته، و يتذکر يوم جزاءه، و يستعيذ به من طريق المغضوب عليهم و الضالين (مضمون سورة الحمد); و يرکع لله، يسجد و يخضع له، و يغرق في عظمته، و ينسى الغرور و التکبر، ... يشهد بوحدانية، و يشهد برسالة النبي(صلى الله عليه وآله)، و يصلي عليه، و يرفع يديه بالدعائ أن يجعله في زمرة عباده الصالحين (التشهد و السلام) ; توجد جميع هذه الأمور أمواجاً من المعنويات في وجود الانسان ; تلک الأمواج التي تعتبر سداً منيعاً أمام الذنوب.

 

أهمية الصلاة:

تلاحظ تعبيرات في الروايات المتعددة المنقولة عن النبي الکريم(صلى الله عليه وآله) و الأئمة المعصومين تکشف النقاب عن الأهمية القصوى للصلاة في مدرسة الاسلام.

يقول أبو عثمان: کنت جالساً مع سلمان الفارسي تحت شجرة، فأمسک أحد أغصانها اليابسة و هزّها حتى تساقطت جميع أوراقها، ثم توجه إلىّ و قال: ألا تسأل لَم فعلت ذلک؟ قلت: قل لي ماذا تقصد من ذلک؟ قال: هذا مافعله النبي(صلى الله عليه وآله) عند ما کنت جالساً تحت شجرة، حينها التفت إلىّ و قال: سلمان لم تسأل لَم فعلت هذا؟ قلت: لماذا؟ قال: «إنّ المسلمَ إذا توضّأ فأحسن الوضوءَ، ثم صلى الصلواتَ الخمسَ تحاتّتْ خطاياهُ کما تحاتّ هذا الورقَ، ثم قرأ هذه الآية: «و أقمْ الصلاةَ إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاءِ و المنکرِ» (3)

نقرأ في حديث آخر عن أحد صحابة النبي(صلى الله عليه وآله) و هو أبو أمامة حيث يقول: ذات يوم کنت جالساً في المسجد مع النبي(صلى الله عليه وآله) و الأصحاب إذ جاء رجل الى الرسول (صلى الله عليه وآله) و قال: فعلت ما يوجب الحد، فأقمه يا رسول الله. قال النبي(صلى الله عليه وآله) هل صليت معنا؟ قال: نعم يا رسول الله، قال لقد عفا الله عن ذنبک و رفع عنک الحد.

نقل کذلک عن الامام على(عليه السلام) عن الرسول(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إنّما منزلةُ الصلوات الخمسِ لأمّتي کنهر جار على بابِ أحدِکُم فما نظنُّ أحَدکُم لو کانِ في جسدِهِ درنٌ ثمّ اغتسلَ في ذلک النهر خَمسَ مرات کانَ يبقى في جسدِهِ درنٌ، فکذلک و اللهِ الصلواتُ الخمسُ لأمّتي» (4)

على کل حال، لا شک أنّ الصلاة إذا أقيمت بصورتها الصحيحة تغرق الانسان في عالم من المعنوية و الروحانية، و توثق إرتباطه بالله بحيث يؤدي ذلک الى غسل و إزالة الأقذار و آثار الذنوب عن قلبه و روحه أيضاً.

تضمن الصلاة عدم وقوع الانسان في الذنب، و تزيل صدأ الذنب عن مرآة القلب.

تنبت الصلاة براعم الملکات الانسانية الرفيعة في أعماق روح البشر، تقوي الصلاة الارادة کذلک و تطهر القلب و الروح، و على هذا لو لم تکن الصلاة جسماً بلا روح فإنّها مدرسة تربوية عالية. (5)

 

تأثير الصلاة في تربية الفرد و المجتمع:

برغم أنّ فلسفة الصلاة لا تخفى على أحد لکنّ الترکيز في نصوص الآيات و الروايات يقودنا الى الاحاطة الشاملة بهذا الموضوع:

1ـ روح، أساس، هدف، أصل، مقدمة، نتيجة و أخيراً فلسفه الصلاة هي ذکر الله، کما إعتبرته الآية الشريفة المذکورة آنفاً أفضل نتيجة. طبعاً ذلک الذکر الذي يکون مقدمةً للتفکير، و التفکير الباعث و المحفز على العمل.

کما جاء في حديث عن الامام الصادق(عليه السلام) حيث قال في تفسير الآية «ولذکرُ اللهِ أکبرُ»: «ذکر اللهِ عندَ ما أحلَّ و حّرمَ» (6)

2ـ الصلاة وسيلة لغسل الذنوب و المغفرة الالهية; لأنّها تدعو الانسان ـ شاء أم أبى ـ نحو التوبة و إصلاح الماضي، لذا نقرأ في الرواية عن الرسول الکريم(صلى الله عليه وآله): «أنّما منزلة الصلوات الخمس لأمتي کنهر جار على باب أحدکم فما نظن أحدکم لو کان في جسده درن ثم اغتسل في ذلک النهر خمس مرات کان يبقى في جسده درن فکذلک و الله الصلوات الخمس الأمتي» (تمّ شرح هذا الحديث في أهمية الصلاة).

فعلى هذا تلتئم الجروح الواردة على روح الانسان على أثر الذنب ببلسم الصلاة، و يزال الصدأ الجاثم على القلب.

3ـ الصلاة سدّ أمام الذنوب المعاصى في المستقبل; لأنّها تقوي روح الايمان لدى الانسان و تنمّي غرسة التقوى في القلب، و نحن نعلم أنّ «الايمان» و «التقوى» سدّ حصين أمام المعاصي، و هذا ماذکر في الآية المبارکة بعنوان «النهي عن الفحشاء و المنکر»، و کذلک نقرأ في أحاديث أخرى متعددة: ثمة أشخاص مذنبين ذکروا ما بهم للأئمة الکرام(عليه السلام) فأجابهم الأئمة: لا عليکم، إنّ الصلاة تصلحهم.

4ـ الصلاة مزيلة للغفلة، فأعظم ما يواجه سالکي طريق الحق نسيانهم هدف خلقتهم و غرقهم في الحياة المادية و لذائذها العابرة، لکنّ الصلاة لأدائها في فترات مختلفة أي خمس مرات کل صباح و مساء، تنبّه الانسان باستمرار، و تحذره و تؤکد له هدف الخلقة، و تذکره بمکانته في العالم، و هذه نعمة کبيرة، و هي أن يملک الانسان وسيلةً توقظه بقوة کل يوم مرات متعددة.

5ـ الصلاة تقوض التکبر و العُجب; ذلک لأنّ الانسان يؤدي يومياً سبع عشرة رکعةً، يسجد في کل منها مرتين و يمرغ جبهته بالتراب، ويرى نفسه ذرةً صغيرةً بل لاشي أمام أزلية و عظمة الله جلّ و علا.

يمزق حب الغرور و يتغلب على التکبر.

لذا ذکر الامام على(عليه السلام) في حديثه المعروف الذي بيّن فيه فلسفة العبادات أنّ أفضل عبادة بعد الايمان هي الصلاة، فبين هدفها وقال: «فرض الله الايمان تطهيراً من الشرک و الصلاة تنزيهاً عن الکبر». (7)

6ـ الصلاة وسيلة لتنمية مکارم الأخلاق و التکامل المعنوي للانسان; لأنّها تخرج الانسان من العالم المحدود للمادة و الجدران الأربعة للطبيعة، و تدعوه الى الملکوت السماوي و الاتحاد مع الملائکة و مرافقتهم، فيرى الانسان نفسه إزائ الله تعالى بلاحاجة الى واسطة فيناجيه و يکلمه.

تکرار هذا العمل يومياً مع الاعتماد على صفات الله تعالى، الرحمانية و الرحيمية و عظمته خصوصاً بعد الاستعانة بالسور القرآنية المختلفة بعد الحمد التي تمثل أفضل دعوة حو البر و الاحسان و الکمال، سوف يکون له أثر ملحوظ في تنمية الفضائل الأخلاقية في وجود الانسان.

لذا نقرأ في حديث عن الامام أميرالمؤمنين على(عليه السلام) حول فلسفة الصلاة: «الصلاة قربان کل تقي» (8)

7ـ تمنح الصلاة القيمة لسائر أعمال الانسان; لأنّها تحيى روح الاخلاص. الصلاة عبارة عن مجموعة من النية الخالصة و القول الصادق و الأعمال المخلصة; يؤدي تکرار هذه الأعمال يومياً الى نثر بذور جميع الأعمال الحسنة في روح الانسان، و تقوية روح الاخلاص لديه. لذا نقرأ في الحديث المعروف: قال أميرالمؤمنين(عليه السلام) في جملة و صاياه بعد ما ضربه المجرم ابن ملجم و شق رأسه الشريف بسيفه المشؤوم: «الله الله في الصلاة فإنّها عماد دينکم» (9).

نعلم أنّ الخيمة تسقط بسقوط أو کسر عمودها و لا أثر لاستحکام حبالها و أوتادها، کذلک يکون ارتباط العباد بالله تعالى وثيقاً بواسطة الصلاة، و تفقد باقي الأعمال أثرها عندما يقطع ذلک الارتباط.

نقرأ في حديث عن الامام الصادق(عليه السلام): «أولُ ما يحاسبُ به العبدُ الصلاةُ، فإن قبلت قبل سائر عمله، و إن ردّت ردّ عليه سائر عمله» (10).

يمکن أن يکون دليل هذا الحديث أنّ الصلاة رمز الارتباط بين الخلق و الخالق، إذا أنجزت بصورة صحيحة تحيي فيه قصد القربة و الاخلاص التي تعتبر وسيلةً لقبول سائر الأعمال، و إلاّ فقدت باقي الأعمال اعتبارها و أصبحت مدنسةً و ملوثةً.

8ـ تعتبر الصلاة ـ بقطع النظر عن محتواها و الإلتفات الى شروط الصحة ـ دعوةً لتطهير الحياة، لأنّنا نعلم أنّ مکان المصلي، و الفراش الذي يصلي عليه، و المائ الذي يتوضأ أو يغتسل به، و المحل الذي يغتسل أو يتوضأ فيه يجب أن يکون خالياً عن شبهة الغصب و التجاوز على حقوق الآخرين.

کيف يستطيع الشخص الملطخ بالتجاوز و الظلم و الربا و الغصب و التطفيف و الرشوة و کسب المال الحرام أن يهيئ مقدمات الصلاة؟ بناءاً على هذا، يکون تکرار الصلاة خمس مرات في اليوم دعوةً لرعاية حقوق الآخرين.

9 ـ للصلاة بالإضافة الى شروط الصحة شروط للقبول أو بعبارة أخرى شروط للکمال، حيث تعد مراعاتها عاملا مؤثراً آخر أيضاً لترک العديد من الذنوب. ذکرت أمور کثيرة في الکتب الفقهية و مصادر الحديث بعنوان موانع قبول الصلاة، من جملة ذلک مسألة شرب الخمر، حيث جاء في الروايات: «لا تُقبل صلاة شارب الخمر أربعين يوماً إلاّ أن يتوب» (11).

و قد صرحت روايات أخرى بعدم قبول صلاة من لا يدفع الزکاة،و تقول روايات أخرى: أکل الزاد الحرام و العجب و التکبر من موانع قبول الصلاة، و واضح أنّ تهيئة و توفير شرائط القبول کم هو بنّاء؟

10ـ الصلاة تقوي روح الانضباط في الانسان; لأنها يجب أن تؤدى في أوقات محددة، فيؤدي تقديمها و تأخيرها الى البطلان، کذلک هناک آداب و أحکام أخرى تتعلق بالنية و القيام و العقود و الرکوع و السجود و أمثالها، حيث تيسر رعايتها إجراء الانضباط بصورة کاملة في برامج الحياة.

کل تلک فوائد موجودة في الصلاة بغض النظر عن مسألة الجماعة، و اذا أضفنالها خصوصية الجماعة ـ التي تعتبر روح الصلاة ـ فسوف نحصل على برکات أخرى، ليس المکان محلا مناسباً للدخول في تفاصيلها، بالاضافة الى أنّنا جميعاً على علم بها و لو إجمالا.

ننهي کلامنا حول فلسفة و أسرار الصلاة بالحديث الجامع المنقول عن الامام علي بن موسى قال الرضا(عليه السلام):

قال الامام(عليه السلام) في معرض رده على رسالة سئل فيها عن فلسفة الصلاة: «انّ علة الصلاة أنّها إقرار بالربوبية لله عزّوجلّ و خلع الأنداد، و قيام بين يدي الجبار جل جلاله بالذل و المسکنة، و الخضوع و الاعتراف و الطلب للاقالة من سالف الذنوب، و وضع الوجه على الأرض کل يوم خمس مرات إعظاماً لله عزوجل و أن يکون ذاکراً غير ناس و لا بطر و يکون خاشعاً و متذللا راغباً طالباً للزيادة في الدين و الدنيا، مع ما فيه من الانزجار و المداومة على ذکر الله عزجل بالليل و النهار لئلا ينسى العبد سيده و مدبره و خالقه فيبطر و يطغى و يکون في ذکره لربه و قيامه بين يديه زاجراً له عن المعاصي و مانعاً من أنواع الفساد» (12)

س/ يقول البعض: نحن لاننکر فلسفة الصلاة و أهميتها و آثارها النفسية لکن ما هو الموجب لأدائها في أوقات محددة؟ أليس من الأفضل أن يترک الناس أحراراً و يقوم کل شخص بأداء هذه الوظيفة أثنائ فراغه و حصول الاستعداد النفسي لديه؟

ج/أثبتت التجارب أنّ المسائل التربوية لو لم تخضع للانضباط و لم تؤد وفق شروط معينة فسيتم نسيانها من قبل البعض و يتزعزع أساسها; يجب أن تؤدى هکذا أعمال في أوقات محددة و تخضع للانضباط الدقيق حتى لا يملک أي شخص عذراً و ذريعةً لترکها، و بالذات عندما تؤدى هذه الطقوس و العبادات بصورة جماعية حيث لها من الجلال و العظمة و التأثير مالاينکر، و في الحقيقة تشکل درساً کبيراً لتهذيب النفس. (13)

 

تارکوا الصلاة و أوصافهم و جزاؤهم:

الف) تارک الصلاة أسؤا أم الکافر؟

قال النبي الکريم(صلى الله عليه وآله): «يقول الکلب في عوائه: الحمدلله الذي خلقني کلباً ولم يجعلني خنزيراً، و يقول الخنزير: الحمدلله الذي خلقني خنزيراً و لم يجعلني کافراً، و يقول الکافر: الحمدلله الذي لم يجعلنى منافقاً، و يقول المنافق: الحمدلله الذي جعلني منافقاً و لم يجعلني تارکاً للصلاة». إنّ الله تعالى يقول: «أقيموا الصلاة و لا تکونوا من المشرکين» (14).

 

ب) يعرف المسلم من الکافر بالصلاة:

قال: «ما بين المسلم و بين أن يکفر إلاّ أن يترک الصلاة الفريضة متعمداً أو يتهاون بها فلا يصليها» (15).

و قال في مکان آخر: «من ترک الصلاة متعمداً فقد برئ من ذمة الله و ذمة رسوله» (16)

و قال کذلک: «لاايمان لمن لا صلاة له».

 

ج) تارک الصلاة أسوأ أم اليهودى؟

«من ترک الصلاة لايرجو ثوابها و لا يخاف عقابها فلا أبالي أيموت يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً؟» (17)

 

د) لماذا يقال لتارک الصلاة کافر؟

عن مسعدة بن صدقة قال: سئل ابوعبدالله الصادق(عليه السلام) مابال الزاني لا تسميه کافراً و تارک الصلاة قد تسميه کافراً، و ما الحجة في ذلک؟ قال: لأنّ الزاني ما أشبهه إنما يفعل ذلک لمکان الشهوة، و لأنها تغلبه، و تارک الصلاة لا يترکها إلاّ استخفافاً بها، و ذلک لأنّک لاتجد الزاني يأتي المرأة إلاّ و هو مستلذ لإتيانه إياها قاصداً إليها، و کل من ترک الصلاة قاصداً إليها فليس يکون قصده لترکها للذة، فاذا انتفت اللذة وقع الاستخفاف، و اذا وقع الاستخفاف وقع الکفر» (18).

 

هـ)ترک الصلاة يهدم الدين:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الصلاة عماد الدين من صلاها فقد أقام الدين و من ترکها فقد هدم الدين» (19).

و قال أيضاً: «لکل شيء آفة و آفة الدين ترک الصلاة»

 

و) تارک اصلاة ليس کافراً فقط بل له اسم آخر:

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «إذا ترک أحدکم صلاة الصبح ناداه مناد من السماء (يا غادر)، و اذا ترک صلاة العصر ناداه مناد من السماء

(يا فاجر)، و اذا ترک صلاة المغرب ناداه مناد من السماء (يا کافر)، و اذا ترک صلاة العشاء نودي من السماء لاتؤجر على عمل».

 

ز) ترک الصلاة أسوأ من هذه الجرائم:

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «من أحرق سبعين مصحفاً وقتل سبعين ملکاً مقرباً وزنى بسبعين بکراً کان أقرب الى النجاة ممّن ترک الصلاة متعمداً».

جزاء تارک الصلاة من موته الى وروده جهنم:

بالاضافة الى أنّ تارک الصلاة ليس له في الدنيا نور الصالحين و لا يستفيد من عمره و يبوء بغضب الرب باستمرار و يجب على المسلمين عدم معاشرته، يعذب أثناء الموت أيضاً عذاباً شديداً:

 

الف) جزاء تارک الصلاة فى عالم البرزخ:

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «رأيت ليلة المعراج طائفةً من الناس تُضرب رؤوسهم بالحجر فتتهشم ثم تعود الى حالتها الأولى، ثم تضرب مرةً أخرى و هکذا، فقلت: يا جبرائيل من هذه الطائفة؟ قال: هؤلاء المقصرون في أداء الصلاة الواجبة و المتهاونون فيها، حيث کانوا ينامون وقت صلاة العشاء و يغفلون عن أدائها فيعذبون بهذه الطريقة».

قديماً توفيت امرأة فذهبوا لدفنها فرأوا ثعباناً جاثماً على صدرها و قد وضع رأسه في فمها و أمسک بلسانها فکان يعذبها عذاباً شديداً، و لما أرادوا قتله أنطقه الله تعالى بقدرته فقال: أقسم بالله الذي روحي بيده لقد خلقني لأعذب هذه المرأة في القبر و في جهنم، قال الناس: ما فعلت؟ قال: کل هذا العذاب لأجل الترک العمدي لصلاة العشاء.

 

ب) جزاء تارک الصلاة يوم القيامة:

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «اذا کان يوم القيامة يخرج من جهنم جنس من عقرب، رأسه في السماء السابعة، و ذنبه الى تحت الثرى، و فمه من المشرق الى المغرب، فيقول: أين من حارب الله و رسوله؟

ثم يهبط جبرائيل(عليه السلام) فيقول: يا عقرب من تريد؟ يقول العقرب: أريد خمسة نفر: تارک الصلاة، و مانع الزکاة، و آکل الربا، و شارب الخمر، و قوماً يحدثون في المسجد حديث الدنيا» (20).

يقول الکاتب: لا يستبعد وجود هذا الحيوان الکبير، لأنّ الخالق الذي أوجد نوعاً من جنس هذا الحيوان بشکل صغير في الدنيا له القدرة على خلق نوع کبير منه في الآخرة.

 

ج) يدخل تارک الصلاة الويل في جهنم:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أنّ أمتي على أربعة أصناف: صنف يصلون لکنّهم يغفلون في صلاتهم فيکون مکانهم في الويل، و هو واد في جهنم کما قال الله تعالى «ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون») (21).

 

ثمانية عشر عقوبة للمستهين بالصلاة:

قال ابن مسعود: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: «من تهاون في صلاته من الرجال و النساء عاقبه الله بثمانية عشر عقوبة: ست منها في الدنيا، و ثلاث أثناء الموت، و ثلاث في القبر، و ثلاث في المحشر، و ثلاث على الصراط».

 

أما التي لدى الموت:

«ذهاب البرکة من زرقه، و ذهاب البرکة من حياته، و ذهاب النور من وجهه، و لا حظّ له في الاسلام، و لا يشرکه الله في دعاء الصالحين، و لا يستجاب دعاؤه».

 

و أما التي لدى الموت:

«فالأولى: يموت ذليلا، فما أثقل ذلک عليه کأنّه حمل جبل، أو کأنّه يضرب بالسوط و يعجز عن رده، و الثانية: يموت عطشاناً و لو شرب ماء الدنيا لم يرو، و الثالثة: يموت جائعاً و لو أکل طعام الدنيا لم يشبع» .

 

و أما التي في القبر:

«فالأولى: الغم الشديد و يظلم عليه قبره، و الثانية: يضييق عليه القبر و يکون معذباً الى يوم القيامة، و الثالثة: لا تبشره الملائکة بالرحمة».

 

و أما التي في المحشر:

«فانّه يقوم على صورة الحمار، و يعطى کتابه بشماله، و يحاسبه الله حساباً طويلا».

 

و أما التي على الصراط:

«لا ينظر الله إليه، و لا يزکيه، و لا يقبل منه صرفاً و لا عدلا و يحاسبه الله على الصراط ألف عام، ثم يأمر به الى النار مع الداخلين في قوله تعالى: «ما سلککم في سقر قالوا لم نکُ من المصلين» (22).

 

أما الصنف الثاني فمکانهم في غىّ:

يتابع الرسول(صلى الله عليه وآله) حديثه فيقول: و صنف أحياناً يصلون و لا يصلون أحياناً أخرى، فهؤلاء جزاؤهم دخول «الغىّ» و هو اسم لمحطة من محطات جهنم، حيث قال الله تعالى: «فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً» (23) و اضاعة الصلاة نقص في الطهارة أو الرکوع أو السجود أو واجب من واجباتها.

 

و أما الصنف الثالث فهم محل الشاهد:

«وصنف لا يصلون أبداً فکان لهم سقر، و هو واد في جهنم، يقول الله تعالى: «ما سلککم في سقر قالوا لم نک من المصلين»» .

 

و أما المصلون الحقيقيون:

و صنف يصلون دائماً بخشوع و خضوع، و يقول الله تعالى: «الذين هم في صلاتهم خاشعون».

 

هکذا يلقى تارک الصلاة في جهنم:

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «يغضب الله يوم القيامة على عشر من أمتي و يأمر بإلقائهم في النار، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: 1ـ الشيخ الزاني 2ـ الامام الضال، 3ـ الشارب للخمر، 4ـ عاق الوالدين، 5ـ رامي المحصنة، 6ـ الساعي بالنميمة،7ـ شاهد الزور، 8ـ مانع الزکاة، 9ـ تارک الصلاة; إعلموا أنّ عذاب تارک الصلاة يضاعف يوم القيامة، إنّه يأتي و يداه مغلولتان الى عنقه، و يضرب الملائکة وجهه و جبهته بسياط من نار، و تقول له الجنة «لست منّي و لا أنت من أهلي»، و تقول له النار: إقرب مني لأعذبنّک عذاباً شديداً، ثم تصرخ به جهنم فيدخلها مسرعاً، ثم يسقط فيها على رأسه ليصل الى الدرک الأسفل جنب قارون» ثم قال: «من ترک الصلاة عمداً بقي في النار ثمانين حقباً» (کل حقب يساوي ثلاثمائة و ثمانين يوماً، و کل يوم يعدل الدنيا من أولها الى آخرها أو 6400 سنةً).

 

عذاب و عقاب تارک الصلاة فى جهنم:

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): إنّ في جهنم وادياً يستغيث أهل النار من حرارته سبعين ألف مرة في کل يوم، و في هذا الوادي بيت من النار، و في البيت تابوت من النار، و في التابوت ثعبان له ألف رأس، و في کل رأس ألف فم، و في کل فم ألف ناب، و کل ناب طوله ألف ذراع. قال أنس: قلت لرسول الله لمن هذا العذاب؟ قال: لشارب الخمر و تارک الصلاة.

 

عقاب من عاشر تارک الصلاة:

کما قرأتم إنّ الکلب و الخنزير و الکافر أفضل من تارک الصلاة، لأنّه لا مسؤولية و لا عقاب في النظر الى وجه الکلب و الخنزير و الکافر، و في إعانة هذه الحيوانات ثواب، لکن هناک عقاب لإعانة و معاشرة تارک الصلاة:

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «من تبسم في وجه تارک الصلاة فکأنّما هدم البيت المعمور سبع مرات و کأنّما قتل ألف ملک من الملائکة المقربين و الأنبياء المرسلين» ثم قال: «لا تسلموا على تارک الصلاة و لا تجيبوا سلامه، و لا تسمحوا له، و اذا مرض لا تعودوه». هناک عقاب في الأکل مع تارک الصلاة:

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) أيضاً: «من أکل مع من لا يصلي کأنّما قتل سبعين نبياً و کأنّما زنى بسبعين محصنة من بناته و أمّهاته و عماته و خالاته في البيت الحرام».

 

لا تجب إعانة تارک الصلاة:

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «من أعان تارک الصلاة مثقال ملح فکأنّما زنى بأمه ألف مرة».

 

لا يجب إعطاء المائ و الخبز لتارک الصلاة:

قا النبي الکريم(صلى الله عليه وآله): «من أعان تارک الصلاة بشربة ماء فکأنّما حارب و جادل معي» و قال: «من أعان تارک الصلاة بلقمة أو بکسوة فکأنّما قتل سبعين نبياً».

و ذلک برغم أنّ في إعطاء الماء ثواباً جزيلا، کل تلک إلاّ لأجل إفهامه بخطئه و لکي يعود الى الله و لا يوجب على نفسه دخول جهنم.

 

جنازة تارک الصلاة ذليلة:

روى الصدوق في جامع الأخبار: قال النبي(صلى الله عليه وآله): «من ترک الصلاة ثلاثة أيام فاذا مات لا يغسل و لا يکفن و لايدفن بين قبور المسلمين».

 

عُذّب أهل الشاطئ بسبب ضرس تارک الصلاة:

لمامرّ موسى بن عمران(عليه السلام) على شاطئ النيل رأى أسماک الشاطئ في حالة من العذاب فسأل عن السبب، قالت الأسماک بلغته: في الزمن الماضي ابتلي شخص تارک للصلاة (کان في السفينة) بوجع الاسنان، فقلع ذلک السن ورماه في الشاطئ، و منذ أن ابتلعته أحدى الأسماک کنّا جميعاً في العذاب مشترکين.

 

يحدث الفساد من الماء الذي يغتسل به تارک الصلاة:

مرّ النبي عيسى(عليه السلام) بقرية ذات أشجار و أنهار و فيرة، فأکرم أهل تلک القرية النبي(عليه السلام) و استضافوه ضيافةً حسنةً، فتعجب من حسن سلوکهم و طاعتهم و إحسانهم و خرج عن تلک القرية، و بعد ثلاث سنين مرّ صدفةً على تلک القرية أيضاً، فرأى جميع أشجارها قد يبست، و عيونها قد جفّت و بيوتها قد تِهدمت، فأوحي إليه من قبل الله تعالى أنّ سبب خراب هذه القرية هو أنّ تارکاً للصلاة دخلها و اغتسل بماء أحد عيونها فتشاء مت منه و أصبحت خربةً. يا عيسى، کما يؤدي ترک الصلاة الى تهديم الدين فانّه يستلزم خراب الدنيا أيضاً.

 

عظم تارک الصلاة يؤدي الى عذاب مدينة:

شکا رجل الفقر الى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقال له النبي(صلى الله عليه وآله) ألا تصلي؟ قال: يا رسول الله أنا أصلي الفرائض الخمس معک، قال النبي(صلى الله عليه وآله): لعلک لا تصوم؟ قال: أصوم الأشهر الثلاثة رجب و شعبان و رمضان، قال النبي(صلى الله عليه وآله): لعلک تفعل مانهى الله عنه و تنهى عما أمر به؟ قال: حاشا لله أن أفعل ما يخالفه و يخالفک، فتغير النبي و أخذ يفکر متحيراً، فنزل جبرائيل الأمين حاملا رسالةً من رب العالمين و قال: يا رسول الله(صلى الله عليه وآله) العلي الأعلى يقرؤک السلام ويقول: علة حاجة هذا الرجل أنّ هناک بستان بجواره و فيه عصفور قد بنى عشاً فوق غصن أحد الأشجار، و يحوي هذا العش عظماً لتارک الصلاة، فلذلک ابتلي بالفقر و الفاقة. فأوصل النبي(صلى الله عليه وآله) الرسالة الألهية الى الرجل، فذهب و أخرج ذلک العظم من عش العصفور المذکور و رماه بعيداً عن منزله، فأصابه سعة في العيش و المال.

من أضاع الصلاة فهو مشبه لتارک الصلاة (24).

 


1.بحار الانوار، ج 74، ص 85.

2. سورة آل عمران، الآية 200.

3.بحار الانوار، ج82، ص 319.

4. بحار الانوار، ج 82، ص 220، الرواية 41، الباب 10.

5.التفسير الأمثل، ج 9، ص 261 ـ 269.

6.بحار الانوار، ج 71، الرواية 9، الباب 65، و کذلک ج 82، ص 200، الباب الأول. و جاءت أيضاً في الکافي،ج 2، ص 80، الرواية الرابعة.

7.نهج البلاغة، الکلمات القصار، الرقم 252.

8.نفس المصدر، الجملة 136، و کذلک بحار الانوار، ج 10، ص 99، الرواية 1، الباب 7، ج 82، ص 308، الرواية 5، ص 310.

9.نهج البلاغة، الرسائل و الوصايا، الوصية 47.

10.الکافى، ج 3، ص268، الرواية 4، و بحار الانوار، ج 42، ص 249، الرواية 51، الباب 127.

11.بحر الانوار، ج 84، ص 317، و ص 320; الکافي، ج 2، ص 386، الرواية 9.

12. وسائل الشيعة، ج 3، ص4 و التفسير الامثل، ج 16، ص 289 ـ 294.

13.التفسى الامثال، جظ

14.سورة الروم، الآية 31.

15.بحر الانوار، ج 82، ص 216، الرواية 32، الباب 1.

16.الکافي، ج 2، ص 287، الرواية 24.

17.بحار الانوار، ج 82، ص 202، الرواية 2.

18.بحار الانوار، ج 69، ص 66.

19.نفس المصدر، ج 82، ص 202.

20.بحار الانوار، ج 79 الرواية 63.

21.نفس المصدر، ص202، الرواية 1.

22.بحار الانوار، ج 83، ص 21، الرواية 39، باب 6.

23.سورة مريم، الآية 59.

24.اقتبس ما ذکر من بحث تارکي الصلاة الى الأخير من کتاب «جزاء الأعمال»، ج 2، ص 8 ـ 18.

120 / کثرة الکلام(الثرثرة)

شرح الحديث:

الأ وامر التى أعطاها النبى(صلى الله عليه وآله) لأبي ذر الغفارى فى هذا القسم من الحديث کانت کالتالى:

1 - لا تتکلم کثيراً; أى ليکن کلامک بمقدار الحاجة، لأنّه يکفى الانسان کذباً أن يحدّث بکل ما يسمع.

هذا الأمر مهم جداً، لأنّ الانسان لو رکز فى مسألة اللسان فسوف يلتفت الى أنّ اللسان أخطر أداة لا رتکاب الذنوب، و قد ذکر لذلک علل هى:

الف) اللسان ذلک الشىء الذى يملکه الانسان دائماً; أى ليست هناک أى أداة جاهزة للاثم و فى متناول الانسان کهذه. اذا أراد شخص شراب الخمر - والعياذ بالله - فليس الشراب متوفراً فى کل مکان اذا أراد أن يزني - و لعياذ بالله - فليس هو متوفراً فى کل وقت و مکان أى يحتاج الى مقدمات على کل حال، لکنّ هذا اللسان يخضع لتصرف الانسان في کل مکان، فهو قطعة من اللحم يديرها الانسان بأى شکل أراد.

ب) الخطرالثانى هو أن بلوغ ذلک يسير جداً; أى لا يحتاج الى انفاق و لا عناء و لا مشقة، و يحتمل أن يلصق تهمةً کبيرةً جداً بدوران بسيط ممّا يؤدى الى ضربه ثمانين سوطاً أو يمکن ضمن حرکة قليلة أن يجرى الکفر على لسانه فيصبح مرتداً و يفارق الايمان الى الأبد.

ج) الخطر الثالث هو أنّ قبح اثم اللسان أقل من غيره، مثلا يعتبر الناس الزنا والشراب أعمالا قبيحةً جداً، لکن لو اغتاب شخص غيره مئات المرات أو کذب الآف المرات لايعدّون ذلک قبيحاً، و لا يعتبرون ذلک مزيلا للعدالة أيضاً.

د) الخطر الرابع هو أنّ دائرة آثام و جرائم اللسان اکثر من أى عضو آخر;(2)أى لا يملک بدن الانسان عضواً يستطيع ارتکاب الذنب بهذا المقدار.

س: ما العمل للتخلص من أخطار اللسان؟

ج: ذکر علماء الأخلاق طرقاً للخلاص من أخطار اللسان: من بين تلک الطرق هو ماذکره النبى(صلى الله عليه وآله) فى هذا القسم من الرواية«يا أباذر أترک فضول الکلام».

أذا استطاع الانسان فعل ذلک فستقل اغلب تلک الأخطار، لأنّه کلما قلل الانسان من کلامه قل ابتلاؤه بنسبة تقليله.

يقول الأطبائ الشرعيون:اذا قلل الانسان من استعمال الأطعمة الملوثة فسوف يقل ابتلاؤه بالأمرض; مثلا کان هناک حليباً ملوثاً بحمى مالطا، فسوف يکون احتمال اصابة الشخص الذى يشرب منه کأساً يومياً. اقل بالنسبة الى الشخص الذى يشرب کأسين، و تصل نسبة اصابة الثانى الى الضعف.

اللسان کذلک; الشخص الذى يتکلم بمائة کلمة بالنسبة الى الشخص الذى يتکلم بمائتى کلمة، احتمال ابتلائه بالذنوب بمقدارتلک النسبة و هى النصف.

بناءاً على هذا، کما قال النبى(صلى الله عليه وآله): من جملة طرق النجاة من مخاطر هذا العضو الخطير هى قلة الکلام، طبعاً وهب الله الانسان اللسان ليستفد منه. و أضيف أيضاً أنّ اللسان أهم أداة للخير و السعادة و العبادة و الوصول الى القرب الالهى أيضاً; يعنى کما يمکن ارتکاب ثلاثين کبيرة بواسطة اللسان يمکن انجار ثلاثين نوعاً من العبادة بواسطته أيضاً، من ضمن ذلک: الأمر بالمعروف،و النهى عن المنکر، و ذکر الله، و شکر الله، و نشر العلوم، و قراءة القرآن، و الصدق، و النصيحة و...

لذا لم يقل النبى(صلى الله عليه وآله) لأبى ذر لا تتکلم بل قال: أترک فضول الکلام حيث تکمن ذنوب کثيرة فى زيادة الکلام. و قال: حسبک من الکلام ما تبلغ به حاجتک،لأنّ الکلام الاضافى يتضمن: الغيبة، التهمة، الکذب، البخل، الحسد و...

لذا يجب أن نحکم سيطرتنا على اللسان، فللأسف يقل العمل خصوصاً بما جاء فى ذيل الحديث: کفى بالمرء کذباً أن يحدث بکل ما يسمع; ينقل الانسان ما يسمعه على صورتين:

1 - يقول أحياناً: يقولون الموضوع الفلاني; أى أنّه ينقل و يخبر عن نقله.

2 - و يقول أحياناً أخرى: هکذا حصل. فلو قال هذا يتضح و يحرز اثمه; لأنّ الشئ الذى لم يثبت بواسطة شاهدين عدلين لا يستطيع الانسان قوله.

بناءاً على هذالو قاله بصورة حاسمة فقد کذب:«انّ السمع و البصر و الفواد کلُّ أولئک کان عنه مسؤولا».

أما لو قال يقولون; أى يقول الانسان عند نقل الاشاعات: يقولون، فسوف ينجو هذا الفرد من الکذب; يعنى هذا ليس کذباً، لکن تترتب على ذلک عناوين محرمة عديدة; مثل: ايذاء المؤمن، هتک المؤمن، حيث يمکن أن يترتب على هذه الجملة تلک العناوين الثلاثة; أى أنّ هذه الجملة هتک المؤمن و اشاعة للفحشائ، فلو سمعها تکون ايذاءاً للمؤمن أيضاً. يتصور البعض أنّه يتخلص من الکذب بقوله کلمة «يقولون».

من جملة الأشياء الشحيحة فى زماننا و للأسف هى تقوى اللسان، و بالذات عندما يختلف الشخص فى خطه مع الآخر، فيسمح لنفسه باذاعة کل تهمة و فحشاء. اذا قلّت تقوى اللسان فى مجتمع فسيقل الفضل الالهى على ذلک المجتمع بالطبع. حينما لا يراعي الناس عرض و شرف بعضهم البعض فلن يحفظ الله شرفهم و کرامتهم، و يرفع لطفه و فضله عن هکذا طائفة، ألا نقول فى الفقه:«حرمةُ المؤمن کحرمة عرضه و دمه».

العرض والدم هنا الى جنب بعضهم البعض، حيث يکون قتل شخصية الانسان أحياناً أهم من قتل بدنه. يستعد البعض للموت مقابل عدم تدنيس عرضهم. لهذا يعتبر حفظ کرامة الآخرين مهماً للغاية. طبعاً لامانع من ذلک اذا لم تحمّل هذه العناوين على کلمة«يقولون». آمل أن نضع تلک الجملة التى قالها رسول الله (صلى الله عليه وآله): «اللسانُ کلب عقوٌ»(3)

نصب أعيننا، لأنّه لو لم يلجم فلن يفترس الآخرين فحسب بل يتفرس نفسه!

 

عيوب الثرثرة فى أحاديث الامام على(عليه السلام)

1 - من علم أنّ کلامه من علمهِ قَّ کلامُهُ الأ فيما يعنيهِ(4)

2 - من کثر کلامُهُ کثرَ خطؤهُ و من کثر خطؤهُ قلَّ حياؤه، و من قلَّ حياؤه قلَّ ورعُهُ، و من قُل ورعه مات قلبه، و من مات قلبه دخل النار(5)

3 - من أکثر أهجر، ومن تفکّر أبصر(6)

4 - قلة الکلام تستر العيوب، و تقلّ الذنوب(7)

5 - اياک و کثرة الکلام، فاّنه يکثر الزلل(8)

6 - أقللْ الکلام تأمنْ الملامِ»(9)

7 - آفةُ الکلام الاطالةُ(10)

8 - من قلَّ کلامُهُ بطنَ عيبُهُ(11)

9 - من قلَّ کلامُهُ قلتْ آثامُهُ(12)

 


1.بحار الأنوار، ج74، ص 85.

2.للاطلاع اکثر على آثام اللسان راجعوا کتاب «أنوار الهداية»،ج1،ص 69-74.

3.بحار الانوار، ج 71، ص 287.

4.نهج البلاغة، الحکمة 349.

5.نهج البلاغة، الحکمة 349.

6.نهج البلاغة، الرسالة31.

7.مستدرک نهج البلاغة، 168.

8.غرر الحکم، ج1، 163.

9.غررالحکم، ج، ص126، الرقم 60

10.نفس المصدر، ص120،الرقم 2206.

11.نفس المصدر، ج 2، ص190، الرقم 761.

12.اقتبست جميع هذه الاحاديث التسعة من کتاب«مشاهد الحکمة» لکاتبه على اصغر ناظم زاده.

پایگاه اطلاع رسانی دفتر مرجع عالیقدر حضرت آیت الله العظمی مکارم شیرازی
سامانه پاسخگویی برخط(آنلاین) به سوالات شرعی و اعتقادی مقلدان حضرت آیت الله العظمی مکارم شیرازی
تارنمای پاسخگویی به احکام شرعی و مسائل فقهی
انتشارات امام علی علیه السلام
موسسه دارالإعلام لمدرسة اهل البیت (علیهم السلام)
خبرگزاری دفتر آیت الله العظمی مکارم شیرازی

الإمامُ علىٌّ(عليه السلام)

غايةُ الآخِرةِ البَقاءُ

پايان آخرت، هستى و بقاست

ميزان الحکمه، جلد 1، ص 54