النکاح المطلب 330

13-أحکام النظر

القول الاول: قول من کان يقول بالجواز، بل نسب ذلک الى المشهور .

القول الثاني: قول من کان يقول بانه يجوز النظر الى المقدار الذي تعارف عدم ستره في المنزل، يعني يجوز للمحرم ان ينظر الى الرأس من محارمه والوجه والشعر والرقبة وبعض من الصدر وبعض من الساقين والساعدين ولا يجوز له اکثر من ذلک .

القول الثالث: قول من يقول ان محارم الانسان مثل الاجانب لا يجوز له النظر الا الى وجوههم واکفهم واقوامهم فقط لا غير.

ادلة القول الاول المشهور.

والعمدة من ادلة القول الاول شيئان:

الدليل الاول: الاية 31 من سورة النور حيث قد ورد فيها قوله تعالى {قل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها}(النور: 31)، حيث يستفاد من هذه الاية ان زينة المرأة على قسمين:

1ـ زينة ظاهرة. 2ـ زينة باطنة، والزينة الظاهرة يجوز اظهارها للجميع ، والمراد من الزينة الظاهرة الزينة التي تکون في الوجه او في اليدين الى المعصم ويُمثّل لها بالخاتم او الکحل في العين وامثال هذه من الامور التي سنبحثها مفصلا ان شاء الله فيما بعد في بحث الزينة الظاهرة، والتي تفرق عن تزيينات هذه الايام.

واما الزينة الباطنة فهي مثل العقد والحَلَقَ والخلخال والسوار وسوار العضد وغيرها مما يعد من الزينة الباطنة .

والقران يقول ان الزينة الظاهرة يجوز اظهارها للجميع ، واما الزينة الباطنة فلا يجوز اظهارها الا للمحارم وها هنا دلالة التزامية بينة مفادها انه حينما يجوز اظهار الزينة الباطنة للمحارم فمن البين حينئذ انه يجوز اظهار مواضعها فالعقد في الرقبة ويجوز اظهاره للمحارم فمحله وهو الرقبة ايضاً يجوز اظهارها ، وکذلک يجوز اظهار مقدار من الصدر باعتبار انه محل للزينة ايضاً، واذا کان يجوز اظهار الحلق فأيضاً يجوز اظهار الاذن لانها محل الحلق، والخلخال الذي يکون في مفصل الساق إذا کان يجوز اظهاره فأيضاً يجوز اظهار نفس المفصل، إذاً لازم اظهار الزينة هو اظهار محل الزينة ايضاً، والزينة بمعناها الحقيقي هي نفس الزينة، ومن هنا يعلم انه لاوجه لما صنعه البعض من تفسيره الزينة بمواضع الزينة، فالزينة تعني نفس الزينة واما مواضعها فيعلم حکمها بالدلالة الالتزامية لا ان معناها مواضع الزينة کما هو الظاهر من عبارات البعض. ونحن إذا کنا نريد ان نفسر الزينة بمواضع الزينة فيجب علينا اما ان نقدر واما ان نرتکب المجاز، وکلاهما خلاف الظاهر، فاذا قلنا ان قوله تعالى {ولا يبدين زينتهن} نقدر فيه کلمة مواضع فيکون (ولا يبدين مواضع زينتهن) او ان لا نقدّر شيئاً بل بعلاقة الحال والمحل نقول: ان الزينة يقصد منها مواضع الزينة فهذا التقدير وهذا المجاز کلاهما خلاف الظاهر. واما إذا اخذنا الزينة بمعنى نفس الزينة تکون النتيجة ان هذا هو المعنى الحقيقي وغيره -أي محل الزينة- يفهم بالدلالة الالتزامية .

ومن هنا يعلم انه يمکن ان يستفاد من هذه الاية ان المرأة لا يمکنها ان تظهر لباسها الزيني لغير المحرم، فالالبسة الزينية التي تلبس تحت الثياب والملونة وذات موديلات مختلفة ولها جنبة تزيينية إذا لبستها المرأة وبانت من تحت التشادر ـ العباءة ـ ولو انها کانت تغطي تمام البدن فنحن نقول بان هذه ايضاً حرام.

الثمرة العلمية للقول بان معنى الزينة في الاية هو نفس الزينة لا مواضعها

وعلى هذا فما قلناه هنا من انه لا يوجد تقدير في الاية ولا مجاز بل الزينة مستعملة في معناها الحقيقي وبالدلالة الالتزامية يفهم حکم مواضعها له ثمرة عملية، وتظهر هذه الثمرة في لباس الزينة الذي يستر ما تحته بشکل کامل، وهذا اللباس لباس زينة، والاية تقول (ولا يبدين زينتهن) وهو من الزينة الباطنة إذاً لا يجوز اظهار هذا اللباس الا للمحارم والزوج.

سؤال : نحن نعلم ان الاعراف تختلف في هذا المجال؟

الجواب: التفتوا جيدا، في تمام الاعراف هناک البسة للزينة لا تلبسها المرأة امام عامة الناس بل هي البسة خاصة بداخل المنزل اما امام الزوج او على الاقل امام المحارم ولا تلبسها اما غيرهم. واذا اردتم ان تلاحظوا العرف في صدر الاسلام فانه لم يکن عرفا کالعرف الغربي بلا أي ضوابط او قيود بان يخرجوا عراة مثلا او بلباس السباحة ، هذا شيء لم يکن موجودا.

وعلى کل حال علم معنى الاية الشريفة بالنسبة لکلا الزينتين ، والان نصل الى استخلاص النتيجة ، وفي مقام اخذ النتيجة نقول: ان هذه الاية لا انها فقط لا تدل على القول الاول المشهور بل انها تدل على القول الثاني، والعجب من انهم استدلوا بهذه الاية على القول الاول وانه يجوز اظهار تمام البدن ما عدا العورة، فليس لها أي دلالة على القول الاول بل لابد ان يعد هذا دليلا على القول الثاني الذي يقول بجواز اظهار مواضع الزينة فقط، وليس لها أي دلالة اکثر من هذا المقدار.

الدليل الثاني: واستدل للقول المشهور ايضا بالروايات، وهي روايات متعددة وردت في باب غسل الميت يراد تعديتها لما نحن فيه، فهناک روايات متعددة تقول بانه إذا فقد المماثل فان محارم المرأة حينئذ يغسلونها غسل الميت بعد ان يغطوا عورتها، وظاهر هذه الروايات هو جواز ان تکون المرأة عارية امام محارمها الرجال في ما عدا العورة حين الغسل ، وکذا جواز ان يکون الرجل عاريا امام محارمه من النساء في ما عدا العورة حين الغسل. وجميع هذه الروايات في الباب 20 من ابواب غسل الميت من المجلد الثاني من وسائل الشيعة.

(1) رواية الحلبي:

واما الحديث 3 من الباب 20 فهو ما عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير عن عماد بن عثمان عن الحلبي - وتمام رجال السند من الافراد المعروفين والمعتبرين - عن ابي عبد الله (ع) انه سئل عن الرجل يموت وليس عنده من يغسله الا النساء، قال : (تغسله امرأته او ذات قرابته ان کانت له، ويصب النساء عليه الماء صبا) أي يصب محارمه الماء على بدنه العاري من غير ان يلمسوه بايديهم ؟ اولا، بل غير محارمه يساعدون في تغسيله فيصبون الماء ومحارمه يمسحون الماء بايديهم ؟ أي من هذين الاحتمالين هو المقصود هنا؟

هناک روايات اخرى تشهد على ان المحارم ايضا لا يجوز لهم ان يلمسوه بايديهم حيث قد ورد في بعض الروايات (وتلف على يديها خرقة) فلا تملس بدنه ولو کانت من المحارم، وهنا يفترق اللمس عن النظر.

فدلالة هذه الرواية الى هذا الحد لا بأس بها، أي ان ظاهرها هو انه لا اشکال في عدم ستر البدن ما عدا العورة امام المرأة المحرم حين غسل الميت ، ويمکننا ان نقول: ان هذا حال الممات وکذلک الحکم حال الحياة او انه اولى.

سؤال: هل ان هذا من باب الضرورة؟

الجواب: هو انه في حال الضرورة يجب على النساء ان يغسلنه من فوق الثياب، والامام (ع) لم يقل ذلک، بل قال انه لا اشکال ان تغسله محارمه وهو عار في ما عدا العورة . وهذا في مسألة نظر المرأة الى الرجل، وما هو حکم العکس؟ العکس ايضا يفهم حکمه من الدلالة الالتزامية باعتبار انه إذا کان المناط هو المحرمية فان کلا منهما محرم بالنسبة الى الاخر، فکما يجوز للمرأة ان تنظر الى بدن محارمها کذلک يجوز للرجل ان ينظر الى بدن محارمه بلا اشکال.

ومن هنا يعلم ان حکم النظر مختلف عن حکم اللمس في هذه المسألة ، وهذه علامة استفهام في هذا الحديث، فالى أي حد تفترق مسألة النظر عن مسألة اللمس، فهل نقول بذلک ايضا في الاحياء ؟ أي انه يجوز النظر الى بدن المحارم الاحياء واما اللمس فلا.

سند هذه الرواية حسن وکذلک دلالتها، وظاهرها ان يکون الميت عارياً ولکنها لاتشمل اللمس، فعلى الاقل جملة الذيل فيها ابهام وهو يسري الى صدر الرواية ، واذا کنتم في اذهانکم الشريفة لا زلتم تستحضرون هذا المطلب الذي مر في الاصول وهو انه إذا حفت جملة بما يحتمل القرينية فهذا يسقطها عن امکانية الاستدلال بها، وعلى هذا فجملة الذيل بما انه يحتمل ان يکون المقصود بها المحارم وايضا يحتمل ان يکون المقصود غير المحارم فهذا المقدار يکفي لاسقاط الصدر عن امکانية الاستدلال به بالنسبة لحکم اللمس، واما بالنسبة لحکم النظر فانها تدل عليه.

سؤال : يمکن ان نقول ان جواز النظر کان اضطراريا؟

الجواب: لا يمکن ان يکون جواز النظر اضطراريا، لانه يمکن ان يقال بلزوم تغسيله من وراء الثياب، فلماذا لم يقل الامام (ع) ذلک؟

فخلاصة هذه الرواية هو انه يجوز النظر الى بدن المحارم لکن لا يستفاد منها حکم اللمس.

(2) رواية عمار الساباطي:

الحديث 11 من الباب 20 رواية عمار الساباطي ، وبما ان عماراً فطحياً فاذا کان بقية رجال السند معتبرين فان هذه الرواية تکون موثقة لا صحيحة، لکن بما ان الروايات متعددة في هذه المسألة فاننا لانحتاج الى ملاحظة السند لاننا نعتبر ان تعدد الرواية يکفي لاثبات الصدور ونعيد هنا الکلام الذي قلناه في السنوات الماضية حتى يعلم السادة کيف نتعاطى مع بحث اسناد الروايات.

الطرق الاربعة لقوة السند

قلناان قوة السند تثبت باربعة طرق:

الطريق الاول: ان يکون الراوي ثقة .

الطريق الثاني : عمل المشهور، فاذا کانت الرواية ضعيفة وعمل بها المشهور فانها تقوى وتصبح معتبرة ويمکن الاستناد اليها.

الطريق الثالث: تظافر الرواية، بأن تکون الروايات متعددة ثلاثة او اربعة وفي الکتب المعتبرة حتى لو کانت ضعيفة السند فهذا التظافر والتکاثر يوجب قوة السند.

الطريق الرابع: محتوى الحديث، فاحيانا يکون المحتوى لا يمکن صدوره عن غير الامام (ع) ومثّلوا له بخطب نهج البلاغةالتي وصل لنا اکثرها بشکل مرسل، فمع انها خطب مرسلة ومن غير اسناد مشخصة الا ان محتواها محتوى عال جدا ولا يمکن ان يترشح عن غير فکر وروح وشخصية الامام (ع).

وفي ما نحن فيه الروايات متظافرة فعن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (ع) في حديث ـ في الصبية لاتصاب امراة تغسلها ، قال: (يغسلها رجل اولى الناس بها)، فالرجل الذي هو اولى الناس بها يعني يکون محرما لها هو الذي يغسلها حينئذ. والصبية بمعنى البنت غير البالغة او الاعم منها ومن البالغة ؟ الظاهر ان معناها اعم، فلا تنحصر بالبنت غير البالغة والعرب يقولون لبنت التسع او العشر سنوات صبية من غير تجوّز وعلى هذا فمعناها اعم ، وبما ان معناها اعم نأتي نحن ونستدل بهذا الحديث وليس فيه تقييد بکون الغسل من وراء الثياب، فيکون دليلا على ان المحرم يجوز له ان ينظر الى الصبية من محارمه ويغسلها بعد موتها.

وهذا الحديث على عکس الحديث السابق، ففي صحيحة الحلبي المرأة تريد ان تغسل الرجل من محارمها ، وفي هذا الحديث الرجل يريد ان يغسل الصبية من محارمه.

(3) رواية عمار بن موسى:

الحديث (5) من نفس الباب ما عن عمار بن موسى ـ وهو نفس عمار السابق الا انه ذکر بشکل اخر ـ عن ابي عبد الله (ع) (انه سئل عن الرجل المسلم يموت في السفر وليس معه رجل مسلم ، ومعه رجال نصارى معه عمته وخالته مسلمتان) في باب الطهارة نحن نقول ان الحق هو طهارة اليهود والنصارى، منتهاه بالنسبة للمسلمين الذين يکونون في بلاد الاسلام نحن نقول لهم بان يحتاطوا.

فنحن لدينا ادلة مختلفة على طهارة اهل الکتاب واحدى هذه الادلة هي الروايات الواردة في باب الغسل، لانه إذا کان اهل الکتاب محکومين بالنجاسة فلا يمکن ان يغسل الميت بماء نجس.

سؤال: إذا کان لديکم دليل على الطهارة فلماذا تحتاطون؟

الجواب: نحتاط لاجل ان لاتختلط حياة المسلمين مع حياتهم.

(کيف يصنع في غسله ، قال: تغسله عمته وخالته في قميصه) فهل ان تغسيله من وراء القميص يوجب ان يکون تمام بدنه مستوراً؟ او انه في اثناء الغسل لا محالة سوف يظهر شيء من بدنه؟ فما يقال هنا من ان عمته او خالته تغسلانه من وراء القميص معناه انه بالتالي سوف يظهر بعض جسده والعمة والخالة يمکنهما رؤيته بعکس الاخرين، والا إذا لم يکن يبين شيء فما هو الفرق بين العمة والخالة وسائر النساء المسلمات؟.

( ولا تقربه النصارى) ، وهذا کان عن الرجل الميت الذي تريد محارمه ان تغسلنه ، (وعن المراة تموت في السفر وليس معها امراة مسلمة ومعهم نساء نصارى، وعمها وخالها معها مسلمون ، قال: يغسلونها ولا تقربنها النصرانية، کما کانت تغسلها، غير انه يکون عليها درع) يعني يجب ايضا عندما يغسل العم او الخال المراة المحرم ان يکون عليها درع، وهو القميص.

حسنا القميص يستر جسدها لکن يظهر الرأس والرقبة وبعض من رجليها ويديها، فنقول ان هذا يکون دليلا على جواز نظر المحرم الى بعض جسد محارمه.

فمن هذه الاحاديث الثلاثة التي قرأناها (3-5-11) الحديث ر قم (3) کان احسنها دلالة، حيث لم يکن فيه قميص ولا درع، وظاهره انه يجوز حتى تعريته (طبعا ما عدا العورة) فهذا الحديث هو افضل حديث يمکن ذکره دليلا للمشهور.

اما الروايتان الاخيرتان (5-11) اللتان ذکرناهما فيمکن الاستدلال بهما بمقدار ما، مثل الاية، فيمکن الاستدلال بها على جواز النظر الى بعض اليدين والرجلين لا اکثر.

وارجو ان تطالعوا ليوم غد ، حيث انه في هذه الروايات يوجد روايات متعددة تقيد ما سبق ، فتلک الروايات المقيدة ماذا نفعل بها في مقام التعارض مع هذه الروايات، هل نحملها على الاستحباب او التقييد ؟

وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين

 

12-صفات الزوجة

مصدر حديث

مر معنا في الدرس السابق حديث ذکره في تحرير الوسيلة هو (تخيّروا لنطفکم فإن الابناء تشبه الاخوال) وقد قلنا أننا لم نجد هذا الحديث في أي من المصادر الحديثية السنية أو الشيعية، إلا اننا بعد البحث وجدناه في هامش کتاب ملاذ الاخيار في شرح الاستبصار المجلد 12 الصفحة 328 الحديث 12، إلا انه من غير سند، وقد ورد بصيغة المفرد أي (تخيروا لنطفتکم).

تتمة البحث في المسألة الثانية

کان البحث في المسألة الثانية من مسائل تحرير الوسيلة، وقد ذکرنا في ذيلها انه ينبغي التنبيه على امور، ذکرنا الامر الاول منها واليوم نذکر بقية الامور. وأعيد التأکيد هنا بأن هذه المسائل وإن کانت مسائل سهلة من الناحية الفقهية إلا اننا نتعرض لها هنا بإعتبار أهميتها الاجتماعية في زماننا.

الامر الثاني: هو انه ينبغي للزوج عند تحقيقه وسؤاله عن المرأة التي يريد الزواج منها أن يلتفت الى أنه لا يمکن أن تجتمع جميع الصفات الحسنة إلا في الاوحدي من الناس، کالمعصومين ومن يشبه المعصومين، وإلا فإن افراد البشر العاديين لا تجتمع فيهم جميع الصفات الحسنة، وانتظار ان توجد مثل هذه المرأة الجامعة للصفات هو انتظار بلا فائدة. وطريقة الانتخاب هنا إنما تکون بأخذ المعدل من مجموع الصفات، بأن نلاحظ الصفات مع بعضها البعض فنحصل بالتالي على معدل يمکن قبوله والاکتفاء به.

وهذه النکتة لا تختص بانتخاب الزوجة إذ في إنتخاب الصديق أو الجار أو الشريک الامر کذلک، يعني لا يمکن تحصيل المثالي من جميع الجهات، بل ينبغي أن تلحظ الصفات الايجابية مع الصفات السلبية فإذا کان الناتج بعد الکسر والانکسار معدلاً قابلاً للقبول فعلى الانسان أن يقدم حينئذ.

ونحن نرى أن بعض الاشخاص قد ابتلوا بمثل هذا التصور في بداية الامر وبقوا يبحثون لمدة طويلة عن الشريک الجامع لصفات الکمال الى أن سلموا في نهاية الامر، بل في بعض الاوقات قد يرضى مثل هؤلاء الاشخاص في النهاية بشريک فاقد لکثير من صفات الکمال، وسبب ذلک هو أنهم يکونون قد تعبوا من البحث ويئسوا من تحصيل مرادهم فيقنعون حينئذ بأي شيء ممکن وقد يکون هذا الشيء معاکساً تماماً لما کانوا يبحثون عنه.

وفي باب "الصديق" هناک أحاديث تشير الى ما ذکرناه من لزوم ملاحظة مجموع الصفات والقناعة بها، وأرجو من الاخوة أن يطالعوا لعلهم يجدون في باب النکاح حديثاً يشير الى هذا المعنى أيضاً. واما الحديث الذي هو في باب الصديق فهو الحديث رقم 8582 من کتاب "غرر الحکم" عن أمير المؤمنين علي(ع): (من استقصى على صديقه انقطعت مودته) يعني من انتظر ان يکون صديقه جامعاً لکل صفات الکمال فإن انتظاره سوف يکون بلا فائدة ومودته سوف تنقطع واذا کان في طور البحث عن صديق فإنه سوف لن يحصل على صديق أصلاً. وفي بالي انه في کتاب المکاسب للشيخ الانصاري (ره) في باب من وجبت أخوّته يوجد حديث يقول أن من يدقق کثيراً في انتخاب الاصدقاء يبقى بلا أصدقاء. وفي باب النکاح الامر کذلک، فمن ينتظر أن يجد المرأة الجامعة لکل صفات الکمال يبقى بلا زواج.

سؤال: انه لا حاجة الى تلمس دليل في باب النکاح على هذا المعنى بعد ان حددت الروايات الصفات التي يمکن الاکتفاء بها مثل الايمان والعفة وامثال ذلک؟

الجواب: صحيح، لکني اريد البحث عن حديث يذکر هذه المسألة بصراحة، کالحديث الذي ذکرناه في باب الصديق. فأرجو أن تبحثوا عن حديث بهذا المضمون فإنه يفيد شبابنا الاعزاء کثيراً في هذه الايام ، إذ بعضهم صعب ومقدس جداً في هذه الناحية، يريد إمرأة جامعة لجميع صفات الکمال. ويراجعنا بعض الشباب حول هذه المسألة فيقول: إن المرأة التي أريد الزواج منها کل شيء فيها حسن إلا أن فيها الإشکال الفلاني. ونجيبهم بأنه لا بأس بذلک حيث يمکنکم بعد الزواج وتوطد العلاقة بينکم أن تعالجوا هذا الاشکال شيئاً فشيئاً. فقد تکون المرأة لا تشکو من شيء إلا أن أهلها مثلاً حجابهم الاسلامي فيه نقص، ويمکن حل هذه المشکلة فيما بعد بالامر بالمعروف والنهي عن المنکر.

والنتيجة هي أنه لا يمکن أن تکون المرأة وجميع أقاربها جامعين لکل صفات الکمال.

الامر الثالث: وهو حول مسألة المشاورة، فالمشاورة في الاسلام حسنة في کل شيء وفي أمر الزواج أحسن. ودليل هذه الاحسنية واضح، إذ الزواج غالباً ما يکون مرة واحدة في العمر، ولذا تکون معلومات الشباب الذين يريدون الزواج قليلة حول هذه المسألة لعدم تجربة سابقة لهم في هذا المجال، إذن فمن المستحسن جداً أن يشاوروا الاشخاص الذين جربوا في هذا المجال وعرفوا ورأوا الزيجات الموفقة وغير الموفقة وشرائطها وظروفها. والمشاورة سبب لتقليل الاشتباهات کثيراً، خصوصاً أن الزواج هو من الامور التي إن لم يحسن ترتيبها يکون ثمن الفشل فيها کبيراً، إذ کثيراً ما يکون قد نتج أولاد عن الزواج وحصول الطلاق حينئذ فيه مشاکل عظيمة، وکما يقول بعضهم: إن هذا الشخص قد أزال کل درجات السلّم وراءه فلا يمکنه أن يرجع.

فهذه الامور توجب المشاورة حتماً. وأنا أتصور أن احدى أدلة ووجوه اعتبار إذن الاب في زواج ابنته البکر هو هذه المسألة، أي أن ذلک هو نوع مشاورة قهرية، ولذا لم يکن الاذن شرطاً بالنسبة للثيب. وإذن الاب في زواج البنت الباکرة إما انه واجب أو أن الاحتياط فيه وجوبي، ونحن وکثير غيرنا نقول بأنه احتياط واجب. وعلى أي حال هو نوع مشاورة. ولعل الآية 32 من سورة النور أي قوله تعالى {وأنکحوا الايامى منکم} هي أيضاً فيها نوع اشارة الى المعنى الذي ذکرناه، إذ في مسالة الانکاح سيشارک طبعاً عدة اشخاص في تهيئة مقدمات زواج الشاب الفلاني أو الفتاة الفلانية، وهذا يعني تحقق شورى عملية.

فالآية أيضاً يمکن أن تدل بالدلالة الالتزامية ولو غير البيّنة على مسألة الشورى.

الامر الرابع: انه قد صرح في أحاديثنا بلزوم تخفيف مؤنة الزواج، إذ کثرة النفقات وارتفاع المهر دليل على عدم برکة الزواج، ففي الحديث (إن من برکة المرأة قلة مهرها، ومن شؤمها کثرة مهرها) ـ الوسائل الباب 5 من أبواب المهور الحديث 8 ـ واذا کثرت مخارج الانسان ومصاريفه فإنه سيصعب عليه أن يهيأها من طرق الحلال ومع حفظ ماء الوجه، إذ سوف يضطر الى أن يطرق هذا الباب وذاک ويسلک هذا الطريق وذاک لأجل تأمين مصاريف معيشته، وهذا لا ينسجم مع شخصية الانسان، بخلاف ما لو کانت المؤنة خفيفة.

إلا انه وللاسف فإن حب التفاخر لا يسمح للناس في إجراء مراسم زواج عادية، وهذا يسبب وقوع الشباب والفتيات في مشاکل عظيمة. وعندما يرى الانسان بعض المهور التي تذکر في بعض العقود يبدأ شيئاً فشيئاً يحمل أصحابها على السفاهة، فقد قدّم إلينا استفتاء مرة حول شاب کتب لزوجته مهراً مقداره خمسة آلاف سکة ذهبية أي ما يعادل 300 مليون تومان تقريباً، والزوجة تطالبه بدفعها، وليس في القانون حکم خاص حول هذه القضية، وفي مثل هذه الموارد التي لا يوجد فيها قانون خاص أجاز الدستور الرجوع الى المراجع واعتماد فتواهم مستنداً لحل القضية المتنازع فيها، وهذه التوسعة في الدستور جيدة إذ معها لا تواجه المحاکم أية مشکلة، ونحن قد أفتينا في هذه القضية بأن المهر يکون باطلاً وعليه دفع مهر المثل فقط کما لو أنه لم يذکر المهر من الاساس.

ولابد أنکم تسألون عن أنه بأي ميزان يبطل المهر هنا؟

والجواب هو أن نية هذا الرجل لا تخرج عن إحدى حالتين: فإما أن نيته جدية في جعل المهر خمسة آلاف سکة ذهبية، أي هو يعرف معنى هذا المقدار ومع ذلک يقدم عليه، فهذا انسان سفيه، وإما أن نيته غير جدية في ذلک ـ کما هو کذلک عادة ـ بأن يقول مثلاً (إن أحداً الى الآن لم يطالب بدفع مهر وأحد لم يدفع مهراً الى الآن فإن قالوا خسمة آلاف نکتب عشرة طالما أنه لا مشکلة علينا في ذلک) أي هو أساساً لا يوجد عنده قصد جدي في دفع هذا المقدار من المهر، فإن کان کذلک فهو کمن لم يذکر المهر أصلاً. وبطلان المهر لا يوجب بطلان العقد ويرجع حينئذ الى مهر المثل، بل أنه لو لم يذکر المهر أصلاً فالعقد لا يکون باطلاً إذ يرجع حينئذ الى مهر المثل، وکذلک لو کان المهر فاسداً أو محرماً أو غير جدي.

وکما ذکرت هناک حث في الاحاديث على تقليل المهور ومصاريف الزواج، وانقل لکم حديثين في هذا المجال:

الحديث الاول: باب 5 من أبواب المهور من الوسائل الحديث (11)، وهو حديث مفصّل عن الصادق(ع)، وقد ورد فيه قوله(ع): (فأما شؤم المرأة) والشؤم هو من المسائل الخرافية التي کانت ولا زالت موجودة بين الناس، والاسلام قد تعامل مع هذه المسائل بشکلين، فمرة حذفها وأبطلها، واخرى بدلها الى مفاهيم بناءة في الحياة، والشؤم هو من هذا القبيل، حيث ان الاسلام قد غيّر محتواه وأبقى على لفظه (فکثرة مهرها وعقوق زوجها).

الحديث الثاني: باب 5 من أبواب المهور من الوسائل الحديث (3)، عن الصادق(ع) انه قال: (من برکة المرأة خفة مؤنتها) والمؤنة تشمل مؤنة الزواج ومؤنة ما بعده من مصاريف الحياة، فالمرأة التي تتطلب وتصرف کثيراً هي امرأة غير مبارکة (وتيسير ولادتها، ومن شؤمها شدة مؤنتها وتعسير ولادتها).

وهناک أحاديث أخرى في هذا الباب أرجو أن تطالعوها وستجدون فيها نکات مهمة مفيدة لشبابنا الاعزاء.

الامر الخامس: إن من الامور التي تخرب أساس العائلة وقد تؤدي الى الطلاق أيضاً هي کثرة الطلب والتوقع. والانسان الذي يتصف بهذه الصفة لا يمکنه أن يعيش مع الآخرين، فلا يمکنه أن يصادق أحداً أو يتزوج من أحد أو يشارک أحداً.

ومن أهم ما أمرنا به في الاسلام هي مسألة المداراة والعفو والصفح، والفرق بين العفو والصفح هو أن الصفح أعلى درجة من العفو، فمرة يعفو الانسان عمن ظلمه أو اساء اليه مثلاً فيقول له عفوت عنک، أي رأيت إساءتک وغفرتها لک، وأخرى يدير الانسان صفحة وجهه کأنه لم ير الاساءة، وهذا هو الصفح، وهذه مرحلة أعلى من العفو، وفي الآية 109 من سورة البقرة يقول الله تعالى: {فاعفوا واصفحوا} أي هو سبحانه يأمر النبي(ص) بالعفو وبالصفح أيضاً وعدم الالتفات أصلاً الى حسد أهل الکتاب.

وهناک حادثة نقلها لي أحد الاشخاص عن عالم کبير من علماء مدينتنا (ره) کان يقول: إن شخصاً کان محتاجاً جداً کتب لي رسالة مملؤة بالاهانات والاساءة، فقرأتها وعرفت أن السکين ـ کما يقولون ـ وصلت الى عظمه، فهيأت له مبلغاً من المال وألقيت الرسالة وراء کتبي، ثم أتيت إليه في اليوم الثاني وقلت له: ماذا کنت قد کتبت في رسالتک، فأنا قد ألقيتها؟ ـ فظن من کلامي أني قد أضعتها ـ ثم قلت له إني هيّأت لک مبلغاً من المال، فأعطيته أياه وحل به مشکلته.

فالرجل لم يفهم أصلاً أن ذاک العالم قد عرف بإساءته إليه. وهذا صفح وهو مقام عال جداً أعلى من العفو.

إذن ينبغي للزوج والزوجة وکذا الاصدقاء والعائلات أن يعتمدوا العفو والصفح في تعاملهم وأن يکونوا قليلي التوقع لکي يستطيعوا أن يعيشوا، وإلا فإن الحياة تکون شاقة وکثيرة المشاکل عليهم.

وهناک حديث معروف مفيد جداً في هذا المجال عن الامام السجاد(ع) في کلام له مع ولده الامام الباقر(ع) بحسب الظاهر حيث يقول(ع): (اعلم يا بني أن صلاح الدنيا بحذافيرها في کلمتين، إصلاح شأن المعاش ملء مکيال ثلثاه فطنة وثلثه تغافل) فإذا أراد الانسان أن تصلح حياته فعليه أن يعتمد هذه الوصية، أي أن يسير بين الناس متسلحاً بالذکاء والفطنة من ناحية والمداراة والتغافل والعفو من ناحية أخرى، وإلا فإنه لن يمکنه العيش مع الآخرين، إذ أي من الناس مبرء من العيوب والمشاکل؟

وينبغي تعريف الشباب بهذه الوصية لکي يعملوا بها ولا يواجهوا المشاکل من أول أيام زواجهم.

وهذا الحديث موجود في: بحار الانوار ج42 ص289 ـ مناقب آل أبي طالب ج3 ص334 ـ کفاية الاثر للخزاز القمي ص340.

الامر السادس: والاخير وهو حول مسألة السعي في تزويج الايامى وتأمين مقدمات زواج العزاب، هذه المسألة التي هي من المستحبات بل قد تکون في بعض الاحيان من الواجبات، أما انها قد تکون من الواجبات فبإعتبار مسألة الامر بالمعروف والنهي عن المنکر، إذ قد لا يتحقق الامر بالمعروف والنهي عن المنکر إلا من خلال هذا الطريق، فالامر بالمعروف والنهي عن المنکر من الواجبات واذا توقف فعلهما على هذا الطريق فإنه أيضاً يکون واجباً، فإن کان منحصراً فالوجوب يکون تعيينياً وإلا تخييرياً بحسب الظاهر. وهذا تماماً مثل الوجوب الذي يقال فيما لو خاف الشاب على نفسه الوقوع في الحرام إن لم يتزوج، فالآخرين أيضاً ان شعروا بأن الشباب سوف يقعون في الحرام إن لم يتزوجوا فإنه يجب عليهم حينئذ السعي في تزويجهم، من باب وجوب مقدمة الواجب، من غير فرق بين المقامين أصلاً، فإن ذاک يجب لأجل النجاة من العمل المنافي للعفة وهذا لأجل الامر بالمعروف والنهي عن المنکر، فکلاهما واجب من باب مقدميته للواجب.

يقول الله تعالى في الآية 32 من سورة النور (وأنکحوا الايامى منکم). والأيامى في اللغة جمع أيّم، ويقال للمذکر والمؤنث، ومعناه: من کان من دون زوج. وقد صرح أرباب اللغة وبعض المفسرين بأنه يقال لمن لم يتزوج بعد أو تزوج فماتت زوجته أو طلقها، من غير فرق بين الرجل والمرأة. ومادته الاصلية هي (آم يأيم أيمة) والوصف منه (أيّم) وقد ورد جمعه في الآية الکريمة، وهو ليس مفعولاً مطلقاً بل وصف والامر ظاهره الوجوب، إلا انه حمل على الاستحباب للإجماع.

هذا من القرآن، وأما من الروايات فهناک عدة روايات يمکن الاستشهاد بها في هذه المسألة منها:

الرواية الاولى: قال أمير المؤمنين(ع): (افضل الشفاعات أن تشفع بين اثنين في نکاح حتى يجمع الله بينهما) الحديث الثاني من الباب 12 من أبواب مقدمات النکاح.

الرواية الثانية: عن الامام الکاظم(ع) انه قال: (إن لله ظلاً يوم القيامة لا يستظل تحته إلا نبي، أو وصي نبي، أو عبد اعتق عبداً مؤمناً، أو عبد قضى مغرم مؤمن، أو عبد کف أيمة مؤمن) المصدر السابق الحديث السادس.

وأشير هنا الى مطلب أرجو أن تتأملوا فيه وهو:

إن هذه المسائل کانت تتم في الماضي بشفاعة بعض الاشخاص وبصورة فردية، لکني أتصور أنه في نظام الجمهورية الاسلامية لابد من إنشاء مؤسسة خاصة أو حتى وزارة خاصة تهتم بمسألة تزويج الشباب، فتشرف بصورة منظّمة على هذه المسألة، وتؤمن التسهيلات المختلفة في هذا المجال، فيستأصل بذلک الکثير من جذور المفاسد الاجتماعية.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

 

11-صفات الزوجة

کان الکلام في ابحاث مقدمات النکاح حول المسألة الاولى، وقد انتهينا منها بحمد الله، واليوم نبحث في المسألة الثانية رغم أنها مسألة سهلة وذلک لشدة أهميتها من الناحية الاجتماعية، فنبحثها لأجل أن يتسلط عليها السادة ويبلّغوها لشبابنا الاعزاء. فنحن اليوم نبحث اذاً في المسألة الثانية ثم بعد ذلک ننتقل الى المسألة (17)، أي اننا نتجاوز (14) مسألة من المسائل السهلة التي تتحدث عن المستحبات، أرجو أن يطالعها الاخوة ويباحثوها. والمسألة (17) مسألة مهمة تتحدث عن حکم النظر الى المحارم.

البحث في المسألة الثانية

والمسألة الثانية کما قلنا هي بمثابة الصغرى للکبرى المذکورة في المسألة الاولى، حيث انه في المسألة الاولى ذکر الامام (قده) انه ينبغي إنتخاب الزوجة الصالحة والزوج الصالح، وفي هذه المسألة يريد أن يبين(قده) معيار وميزان الصلاح فيقول:

(ينبغي أن لا يکون النظر في اختيار المرأة مقصوراً على الجمال والمال، فعن النبي(ص): "من تزوّج امرأة لا يتزوجها إلا لجمالها لم ير فيها ما يحب) يعني من يتزوج إمرأة لأجل جمالها فقط من دون أن يلاحظ فيها الصفات الاخرى من العقل والعفة وغير ذلک من الصفات الانسانية فإنه لن يرى فيها ما يحب، وهذه جملة مختصرة مغلقة، معناها انه حتى ما أراده منها من الجمال فإنه لن يحصل عليه، وذلک لنکتة وتحليل يأتي بيانه خلال البحث (ومن تزوجها لمالها لا يتزوجها إلا له وکلّه الله إليه، فعليکم بذات الدين) والضمير في "وکّله" يعود الى الزوج، وفي "اليه" يعود الى نفس الزوج، کما نقول في الدعاء (إلهي لا تکلنا الى أنفسنا طرفة عين أبداً في الدنيا والآخرة)، والمعنى هو أن الله حينئذ ولا يحميه ويترکه لوحده يصارع المشکلات، وعندما يترک الله الانسان ويکله الى نفسه فإنه سوف لن يوفق في أي خطوة يخطوها، ويتسلط عليه الشيطان وهوى النفس وغير ذلک من المشاکل.

وهذا الحديث موجود في الوسائل الباب (14) من أبواب مقدمات النکاح الحديث (4). ثم يقول الامام(قده): (بل يختار من کانت واجدة لصفات شريفة صالحة قد وردت في مدحها الاخبار فاقدة لصفات ذميمة قد نطقت بذمها الآثار، وأجمع خبر في هذا الباب ما عن النبي(ص) أنه قال) في الحديث رقم (2) من الباب (6) من أبواب مقدمات النکاح من الوسائل (خير نسائکم الولود) وها هنا يأتي سؤال الى الذهن مفاده: انه من أين نعلم أن هذه المرأة ولود أو عقيمة، إذ لو کانت قد تزوجت سابقاً ولم تلد ثم طلقت فإننا سوف نعلم بأنها عاقر، وأما البنت الباکرة فمن أين نعلم بأنها عقيمة؟

إن للعقم جوانب وراثية، فإذا رأينا أن أخوات أو قريبات هذه البنت عاقرات لا يلدن نعرف حينئذ أن حالة العقم حالة وراثية في هذه العائلة. وهناک رواية تنهى عن الزواج من المرأة العاقر، ويمکن ها هنا أن يطرح سؤال آخر مفاده: أنه ماذا تفعل هذه النسوة العقيمات اذاً؟ هل تبقين بلا زواج؟

نقول: إن البحث إنما هو في الاولويات، فنحن لا نقول أنه من الواجب حتماً أن تکون الزوجة ولوداً، بل الزوجة الولود هي من الاولويات، وإلا فإن العقيمات إذا کان لهن بعض الصفات الخاصة المميزة أو کان الزوج لا يرغب في الانجاب أو کان عنده أولاد من امرأة اخرى فنحن حينئذ لا نمنع الزواج منهن.

(الودود) حيث ان المرأة الفاقدة للعواطف والاحساسات لا يمکنها أن تجعل محيط البيت حميماً (العفيفة) وهذه هي الصفة الثالثة، وهي إشارة الى الجانب الديني في المرأة (العزيزة في أهلها) أي أن تکون صاحبة شخصية ومحترمة لدى أهلها، لأن المرأة المقهورة عند أهلها الضعيفة المهانة عندهم الفاقدة للشخصية لا يمکن أن تکون زوجة لائقة، وهذه هي الصفة الرابعة، واما الصفة الخامسة فهي (الذليلة مع بعلها) والذليل في اللغة العربية بمعنى المتواضع، وقد ورد في بعض أدعية السجود (سجدت لک يا رب تضرّعاً ورقاً، لا مستنکراً ولا مستکبراً بل أنا عبد ذليل)، وأيضاً تقال هذه الصفة لغير الانسان فيقال: حيوان ذلول، أي مسلّم لصاحبه غير جموح. اذاً ينبغي أن تکون المرأة مسلمة لزوجها متواضعة له (المتبرجة مع زوجها) أي التي تحب أن تظهر زينتها امام زوجها (الحصان على غيره) أي الساترة لنفسها أمام غير الزوج، فکأنها قد وضعت نفسها في حصن أو قلعة مقابل الاجانب. وللأسف الکثير من النساء لا يعملن بهاتين الصفتين لا عن قصد سيئ في الغالب بل نتيجة تربية خاطئة، حيث يتزيّنّ بشتى أنواع الزينة إذا ما أردن الحضور في مجالس الاعراس أو المجالس الخاصة بالنساء وما شابهها بينما امام أزواجهن لا يفعلن شيئاً من ذلک، وهذه الصفة مذمومة بکلا طرفيها. (التي تسمع قوله وتطيع أمره) وهذه هي الصفة الثامنة.

وکما تلاحظون فإن تمام هذه الصفات لها قيمة معنوية، يعني أنها تخرج الزواج عن حالة الهوى وتجعله هدفاً.

سؤال: انه لم يذکر النکاح في أيٍ من فقرات هذا الحديث، فکيف نستفيد أن هذه من الصفات التي ينبغي أن تکون في الزوجة؟

الجواب: يمکن أن نستفيد ذلک بدلالة إلتزامية بيّنة، حيث انه عندما نقول أن النساء اللائي يتصفن بهذه الصفات الثمانية هنّ نساء صالحات وذوات شأن معنى ذلک انک حينما تريد أن تتزوج عليک أن تختار امرأة جامعة لهذه الصفات.

سؤال: کيف يمکن أن تعرف هذه الصفات قبل الزواج؟

الجواب: يمکن معرفة ذلک بواسطة بعض التحقيقات والاسئلة حول شخصية المرأة وعاداتها وعادات أمها وأخواتها، فيعرف بذلک أخلاق هذه المرأة وصفاتها الناتجة عن الوراثة أو العادة.

ثم يذکر الامام(قده) حديثاً آخر يبيّن صفات مقابلة للصفات الثمانية السابقة تطالعونه إن شاء الله، وهو الحديث الاول من الباب السابع من أبواب مقدمات النکاح من الوسائل.

وأما آخر حديث ينقله الامام(قده) في هذه المسألة فهو حديث مهم ومعروف، وهو الحديث رقم 7 من الباب 7 من أبواب مقدمة النکاح (وفي خبر آخر عنه صلى الله عليه وآله: إياکم وخضراء الدمن) يعني اجتنبوا النباتات الجميلة التي نبتت على المزابل، والدمن جمع دَمن، والدَمْن هو الزبالة (قيل يا رسول الله: وما خضراء الدمن، قال: الحسناء في منبت السوء) وهي المرأة الجميلة التي نشأت في عائلة منحرفة وملوّثة. فالوردة التي تنبت على المزابل يکون ظاهرها جميل إلا ان جذورها تکون متعفّنة.

ويراد بهذا الحديث الاشارة الى الاشخاص الذين يجعلون معيار الزواج من المرأة هو جمالها فقط دون أي شروط أخرى.

وخلاصة هذه المسالة هي أنه يمکن تقسيم الزواج الى ثلاثة أقسام: زواج لأجل الجمال، زواج لأجل المال، زواج لأجل الکمال، وأفضل شئ هو أن تجتمع هذه الثلاثة وإلا فالاولوية هي للثالث.

تحليل حول أنواع الزواج

ولنا في المقام تحليل حول النکاح حيث قسمناه الى أقسام سبعة:

القسم الاول: النکاح الشهوي، وهو النکاح الذي يکون لأجل الهوى لا غير. وجمال المرأة قد ورد التأکيد عليه في بعض الروايات کقيمة من قيم المرأة، لکن حينما تلاحظ هذه الصفة لوحدها من دون أية صفات أخرى فإنها تکون مذمومة حينئذ.

وهذا النوع من النکاح قد يصل الى درجات خطرة لأنه لم يلاحظ فيه إلا صفة الجمال، فالمرأة التي تکون غير ملتزمة يمکن أن يکون الزواج منها سبباً لکثير من المفاسد، فقد يفتح الزوج يوماً عينه ويرى أن زوجته لا تتعلق به فقط… وقد مرّ في الرواية الاولى (لم ير فيها ما يحب) أي انه لن يصل الى ما يريده منها، حيث تکون حياته حياة صعبة مدمرة مملؤة بالمفاسد. وفي کثير من الاحيان ينتهي امر هذا النوع من النکاح الى الطلاق، لماذا؟

لأنه لم يلاحظ فيه الشيء الذي يضمن بقاء الزواج، وهو مسألة الايمان والتديّن والاخلاق، بل لوحظ الجمال فقط.

وايضاً لابد من الالتفات الى أن الجمال هو من الامور الزائلة، وسريعاً ما تنتهي فترة الشباب، فبعد أن تلد المرأة طفلاً أو طفلين غالباً ما يقلّ صفاؤها وجمالها وطراوتها، وفي بعض الاحيان قد يزول ذاک الجمال نتيجة مرض معين.

إذن الجمال ليس شيئاً دائمياً حتى يبني الانسان عليه حساباته في شريک الحياة التي قد تمتد لأکثر من خمسين سنة، بل الجمال شئ سريع الزوال.

القسم الثاني: النکاح التجاري، حيث يريد الرجل من هذا الزواج أن يصبح صاحب مال ومقام، ففي کثير من الاوقات لا تکون المرأة حائزة لأية صفة جمال أو کمال إلا انها إما تملک مقداراً من المال وإما أن أباها من الاثرياء، ويبقى العريس بعد الزواج ينتظر موت الاب لکي ترث ابنته أمواله فينتفع هو بها. وهذا ما يقال له الزواج التجاري. ولمثل هذا الزواج اضرار کثيرة أيضاً، وهو يکشف عن مدى إنعدام الهمّة لدى هذا الرجل بحيث أنه يريد أن يعيش في ظل أموال زوجته، فهو اذاً فاقد للهمّة الرجولية، إذ هذه الهمة تعني ان يستطيع هو بيده أنه يحصل المال ويکسبه لا أن يعيش على أموال زوجته.

وأما أموال خديجة عليها السلام فإن حسابها على حدة وليست داخلة ضمن هذا القسم حتماً.

هذا إلا إذا کان هناک أولويات أخرى الى جانب المال فيختلف الحال حينئذ اما إذا علّق عينيه على أموال زوجته فقط فإنه سوف يکون ضعيفاً وذليلاً وبلا قيمة وسينکسر ويفقد غيرته الرجولية لأن ما فعله هو زواج تجاري.

ومثل هذا الرجل الذي بدون أي تعب أو سعي حصل على أموال من زوجته فإنه سوف يفقد هذه الاموال بسرعة، لأن الاموال التي تأتي بسهولة ومن دون تعب تذهب أيضاً بسهولة (أتت بها الرياح وتأخذها الرياح).

القسم الثالث: النکاح المقامي، بأن يکون والد العروس أميناً للسلطان أو رجلاً من رجالات الدولة مثلاً، وما يريده العريس من هذا الزواج هو أن يصل ببرکات والد العروس الى مقام من المقامات. وکثير من هذه الزيجات تنتهي الى الطلاق فيما لو کان نظر الزوج فقط هو ذلک.

ثم إن اکتساب المقام بواسطة مقام أب الزوجة يجعل الزوج ذليلاً أمام زوجته لأنه سوف يتحملها ويصبر على کل ما يراه منها.

القسم الرابع: النکاح السياسي، أي الذي له جنبة سياسية، وهذا بعض مصاديقه ايجابية وبعضها سلبية، فالزواج السياسي الايجابي هو مثل زيجات النبي(ص) المتعددة، حيث يقال أن عدة منها کانت لها جنبة سياسية إذ أراد النبي منها أن يصاهر بعض العائلات العربية المعروفة ليکونوا حماة له.

وهذه من الامور الثابتة على مر التاريخ، حيث نرى أن الذين کانوا يقفون في مقابل بعض الشخصيات الايمانية يتبدلون مباشرة إذا ما صاهرتهم تلک الشخصيات، فتتبدل العداوة الى محبة.

وهذه المسألة موجودة في أيامنا أيضاً وخصوصاً بين القبائل والعشائر، فقد يکون هناک نزاع بين قبيلتين وتراق على أثره الدماء، وبعد مدة عندما يأتون للصلح ويدفعون ديّات القتلى نراهم يتصاهرون فيما بينهم ليغسلوا بذلک آثار الدماء فتتحسن العلاقات حينئذ بين القبيلتين، وإذا لم تحصل هذه المصاهرات فإن إراقة الدماء سوف تعود بينهما من جديد.

وهذا النوع من الزواج حسن لا بأس به، نعم لابد من ملاحظة أن لا تقع البنت ضحية لذلک، أي أن يکون هذا الزواج من مصلحتها أيضاً.

القسم الخامس: النکاح القومي والتعصبي، ففي بعض الاحيان يقال: هذه البنت لابد أن تتزوج من ابن خالتها أو من ابن عمها، مع أنه ربما يکون کلاهما لا يرغب في هذا الزواج، إلا انه مع إصرار العائلة أو القبيلة يحصل هذا الزواج.

وفي کثير من الاوقات يؤدي هذا النوع من الزواج الى حوادث سيئة، فقد تنتحر الفتيات أو الفتيان أو يفرّون من العائلة، الى غير ذلک من مشاکل تحدث نتيجة ذلک لابد من ملاحظتها.

القسم السادس والقسم السابع: النکاح الانساني والنکاح الالهي. والزواج الانساني هو أن لا يکون الزوجان يهتمان کثيراً بالمسائل الدينية المذهبية، لکنهما في مقابل ذلک يراعيان کثيراً من الصفات والقيم الاخلاقية والمسائل الانسانية، فيشکّلان عائلة عفيفة شريفة. وهذا في حد نفسه حسن.

وهناک الزواج الالهي وهو الذي تراعى فيه الجهات الدينية، والجهات الدينية فيها الجهات الانسانية وجهات اخرى معنوية وتقوائية وإيمانية. ونحن في المجلد الاول من کتابنا (الاخلاق في القرآن) ذکرنا انه من الممکن جداً أن توجد الصفات الاخلاقية والانسانية لدى البعض لکن ليس لها ضمانة للبقاء والدوام إلا إذا اعتمدت على اسس اعتقادية دينية إيمانية، حيث تکون حينئذ عميقة متأصلة. فالصفات التي تعتمد على جهات انسانية ظاهرية لا على جهات اعتقادية مذهبية يکون عمرها قصيراً وتتزلزل بسهولة، بخلاف التي تعتمد على جهات دينية إعتقادية، لأنه في بعض الاوقات قد يبذل الانسان نفسه ولا يفرط في هذه المسائل.

حسناً، هذه مسائل لابد من الالتفات اليها ومراعاتها.

التنبيهات

وينبغي هنا التنبيه على امور مهمة هي:

الامر الاول: إن هذه المسائل کما انه يلزم مراعاتها من طرف الزوج يلزم مراعاتها ايضاً من طرف الزوجة، فعلى الاهل أن يلاحظوا هذه الصفات والمسائل في طرف العريس ايضاً إذا ما ارادوا أن يزوجوا ابنتهم. وإتفاقاً قد اشير الى هذا المعنى في الاحاديث ايضاً، واذکر لکم في هذا المجال بابين من ابواب مقدمات النکاح أرجو أن تطالعوهما، الباب الاول هو الباب 28 الاحاديث (1، 2، 3، 6)، ولهذه الاحاديث الاربعة مضمون واحد أرجو أن تدققوا فيه.

وهذه الاحاديث ثلاثة منها مروية عن الرسول(ص) وواحد منها عن الامام الصادق(ع) وقد ورد فيها (إذا جاءکم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه) حتى لو لم يکن عنده مال أو منزل أو سيارة، وبعض العائلات فضلاً عن أنها تسأل عن السيارة تسأل أيضاً عن موديلها ونوعها، بينما الحديث يقول انه إذا کان شاباً خلوقاً متديناً فهو شاب جيد ولابد أنه ذو همة فيمکنه أن يسعى ويؤمّن کل شيء (إلا تفعلوا تکن فتنة في الارض وفساد کبير) يعني إن لم تزوجوه وبقيتم تنتظرون السيارة والبيت والمال وامثال هذه الامور فإنکم بذلک تسببون الفساد في الارض وتحدثون فتنة، أي تکونون مفسدين في الارض. فينبغي إذن إيصال هذه التعليمات الاسلامية للناس.

والباب الآخر هو الباب 29 والباب 30 من أبواب مقدمات النکاح، وفيهما روايات متعددة تنهى عن تزويج شارب الخمر وسيئ الخلق ففي الحديث (من زوّج کريمته من شارب الخمر فقد قطع رحمها) أو کقوله(ع): (… لا تزوّجه إن کان سيئ الخلق).

إذن ملاحظة هذه المسائل لا يکون من طرف الزوج فقط بل هو أيضاً من طرف الزوجة، فينبغي أن لا تزوّج البنت من رجل لأجل ماله أو مقامه أو جماله.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

 

10-أهداف النکاح

تتمة البحث في المسألة الأولى من مسائل تحرير الوسيلة:

کان الکلام في باب النکاح حول مسألتين من مسائل تحرير الوسيلة، هما المسألة الأولى والمسألة الثانية، والمسألة الأولى تبين في الواقع أهداف وأغراض النکاح، والمسألة الثانية تبين صفات الزوجة المنتخبة، ويمکن أن يقال بأن إحداهما بمثابة الکبرى وهي المسألة الأولى التي تتحدث عن لزوم إنتخاب الزوجة الصالحة والزوج الصالح لأجل النکات التي في الأحاديث الخمسة المذکورة في تلک المسألة، والأخرى بمثابة الصغرى وهي المسألة الثانية، حيث تبين فيها صفات الصلاح في کلٍ من الزوج والزوجة واحدةً واحدة.

تحليل حول المسألة الأولى:

وأکرّر ما قلته لکم من أن هذه المسألة سهلة من الناحية العلمية إلاّ أنها لما کانت من المسائل المهمة من الناحية الإجتماعية في زماننا فلابدّ لنا من الوقوف عندها أکثر لعلنا بذلک نستطيع أن نوجّه مجتمعنا باتجاه هذه البرامج الإسلامية إن شاء الله.

والنکتة التي ينبغي ملاحظتها في المسألة الأولى هي أن نرى أولاً الهدف من النکاح ثم بعد ذلک ننتخب ونحدد الصفات، حيث أن الصفات تتبع الأهداف والأغراض. فلو أن الإنسان أراد القيام بعملٍ معين يحتاج فيه إلى استئجار بعض العمال فإن عليه أولاً أن يضع البرنامج لعلمه ثم بعد ذلک ينتخب العمال الحائزين على الصفات التي تتوافق وإنجاز هذا العمل طبق البرنامج المحدد.

وقد مر معنا في الروايات التي قرأناها أن الهدف من النکاح هو بقاء النسل الصالح، ولأجل ذلک يلزم إنتخاب الأفراد الصالحين من الناحية الوراثية لتحقيق هذا الهدف، ولاشک في أن الأب والأم الصالحين يلدان أولاداً صالحين غالباً.

والعامل الوراثي کما أنه يؤثر في سلامة ومرض الجسد کذلک يؤثر في سلامة ومرض الروح. وهناک الکثير من الأمراض التي يصاب بها الإنسان يقول عنها الأطباء أنها من الأمراض الوراثية، مثل مرض السل والسکري أو الروماتيزم، وغير ذلک من الأمراض التي يقولون ان الوراثة هي إحدى الأسباب فيها. وأيضاً العامل الوراثي يدخل في کثير من الأمراض الأخلاقية مثل الخيانة والسرقة وغير ذلک من الإنحرافات.

إن قلت: انه يلزم من قولکم بتأثير العامل الوراثي في الأمور المذکورة الإعتراف بمذهب الجبر، إذ الولد الذي يکون سارقاً أو قاتلاً أو خائناً نتيجة عامل وراثي لأن أباه وأمه کانا غير صالحين إنما يکون کذلک بغير إختياره، وهذا هو مذهب الجبر.

وهذا البحث وإن کان محله علم الکلام إلاّ أننا نشير إليه هنا لأجل الفائدة فنقول:

الجواب: هو ما ذکرناه في مباحث علم الکلام من أن عامل الوراثة هو کعامل التربية والمحيط من قبيل المقتضي لا العلة التامّة، يعني ان أقصى ما يسببه هو الاستعداد في الولد لمثل هذه المسائل، ونمثّل لذلک بالمرض الجسماني، فالولد الذي يتولد من أبوين مصابين بالسل يکون مستعداً من الناحية الجسدية للإصابة بهذا المرض وربما کان حاملاً فعلاً للميکروب إلاّ أن ذلک ليس علة تامة لأن يصاب بمرض السل ويموت بسببه، إذ يمکن لهذا الولد إذا ما عولج عند طبيب مختص وتحلّى بالإرادة والتصميم أن يزول هذا الميکروب من بدنه ويعود بدنه صحيحاً معافى لا استعداد فيه لهذا المرض، أي يواجه المقتضي مانعاً يمنعه عن التأثير.

وفي الأمراض الأخلاقية الأمر کذلک، حيث أنه لا شک في أن للأب والأم دور في حصول الاستعداد لدى الطفل لأن يکون جانياً أو سارقاً مثلاً إلاّ ان ذلک ليس بنحو العلة التامة. ونحن نقول نفس هذا الکلام في باب ابن الحرام وابن الحلال، حيث نقول ان ابن الحرام يکون فيه استعداد للإنحراف إلاّ أنّ ذلک بنحو المقتضي لا العلة التامة، وکم من أولاد الحرام کانوا من العباد الصالحين.

إذن العامل الأساسي هو إرادة الإنسان واختياره، فيمکن أن يکون ابن "الشمر" صالحاً، وصحيح أن ظروفه سيئة وفيه استعداد للسوء إلاّ أن ذلک ليس بنحو العلة التامة بل بنحو العلة الناقصة، والعلة الناقصة يمکن إزالتها.

وقد ضربنا لذلک مثلاً في بعض الأوقات ـ وللمثال دور مؤثر جداً في تبيين المسائل خصوصاً لعامة الناس ـ هو: افرضوا أن هناک شخصين، أحدهما حائط بيته ملاصق لحائط المسجد والآخر بيته يبعد فرسخاً عن المسجد، ويمکن لکلٍ من هذين الشخصين أن يشارک في برامج المسجد وصلاة الجماعة والجمعة، إلاّ أن جار المسجد ظروفه مساعدة أکثر من صاحبه للمشارکة في هذه البرامج باعتبار قربه من المسجد، بينما صاحبه باعتبار بُعد المکان يحتاج إلى همّة أقوى للمشارکة.

وهنا نرى أنه لا الأول مجبور على المجيء إلى المسجد ولا الثاني مجبور على عدم المجيء، بل کل منهما مختار في أن يأتي أو لا يأتي. وهذا ما يقال له الاستعدادات والظروف والمقتضيات. ويقيناً اجرُ کلٍ منهما يختلف عن أجر الآخر، فذاک الذي هو أبعد يشمله (أفضل الأعمال أحمزها) بخلاف الأقرب.

فمن ليس عنده الإستعداد والمقتضيات الروحية والجسمانية للتربية الصالحة ومع ذلک يسلک طريق الصلاح فالله يعطيه على ذلک الأجر الجزيل، بينما الشخص الذي تولّد في عائلة مسلمة متدينة صالحة وکان صالحاً أجره يکون أقل بطبيعة الحال.

تأثير المحيط في شخصية الإنسان:

وهذا نظير ما يقال حول تأثير المحيط في وجود الإنسان، فالإنسان الذي يعيش في محيط سيئ وملوّث يتلوّن بلون هذا المحيط، إلا أن ذلک يبقى على مستوى المقتضي لا العلة التامة. والمحيط لا يکون في أي موردٍ علة تامة، کما الوراثة والتربية، هذه الأمور الثلاثة ـ التربية، المحيط، الوراثة ـ التي تشکل الإنسان وتسمى بمثلث الشخصية. وهذا المثلث دائماً يکون بحدّ المقتضي، والدور النهائي إنما هو لإرادة الإنسان التوأم مع الإختيار.

وبهذا البيان يمکن الإجابة على الکثير من الأسئلة وحل إشکالات الجبر والإختيار. وفي ما نحن فيه هذا الشخص لأجل بقاء النسل الصالح يلتمس الزوجة الصالحة، أي المرأة التي يکون استعداد الصلاح ومقتضياته فيها أکثر.

سؤال: إن ولد الزنا العلة فيه تکون تامّة باعتبار حرمانه من بعض المقامات والمناصب المعنوية؟

الجواب: ان الحرمان من المقامات المعنوية لا ارتباط له بالحرمان من النجاة يوم القيامة، فالأعمى مثلاً محروم من تولي بعض المناصب، والإنسان إذا کان فاقداً لبعض الصفات فإنه لا يمکنه أن يکون قاضياً مثلاً، فالمقامات الإجتماعية والصفات التي في القرآن لا ارتباط لها بمسائل السعادة والشقاء، وبحثنا إنما هو في مسائل السعادة والشقاء لا في المناصب الإجتماعية.

فالإنسان الذي ينسى کثيراً لا يمکنه أن يکون قاضياً حتى لو لم يرتکب آي ذنب باعتبار أن الحافظة الجيدة شرط من شروط القاضي.

حسناً، هذا کله کان في المرحلة الأولى والهدف الأول من أهداف النکاح آي بقاء النسل.

سؤال: العلل الناقصة عندما تضاف إلى بعضها تصبح علة تامة؟

الجواب: ان هذا السؤال قد اتضح جوابه في طيّ البحث السابق، وهو أن الجزء الأخير للعلة التامة هو إرادة واختيار الإنسان، ولا يمکن أن يکون الفعل إختيارياً إلا بهذا النحو، فالإنسان الذي يفقد أعصابه فتصدر منه أفعال معينة نتيجة ذلک هذه الأفعال تکون غير اخيتارية، إذاً الجزء الأخير للعلة التامة للأفعال الاختيارية هو الإرادة المقارنة للإختيار.

والآن ننتقل إلى المرحلة الثانية وهي تحت عنوان إنتخاب شريک الحياة الزوجية وهو ما وردت الإشارة إليه في روايات البحث السابق، حيث أُمرَ بالنظر إلى صفات هذا الشريک وهذا المستودع للأسرار وملاحظتها في عملية الإنتخاب. فشريک الحياة مثل شريک أي عمل ينبغي أن يکون أميناً نزيهاً تقيّاً وفيّاً صافي القلب محبّاً. فالهدف هنا والذي هو إنتخاب شريک الحياة يحرک الإنسان نحو صفاتٍ هي شرط في الشريک، وهي ما ذکرناه. وأمّا في المرحلة الثالثة فهناک أحاديث مرّت معنا سابقاً تقول: (إنّ المرأة قلادة فانظر ما تتقلد)، وللقرآن الکريم أيضاً تعبيرٌ جميل جداً في هذا المجال حيث يقول: (هُنّ لباسٌ لکم وأنتم لباسٌ لهنّ) وفي اللباس فوائد عديدة للإنسان منها: أنه زينة للإنسان، حيث أن الانسان بواسطة لباسه يحصل على الزينة والأبهة والمکانة الاجتماعية، ومنها: أنه يقي الإنسان من الحر والبرد والآفات المختلفة، فلو أن الإنسان ارتدى لباساً قصيراً وخرج من المنزل فإنه حينما يعود سيلاحظ أنه قد اصيب الجزء المکشوف من بدنه بجراحات أو أوساخ وما شاکل. فبدن الإنسان ضعيف أمام الأخطار، واللباس يقوم بمهمة المحافظة عليه أمام الکثير من هذه الأخطار.

والآية تقول: (هنّ لباسٌ لکم وأنتم لباسٌ لهنّ) يعني أنتم زينة لنسائکم وهنّ زينة لکم، أنت حماة لنسائکم وهنّ حماة لکم، وانتم تدفعون الأذى عن نسائکم وهن يدفعن الأذى عنکم، فالآية الشريفة فيها الکثير من المعاني. حسناً، فإذا أراد الإنسان ان ينتخب شخصاً ليکون زينةً ومحامياً ومدافعاً عنه فأي صفات ينبغي له أن يلاحظ في هذا المجال؟

الخلاصة:

وخلاصة البحث هي: أن الهدف من النکاح في المرحلة الأولى هو بقاء النسل، وفي المرحلة الثانية هو إنتخاب شريک الحياة، وفي المرحلة الثالثة الهدف هو إنتخاب المدافع والزينة والمحامي.

ومن العجيب أن بعض الناس نراهم يدققّون في شراء قميص يلبسونه ستة أشهر أو سنة على الأکثر بينما في إنتخاب الزوجة التي هي غالباً لباسٌ دائم للإنسان يلبسه مرّة واحدة في أول عمره ولا يخلعه إلاّ في آخره نرى أنه لا يدقّق ذاک التدقيق الذي دققه عند شراء القميص، حيث أنه إذا أراد أن يشتري قميصاً فإنه يسأل من هذا وذاک ويدور على عدّة محلاّت ولا يتسرع في الإنتخاب لوحده، أمّا إذا أراد أن يتزوج فإنه يلاحظ المسائل الظاهرية فقط وينسى الجوانب المهمة.

ولي في المقام کلام أرجو أن تبلغوه للشباب في المجتمع وهو:

إن أکبر اشتباه يقع فيه الشاب أو الفتاة هو في إنتخاب الشريک من غير مشورة، ونحن قد رأينا الکثير من النماذج من هذا القبيل، فبعض الشباب بمجرد أن يرى فتاة في مکان من الأمکنة فإنّه يصمّم على الزواج منها ويصرّ على ذلک حتى لو خالفه الجميع. وهذا هو منشأ الإشتباه والخطأ، فالشاب تبعاً لإحساسات الشباب فيه يصمّم بسرعة، وهذا يشکّل خطراً کبيراً على الشباب في مجال انتخاب شريک الحياة، فعليهم أن يشاوروا في ذلک ويدققوا ويدرسوا المسألة من جميع جوانبها ولا يعجلوا في الإنتخاب.

وعلى أي حال فهذه مسائل مهمة ينبغي مراعاتها في مجتمعنا، وإلا فإن نسبة الطلاق سوف تزيد، ولا ينبغي أن تزيد نسبة الطلاق في الجمهورية الإسلامية، ويقول أهل الإحصاء أن نسبة الطلاق قد زادت في السنوات الأخيرة، لماذا؟

لذلک عوامل کثيرة منها ما ذکرته لکم من الإنتخاب العجول ومن دون مشورة ودراسة. وهناک أيضاً عوامل أخرى.

وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله الطاهرين

 

9-تعريفه

النکتة الخامسة من نکات مبحث استحباب النکاح

کان البحث فيمسألة استحباب النکاح وقد وصلنا الى النکتة الخامسة في هذا المبحث وهي حول ما ذکره صاحب الجواهر (قده) من أن النکاح فيه شئ من العبادة حيث قال في المجلد 29 الصفحة 133 (لا ريب في أن الاحتياط لا ينبغي ترکه خصوصاً في النکاح الذي فيه شوب من العبادات المتلقاة في الشارع، والاصل تحريم الفرج الى أن يثبت سبب الحل شرعاً).

فالاصل هو فساد کل نکاح في مورد الشک إلا ما خرج بالدليل. ثم إن السؤال في المقام هو: إن النکاح من أي نوع من العبادات هو؟ فهل هو من العبادات بالمعنى الاخص أو من العبادات بالمعنى الاعم؟

حيث أن العبادات على قسمين:

1 ـ عبادات بالمعنى الاخص، وهي التي يشترط في صحتها قصد القربة، کالصلاة والصيام والحج والوضوء والتيمم.

2 ـ عبادات بالمعنى الاعم، وهي التي يشترط في ترتب الثواب عليها قصد القربة، وهذه تشمل تمام الاوامر التوصلية الواجبة والمستحبة، کما في تطهير المسجد من النجاسة وأداء الدين اللذين هما من الواجبات، وکما في النکاح وإطعام الطعام اللذين هما من المستحبات، فإتيان هذه الاعمال من دون قصد القربة لا إشکال فيه وتکون هذه الاعمال صحيحة، إلا انه إذا اريد تحصيل الثواب عليها فلابد من قصد القربة، فتطهير الثوب لأجل الصلاة مثلاً من التوصليات ويصح تطهيره بلا قصد للقربة، إلا أنه مع قصد القربة به يترتب عليه الثواب.

والنکاح من أي هذين القسمين هو؟

اما العبادات بالمعنى الاخص فليس هو منها حتماً إذ لا يشترط في صحته قصد القربة، بل لم يقل بذلک احد من فقهاء الشيعة والسنة فلو أن شاباً أراد أن يتزوج فإن زواجه يکون صحيحاً سواء قصد به القربة أو قصد به إشباع اللذة. نعم لو أراد تحصيل الثواب بزواجه فإن عليه حينئذ أن يقصد القربة به، فهو إذاً من العبادات بالمعنى الاعم. وهذا لا ينحصر بالنکاح کما قلنا، بل جميع الاوامر التوصلية الامر فيها کذلک، أي يشترط في ترتب الثواب عليها أن تقصد القربة بها.

وأبواب المعاملات أيضاً کذلک، فلو أن شخصاً خرج من بيته قاصداً مکان علمه وقصد بذلک القربة فإنه يحصل على ثواب بلا إشکال، بشرط أن يکون العمل حلالاً. إذاً لا فرق بين النکاح والبيع والتجارة.

إذن لماذا يقولون أن النکاح فيه شوب من العبادة طالما أن ذلک لا ينحصر به، وما هي الخصوصية في النکاح حتى خصّ بهذه العبارة؟

الجواب

ان النکاح والطلاق هما من الامور التوقيفية، فهما يشبهان العبادة من هذه الناحية، وليسا من المعاملات التي هي من الامور العقلائية التي تکون ممضاة من الشارع، توضيح ذلک:

هناک سلسلة عقود کالبيع والتجارة والمضاربة والمساقاة وغيرها کانت ولا زالت موجودة بين العقلاء، فأتى الشارع المقدس وأمضى هذه العقود بأن قال تارة {أوفوا بالعقود}، وأخرى بأن سکت ولم يردع عنها، ففي کل مورد نشک في شرعية عقد وعدم شرعيته فإننا نرجع الى سيرة العقلاء لنرى أنهم ماذا يقولون فيه، فإذا رأينا أيضاً أن الشارع المقدس لم يردع عن هذه السيرة فإننا نستفيد حينئذ شرعية هذا العقد. فهل النکاح کذلک؟ يعني هل أن کل نکاح متعارف لدى العقلاء نحکم بصحته شرعاً فيما لو سکت عنه الشارع؟ کلا بل لابدّ من وصول دليل شرعي خاص على صحته، والطلاق أيضاً من هذا القبيل. مع أن النکاح والطلاق کانا موجودين عند العقلاء قبل الاسلام کالبيع والاجارة وغيرهما، فلماذا اختلف الحکم فيهما إذن؟ يعني النکاح والطلاق من الامور التوقيفية وتجرى فيهما أصالة الفساد ولا يحکم بصحتهما إلا بدليل خاص، بينما البيع والاجارة وغيرهما من الامور العقلائية التي يکفي فيها الامضاء وسکوت الشارع ولا يحتاج فيها الى دليل خاص، فلماذا کان الامر کذلک؟

السبب في ذلک هو أن الشارع المقدس قد تصرف کثيراً في النکاح، فغير فيه الکثير، فأضاف قيوداً وعدل أخرى، فافترق بذلک عن النکاحالموجود لدى العقلاء. وهذا بخلاف البيع أو الاجارة. ففي النکاح مثلاً المحرمات النسبية کثيرة جداً وکذا المحرمات الرضاعية والسببية، وهناک شرائط للمهر، وأيضاً شرائط للعيوب الموجبة للفسخ. فالشارع المقدس قد نظم النکاح من جديد وعدّل في کثير من قيوده وأضاف اليها أخرى، ولذا أصبح شبيهاً بالعبادات التوقيفية ولم تکن فيه جنبة إمضائية، ولذا فنحن لا يمکننا أن نحکم بصحة نکاح شرعاً لمجرد انه صحيح عند العقلاء، فنکاح ابنة العم مثلاً صحيح عند العقلاء ولا يمکننا الاعتماد على سکوت الشارع عن ذلک بل لابد أن نصل الى دليل شرعي يدل على الصحة کما في قوله تعالى {واحل لکم ما وراء ذلکم} النساء 24 ـ، وذلک لأن النکاح ليس شبيهاً للعقود الامضائية بل هو شبيه للعبادات التوقيفية. وعلى ذلک لابد من الاحتياط في مباحث النکاح کما ذکر صاحب الجواهر (ره)، حيث تکون اصالة الفساد هي الحاکمة ولا يمکن الخروج عنها إلا بدليل شرعي ولا يکفي سکوت الشارع عما هو موجود عند العقلاء.

والطلاق أيضاً کذلک حيث ان الشارع قد نظمه من جديد، فکانت له شرائط کثيرة وشرائط للعدة وموانع أيضاً عديدة، بينما هذه الامور غير موجودة في عرف العقلاء، فلا يمکن استفادة صحة طلاق متعارف عند العقلاء من سکوت الشارع عنه.

وأما بقية أبواب المعاملات فيکفي فيها سکوت الشارع وإمضائه للحکم بصحة ما هو متعارف لدى العقلاء.

الى هنا تنتهي هذه المسألة، وبعد هذا أرى من اللازم أن أقرأ لکم المسألة الاولى من مسائل تحرير الوسيلة، وهي وإن کانت سهلة بحسب الظاهر إلا أنفيها فوائد اجتماعية کثيرة، حيث انها تبين مع المسألة الثانية رأي الشارع في شرائط الزوج والزوجة، هذه المسألة المهمة جداً بالنسبة لشبابنا وفتياتنا، والمسألة هي:

المسألة الاولى من تحرير الوسيلة

يقول الامام (قده): (مما ينبغي أن يهتم به الانسان النظر في صفات منيريد تزويجها فعن النبي صلى الله عليه وآله) وهذا الحديث موجود في وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب مقدمات النکاح الحديث الثاني (اختاروا لنطفکم فإن الخال أحد الضجيعين) والضجيع هنا بمعنى المصاحب، فيقال: من يصاحب الانسان فهو ضجيعه، وأيضاً يقال للمجامع في باب النکاح ضجيع، وکذلک يقال للمدفونين في قبر واحد ضجيعين کما في زيارة أمير المؤمنين(ع): وعلى ضجيعيک آدم ونوح.

ومعنى هذا الحديث هو أنک إذا أردت الزواج من امرأة لا تعرف اخلاقها لأنک لم تعاشرها بسبب عفتها أو تحجبها مثلاً فانظر الى أخلاق أخيها إن کنت من أصحابه أو اسأل عنه فإنک بذلک تعرف أخلاق وطبائع اخته، بإعتبار التشابه بين جيناتهما الوراثية، وهناک مثل بين عوام الناس يقول: انظر الأخ وخذ الأخت، وذلک لأنهما مثلاً تربيا في عائلة واحدة وفي محيط واحد فبينهما نقاط تشابه کثيرة.

اذاً هذه الرواية تعتبر أن انتخاب الزوجة من الامور اللازمة وأيضاً تعين الطريق لذلک، وهو ما ذکر من النظر الى اخلاق وأحوال وطبائع الاخ. وفي الواقع هذه الرواية تشير الى ما يقوله علماء النفس في ايامنا حول أصل الوراثة. (وفي خبرٍ آخر: تخيّروا لنطفکم فإن الابناء تشبه الاخوال) ولئن کان ثمة إبهام في الحديث السابق فإن هذا الحديث يزيله ويوضح المراد فيه. ومعناه هو ما ذکرناه.

وهذا الحديث لم نجده أصلاً بهذه العبارة في ما بين ايدينا من مصادر وکتب، إلا اننا وجدنا شبيهاً له في کتاب کنز العمال من کتب أهل السنة، الحديث رقم 44557، وفيه: تخيّروا لنطفکم فإن النساء يلدن أشباهإخوانهن.

(وعن مولانا الصادق عليه السلام لبعض أصحابه حين قال: قد هممت أن اتزوج: "انظر اين تضع نفسک ومن تشرکه في مالک وتطلعه على دينک وسرّک) وفي الحديثين السابقين کان الکلام عن الولد وأما هنا فهو عن الزوجة شريکة الحياة (فإن کنت لابد فاعلاً فبکراً تنسب الى الخير وحسن الخلق") أي اختر فتاة بکراً من عائلة معروفة بالخير وحسن الخلق. وهذا الحديث موجود في الوسائل الباب 6 من ابواب مقدمات النکاح الحديث الاول.

فهذا الحديث يذکر بعداً من ابعاد الزواج بينما الحديثان السابقان يذکران بعداً آخراً (وعنه عليه السلام) يعني عن الامام الصادق (ع) (إنما المرأة قلادة، فانظر ما تتقلد) فاسعى الى ان تکون زينة لک لا شيئاً عليک، واسعى الى ان تکون سبباً لراحتک وافتخارک في المجتمع لا سبباً لشقائک (وليس للمرأة خطر) أي قيمة (لا لصالحتهنّ ولا لطالحتهن) فصالحتهن قيمة الى درجة لا يمکن معها جعل قيمة لها، وطالحتهن قليلة القيمة الى درجة کأنه لا قيمة لها (فأما صالحتهن فليس خطرها الذهب والفضة، هي خير من الذهب والفضة، وأما طالحتهن فليس خطرها التراب، التراب خير منها) بإعتبار ان التراب فيه برکات کثيرة. وهذا بعد ثالث من ابعاد الزواج.

فالبعد الاول هو: الولد، والبعد الثاني هو: شريک الحياة ومخزن الاسرار، والبعد الثالث هو: قيمة الزوجة الصالحة أو الطالحة.

هذا کله بالنسبة لصفات النساء فيما إذا اراد الرجل ان يختار زوجة له، وهناک ايضاً صفات للرجال فيما إذا ارادت المرأة أو وليها ان يختار زوجاً لها، ويقول الامام (قده) في هذا المجال: (وکما ينبغي للرجل ان ينظر فيمن يختارها للتزويج کذلک ينبغي ذلک للمرأة وأوليائها بالنسبة الى الرجل، فعن مولانا الرضا عن آبائه (ع) عن رسول الله (ص) أنه قال: النکاح رق، فإذا أنکح أحدکم وليدته فقد أرقها، فلينظر أحدکم لمن يرق کريمته) والمقصود من الرقية في هذا الحديث هو أن الزواج يحدد للمرأة من حريتها بإعتبار أنه يحمّلها مسؤوليات ثقيلة. فلابد إذن للمرأة أو لأوليائها من ملاحظة احوال الزوج وطبائعه واخلاقه لأن ابنتهم سوف تکون رفيقة له وفي اسره. وهذا الحديث هو الحديث الثامن من الباب الثامن والعشرين من ابواب مقدمات النکاح من الوسائل.

إذن ينبغي مراعاة الموازين وملاحظتها في کل من طرفي الزوج والزوجة، وللاسف في زماننا لا يدقق بشکل کافٍ في هذه المسائل ويکتفي بملاحظة بعض المسائل السطحية في الزواج، وهذا ما يسبب تلاشي عائلات کثيرة وتفرقها بسرعة.

وصلى الله علىسيدنا محمد وآله الطاهرين.

 

8-تعريفه

خلاصة الدرس السابق

کان البحث يدور حول معنى کلمة النکاح، وأنه العقد أو الوطي، أو مشترک بينهما، أو مجاز فيهما، واذا ما کان مجازاً فيهما فما هو معناه الحقيقي اذاً؟

وقد انتهينا الى ان هذه الکلمة قد وردت ثلاث وعشرين مرة في القرآن الکريم وأنها في جميع الموارد کانت بمعنى العقد، وإن کان هناک من استثناء فهو في مورد واحد فقط. وقد ذکرنا ان هذا الاطراد والشيوع في الاستعمال يسبب أن يصدّق الانسان بأن المعنى الحقيقي للنکاح هو العقد.

معنى النکاح في الروايات

وهناک روايات کثيرة تشتمل على کلمة النکاح بمشتقاتها المختلفة، وفي أغلبها کانت هذه الکلمة بمعنى العقد، إلا في بعض الموارد النادرة والشاذة حيث کانت بمعنى الوطي.

ونحن إن اردنا أن نستعرض هذه الروايات فإن البحث سيطول جداً، ولا ضرورة أيضاً لذلک، ولذا أکتفي ببيان فهرس لبعض هذه الروايات لکي تطالعوها، وقد نظمت لکم عشرة أبواب من أبواب النکاح في هذا المجال:

1 ـ الباب الاول من أبواب مقدمات النکاح الحديث 10، وقد ورد فيه قوله(ص): (ما من شئ أحب الى الله عز وجل من بيت يعمر في الاسلام بالنکاح) والنکاح هنا بمعنى التزويج والعقد.

2 ـ الباب 48 من أبواب مقدمات النکاح الحديثين الاول والثالث حيث قد وردت فيهما العبارة التالية (ومن سنتي النکاح) والنکاح هنا بمعنى العقد.

3 ـ الباب 139 من أبواب مقدمات النکاح الحديث الاول وفيه: أنه جاء رجل الى النبي (ص) فقال: يا رسول الله، ليس عندي طول فأنکح النساء… . أي لست مستطيعاً ولا أملک المال لکي اتزوج، فالمقصود بالنکاح هنا هو العقد، حيث انه هو الذي يحتاج الى مال ومصاريف ومهر.

4 ـ الباب 157 من أبواب مقدمات النکاح الحديثين الثاني والثالث، حيث قد ورد الحثّ فيهما على الاحتياط في أمر النکاح وأنه أمر حسن، وهذا الاحتياط يتصور في العقد، حيث أنه قد يکون مورد العقد مشکوکاًن بأن يشک مثلاً بأن هذه المرأة أخت رضاعية أو ام رضاعية، ومقتضى الاحتياط هو إجتناب العقد عليها.

5 ـ الباب الثاني من أبواب عقد النکاح الاحاديث 2 ـ 4 ـ 6، حيث قد ورد فيها التعبير التالي (لا يصلح نکاح إلا بمهر)، ومن الواضح أن المقصود بالنکاح هنا هو العقد، حيث انه هو الذي يکون فيه المهر.

6 ـ الباب الرابع من أبواب عقد النکاح الحديث الاول، وفيه قوله (ع): (لا ينقض النکاح إلا الاب) فالاب هو الوحيد الذي يمکنه أن ينقض النکاح والزواج أي العقد، وإلا نقض الوطي لا معنى له. اذاً اذن الاب شرط في العقد، وسوف نصل الى انه واجب أو مستحب أو غيرهما.

7 ـ الباب السادس من أبواب عقد النکاح الحديث الخامس حيث يقول (ع): (لا تنکح ذوات الآباء من الابکار إلا بإذن آبائهن) أي أن البکر لا تعقد ولا تتزوج إلا بإذن أبيها، فمادة "نکح" يقصد بها هنا العقد. وإذن الاب في زواج الابکار من المسائل المهمة التي لا ينبغي التساهل فيها، إذ لو لم يراعى اذن الآباء فإنه يلزم هرج ومرج شديدين في المجتمع، بحيث أن أياً من البيوت لن تسلم حينئذ.

8 ـ الباب التاسع من أبواب عقد النکاح، وفيه روايات متعددة تدل على اعتبار إذن الاب في النکاح، والمقصود بالنکاح فيها هو العقد.

9 ـ الباب 27 من أبواب عقد النکاح، وفيه روايتان تدلان على بطلان نکاح الشغار، والمقصود به بطلان العقد الذي يکون بهذا الشکل، بحيث يکون نکاح کل من المرأتين مهراً لنکاح الاخرى. وهذه الطريقة من الزواج کانت متعارفة لدى القبائل العربية، فقد کان الرجل يقول لصاحبه زوجني ابنتک أو أختک فأزوجک ابنتي أو اختي، بحيث يکون مهر کل منهما هو الزواج من الاخرى.

10 ـ الباب الاول من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، وفيه روايات عديدة تدل على حرمة نکاح نساء النبي، بمعنى أنه يحرم على المسلمين العقد عليهن. وروايات أخرى تدل على حرمة زوجة الاب أي العقد عليها.

وکما تلاحظون فهذه عشرة أبواب من الروايات وردت فيها کلمة النکاح بکثرة وفي جميعها کانت بمعنى عقد الزواج، طبعاً هناک أبواب أخرى غير هذه الابواب العشرة.

وأيضاً وردت هذه الکلمة في أبواب کتاب الطلاق من الوسائل ـ الجزء 15 ـ بکثرة وفي جميعها أيضاً کانت بمعنى العقد، کما في قوله (فسخ النکاح) في صورة وجود عيب من العيوب، حيث انه من الواضح ان العقد هو الذي ينفسخ لا الوطي.

وهناک أيضاً أبواب اخرى يمکنکم أن تراجعوها حيث تجدون أن کلمة النکاح فيها هي بمعنى العقد لا الوطي.

الى هنا نکون قد عرفنا ان کلمة النکاح کما انها غالباً أو دائماً في القرآن الکريم کانت بمعنى العقد هي في الروايات أيضاً کذلک، إلا انه في الروايات هناک بعض الموارد کانت فيها هذه الکلمة بمعنى الوطي قطعاً لا العقد، وهذه ليست محلاً للبحث، وهي موارد شاذة ونادرة من جملتها ما هو موجود في أبواب ما يمسک عنه الصائم من الوسائل، الباب 43 الحديثان الرابع والخامس. والکلام فيهما حول الحکم الذي کان مشرّعاً على المسلمين في أول الامر من أنه لما فرض الله سبحانه الصيام فرض ان لا ينکح الرجل أهله في شهر رمضان لا بالليل ولا بالنهار، وکان الرجل إذا نام في أول الليل قبل أن يفطر حرم عليه الاکل بعد النوم أفطر أو لم يفطر. وقد کان هذا الحکم شاقاً على المسلمين خاصة الشبان منهم الذين هم حديثو عهد بالزواج فنزلت الآية ونسخت هذا الحکم وأجازت للمسلمين الاکل والشرب والنکاح الى طلوع الفجر، والنکاح في هاتين الروايتين هو بمعنى الوطي حتماً لا العقد لأنه هو الذي کان ممنوعاً عن المسلمين. والآية التي نزلت عبرت بدل النکاح بالرفث (أحلّ لکم ليلة الصيام الرفث الى نسائکم) البقرة 187، إلا انه في الروايات عبّر بالنکاح، ففي الرواية رقم 4 من الباب 43 من ابواب ما يمسک عنه الصائم عن أمير المؤمنين (ع) انه قال: (إن الله لما فرض الصيام فرض أن لا ينکح الرجل أهله) والنکاح هنا بمعنى الوطي. ثم في ذيل الرواية يقول (ع): (وکان من المسلمين شبان ينکحون نساءهم بالليل سراً لقلة صبرهم… فأنزل الله {احل لکم ليلة الصيام الرفث الى نسائکم… علم الله أنکم کنتم تختانون أنفسکم فتاب عليکم}.

وأيضاً في الرواية رقم 5 يقول الصادق (ع): (فأحل الله النکاح بالليل في شهر رمضان، والاکل بعد النوم الى طلوع الفجر) وهذا الحکم کان من لطف الله على عباده حيث کان محرماً عليهم تناول الطعام في السحر فأحله لهم. ومن المسلّم به أن کلمة النکاح هنا هي بمعنى الوطي.

وأيضاً هذه الکلمة موجودة في الابواب التي تتحدث عن أحکام الانحرافات الجنسية بصيغة (المنکوح)، وأيضاً هي بمعنى الوطي.

إلا أن الاستعمال الشائع لها هو بمعنى العقد.

نتيجة البحث

والنتيجة هي انه يطرد استعمال کلمة النکاح بمعنى عقد الزواج، والاطراج دليل على الحقيقة عندنا، وهذا ما بحثناه مفصلاً في کتاب أنوار الاصول.

إن قلت: أنتم جعلتم الاطراد دليلاً على الحقيقة في موردنا مع أنه في کل الامثلة التي ذکرتموها کانت کلمة النکاح توأماً مع القرينة الدالة على المراد منها، فهناک قرينة "المهر" و"إذن الاب" وغيرها من القرائن التي تدل على أن المقصود من النکاح في هذه الجملة مثلاً هو العقد لا الوطي، وقرائن أخرى بالعکس. ونحن لا نرضى أن تکون موارد الاستعمال الکثيرة المقرونة بالقرينة دليلاً على الحقيقة ومن علاماتها.

قلنا: ان مبنانا هو کون الاطراد دليلاً على الحقيقة ولو أنه کان توأماً مع القرينة، لماذا؟ لأن الوضع على قسمين حسب ما تعلمون، وضع تخصيصي ووضع تخصّصي، فتارة يأتون ويضعون کلمة لمعنى معين کما في (سمّيت ولدي أحمداً) مثلاً، وهذا وضع تخصيصي، واخرى يکون الوضع تخصصياً تعيّنياً وهو الذي يصبح فيه المعنى حقيقياً للفظ جرّاء کثرة الاستعمال، ولأجل معرفة انه کيف يصبح کذلک لابد لنا من الرجوع الى حقيقة الوضع.

والوضع هو نوع ايجاد علقة بين اللفظ والمعنى في عالم الاعتبار بحيث أن الانسان عندما يسمع اللفظ ينتقل ذهنه مباشرة الى المعنى وفي بعض الاوقات عندما يفکر في المعنى يخطر في ذهنه اللفظ. والبعض عبّر عن هذه العلقة بالأنس، فهناک علقة وأنس بين اللفظ والمعنى. وهذه العلاقة وهذا الانس في الذهن لا في الخارج إذ في الخارج لا يوجد أي ارتباط بين اللفظ والمعنى.

والبعض قال بأن الوضع هو نوع تعهد، أي هو عبارة عن تعهد الشخص بإرادته للمعنى الفلاني حيث استعماله للفظ الفلاني. الى غير ذلک من مبان ذکرت في حقيقة الوضع تعرض لها في أول الکفاية وتذکر أيضاً في بحوث الخارج. وأيّ ما کانت حقيقة الوضع فإنه نوع علاقة تارة تنشأ عن الوضع التعييني کما في (جعلت هذا الاسم لهذا المولود) وأخرى تنشأ عن الوضع التخصصي التعيني.

فهل ان استعمال لفظ في معنى مائة مرة مع قرينة لا يوجب حصول العلقة المذکورة؟ يوجبها بلا اشکال.

ومثاله طريقة الشارع المقدس عندما أراد أن ينقل الصلاة من معناها الحقيقي الخاص الذي هو الدعاء الى حقيقة شرعية عبارة عن الارکان والاجزاء المخصوصة، حيث أنه مرة يقول (أذّنوا للصلاة) والاذان هنا قرينة على إرادة الارکان المخصوصة من الصلاة لا الدعاء، وأخرى يقول: (قوموا للصلاة مستقبلي القبلة) أو (توضؤوا للصلاة) أو (اجتمعوا لصلاة الجماعة)، وفي کل هذه الموارد تستعمل کلمة (الصلاة) ويراد منها المعنى المخصوص، ومع تکرار هذا الاستعمال لأيام أو لأشهر تحصل تلک العلقة الخاصة بين لفظ الصلاة وبين الارکان والاجزاء المخصوصة، بحيث انه لو قيل في يوم بلا قرينة (ايها المسلمون الصلاة الصلاة) فإن الذهن ينتقل مباشرة الى الارکان المخصوصة، وما ذلک إلا لحصول العلقة والانس الذهني بين هذا اللفظ وهذا المعنى المخصوص الناشئة عن کثرة الاستعمال فيه مع القرينة لا محالة.

والنکاح أيضاً من هذا القبيل، حيث انه في أغلب الموارد استعملت کلمة (النکاح) واريد منها العقد وقليلاً ما اريد منها الوطي، وقد بيّنت لکم موارد ذلک من القرآن والروايات، وهذا يسبب حصول انس ذهني بين کلمة (النکاح) وبين عقد الزواج، بحيث انه إذا استعملت في مورد بلا قرينة فإن الذهن ينتقل مباشرة الى العقد.

سؤال: معنى هذا البيان الذي تقولونه هو أن للنکاح حقيقة شرعية مثل الصلاة، مع أن صاحب الجواهر (قده) في أول المجلد 29 من الجواهر ضمن البحث عن معنى النکاح وأنه العقد او الوطي يشن هجوماً قاسياً على من يقول بذلک ويقول بأن ذلک من الواضحات، فهل أنتم تقولون بأن للنکاح حقيقة شرعية؟

الجواب: إن لذلک حالتين، فإنه إذا قيل بأن النکاح لغة هو الوطي کما لعله عليه أکثر أهل اللغة فإننا حينئذ نقول بأنه حقيقة شرعية في العقد، ولا نخاف من هجوم صاحب الجواهر عليه الرحمة والرضوان، حيث ان معنى النکاح شرعاً هو العقد کما اتضح، والحقيقة الشرعية ليست شيئاً غير ذلک.

وأما إن کان النکاح لغة مشترکاً بين الوطي والعقد فإننا حينئذ لا نقول بأنه حقيقة شرعية في العقد منتهاه انه ينصرف اليه.

فنحن اذاً إما نقول بأنه حقيقة شرعية في العقد وإما انه ينصرف اليه. الى هنا ينتهي هذا البحث، وأعنون لکم بحث غد لتطالعوه إن شاء الله. نحن غداً نبحث بشکل مختصر في النکتة الخامسة حول کلام لصاحب الجواهر (ره) في الصفحة 133 من المجلد 29 من الجواهر حيث قال: عن النکاح فيه شوب من العبادات المتلقاة من الشارع. وهذا شئ عجيب لابد لنا من تفسيره حيث انه (قده) لا يوضح مراده من هذا الکلام.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

 

 

7-تعريفه

معنى کلمة (النکاح)

النکتة الرابعة التي بقيت من نکات مبحث مقدمات النکاح هي في تفسير کلمة (النکاح)، فما هو معنى النکاح لغة؟

ونحن ندخل هذا البحث لکي يتضح معنى هذه الکلمة التي وردت کثيراً في القرآن والاحاديث ولنعلم المقصود منها فيما لو تجردت عن القرائن الحالية والمقامية. وهذا البحث من موارد الابتلاء الشديدة، وينبغي أن يعلم أن هناک خلافاً شديداً في تفسير هذه الکلمة بين اللغويين وأيضاً بين الفقهاء.

وفي الواقع يدور البحث حول معان أربعة:

المعنى الاول: إن النکاح حقيقة في العقد، أي في اجراء الصيغة.

المعنى الثاني: إنه حقيقة في المواقعة الجنسية، أي الوطي.

المعنى الثالث: إنه مشترک بين المواقعة والعقد.

المعنى الرابع: إنه ليس معنى حقيقياً في أي من المعاني السابقة بل هو مجازي فيها ومعناه الحقيقي إنما هو الاختلاط، فيقال: نکح المطر الارض، أي اختلط معها، ثم استعملت هذه الکلمة في المسائل المربوطة بالزواج بمناسبة ان به يحصل اختلاط بين افراد الانسان.

وقد قيل أيضاً أن معناه الحقيقي هو (الملاقاة) فيقال: تناکح الجبلان، إذا التقيا.

وايضاً قيل أن معناه الاصلي هو (الانضمام) حيث يقال: تناکحت الاشجار إذا ضمّ بعضها الى بعض.

اذاً القول الرابع يرجع المعنى إما الى (الاختلاط) وإما الى (الالتقاء) وإما الى (الانضمام).

وعلينا أن نبحث لنرى ما هو الحق من هذه المعاني، وبداية انقل لکم أقوال ثلاثة من أئمة اللغة المشهورين ثم أقوال عدة من فقهاء الشيعة والسنة المشهورين، وبعد ذلک نحکم بين هذه الاقوال. وکما ذکرت لهذه المسئلة آثار فقهية متعددة منها:

بيان الاثر الفقهي للبحث

ما يذکر في قوله تعالى {ولا تنکحوا ما نکح آباؤکم} من أنه إن کان معنى النکاح هو العقد فقط فإن معقودة الاب تکون محرمة أبداً على الابن ولو لم يطأها الاب، وبهذا يسهل حصول المحرمية بين الرجل والبنت الاجنبية التي يتبناها کأبنة له، وذلک بأن يعقد عليها أبوه فتصبح زوجة لأبيه فتحرم عليه.

وأما إن کان معناه هو الوطي فإن هذه الآية تکون شاملة حتى للمرأة التي زنى بها الاب، وأما إن کان معناه القدر المشترک من الوطي والعقد فإنه حينئذ يصير أعم يشمل کلا الموردين السابقين ويوجب الحرمة الابدية فيهما. وأما أقوال أئمة اللغة فهي:

کلام الراغب الاصفهاني في المفردات

وکتاب المفردات من الکتب اللغوية الجيدة والتي يلاحظ فيها الجانب التفسيري أيضاً، ويذکر الراغب في هذا الکتاب: (إن أصل النکاح للعقد ثم استعير للمواقعة، ومحال أن يکون في الاصل للمواقعة) ولماذا يستحيل أن يکون کذلک؟

يذکر الراغب في ذيل کلامه أن العرب لأجل حيائهم في هذه المسائل لم يضعوا ألفاظاً لها أصلاً وإنما کانوا يعبرون عنها بنحو الکناية کما في قوله تعالى: {أو لامستم النساء}، والتعبيرات الاخرى هي أيضاً من هذا القبيل، فلم يوضع الفاظ صريحة تدل على هذا المعنى لأجل شدة حياء العرب.

اذاً الراغب يقول: أن المعنى الحقيقي للنکاح هو العقد، والمواقعة هي معنى کنائي له.

کلام الجوهري في صحاح اللغة

وکتاب صحاح اللغة من المصادر اللغوية المعتبرة والمعروفة، ويذکر الجوهري أن لفظ النکاح مشترک بين العقد والوطي، وظاهر کلامه أنه مشترک لفظي، حيث قال: (النکاح الوطي وقد يکون العقد)، فيعلم أنه يرى أن المعنى الاصلي للنکاح هو الوطي، والعقد إنما هو معنىً ثانٍ له.

اذاً الجوهري يقول بأنه معنى مشترک، أو يقول بأنه حقيقية في الوطي مجاز في العقد.

کلام الفيومي في المصباح المنير

يقول الفيومي في کتابه المصباح المنير: (مأخوذ من نکحه الدواء إذا خامره وغلبه، أو من تناکحت الاشجار إذا ضم بعضها الى بعض، أو من نکح المطر الارض إذا اختلط بترابها، وعلى هذا يکون مجازاً في العقد والوطي جميعاً) فهو يقول: أنه معنى مجازي في کل من الوطي والعقد وأما المعنى الحقيقي فهو شئ آخر مأخوذ من معنى الغلبة أو الانضمام أو الاختلاط المستفادة من التعابير التي ذکرها.

وکما تلاحظون کل من هؤلاء الاعلام الثلاثة إختار مذهباً في معنى النکاح، فالاول قال: أنه حقيقة في العقد، والثاني قال: أنه مشترک بين العقد والوطي، والثالث قال: أنه مجاز في کليهما. وأيضاً غيرهم من اللغويين وقع بينهم نفس هذا الاختلاف.

والآن لننتقل الى کلام الفقهاء لنرى ما يقولون في هذه المسألة.

کلام العلامة النراقي في مستند الشيعة

وفي الجزء 16 الصفحة 9 من کتاب مستند الشيعة يقول العلامة النراقي(قده): (وهو باللغة عقد التزويج خاصة على الاصح لتبادره عرفاً) حيث أن التبادر العرفي هو من علائم الحقيقة والمجاز (وأصالة عدم النقل حيث أنه إذا احتملنا أن المعنى انتقل شرعاً الى شئ آخر غير ما کان عليه في اللغة فالاصل هو عدم النقل وبقائه على معناه اللغوي.

ثم يجيب (قده) على إشکال مقدر مفاده: إن العقد في الاسلام شئ حادث لم يکن موجوداً قبل ذلک بأنه (وکون العقد مستحدثاً ممنوع بل لکل دين وملة عقد) فعقد النکاح موجود عند الجميع المسلم والکافر، المتدين والشيوعي، وغير صحيح ما يقال من أن الشيوعيين ليس عندهم عقد نکاح، غايته أن عقدهم يکون بشکل آخر، فهم يذهبون الى مکتب خاص بأمور الزواج فيسجلون أسماءهم هناک ثم يوقع کل من الزوج والزوجة في ذلک الدفتر، وهذا يعتبر عقداً عندهم. اذاً کل ملة عندها عقد، إلا أنه يختلف من ملة لأخرى، فبعض عندهم العقد الشفهي، وبعض آخرون عندهم العقد الکتبي، وآخرون عندهم المراسم الکنسية، الى غير ذلک من طرق لعقد الزواج. ثم في تتمة کلامه يقول (قده): (وقيل إنه حقيقة بالوطي خاصة، بل هو الاشهر، بل عليه الاجماع کما عن المختلف. وقيل حقيقة فيهما لإستعماله فيهما) حيث ان بعض العلماء کالسيد المرتضى (قده) يرون أن الاستعمال من علائم الحقيقة، وأما العلماء المتأخرين والمعاصرين فجميعهم يعتقدون بأنه ليس کذلک، إذ الاستعمال قد يکون حقيقياً وقد يکون مجازياً، أي هو أعم. فيعلم أن النراقي (قده) يشير الى هذه المسألة. ثم يقول (قده): (وقيل مجاز کذلک) أي فيهما (لأخذهما من الضم والاختلاط والغلبة) فيکون استعمال النکاح في العقد والوطي مجازي، لن کلاً منهما قد أخذ من معنى ثالث (ويرد بعدم ثبوت المأخذ) أي ويرد القول بأنه مجاز فيهما بعدم ثبوت المأخذ.

کلام الشهيد الثاني في المسالک

يقول الشهيد الثاني في المجلد الاول ـ الطبعة القديمة ـ من المسالک الصفحة 430: (إعلم أن النکاح يستعمل لغة في الوطي کثيراً وفي العقد يستعمل بقلة) وهذا على عکس ما ذکره النراقي (قده) حيث قال إنه حقيقة في العقد مجاز في الوطي (قال الجوهري: النکاح الوطي وقد يقال للعقد، وشرعاً بالعکس) ويلاحظ أن الشهيد الثاني (قده) يفرّق بين معناه لغة ومعناه شرعاً، حيث أنه في اللغة کثيراً ما يستعمل في الوطي وفي العقد يستعمل بقلة، بينما في الشرع الامر بالعکس (ويستعمل بالمعنيين إلا أن استعماله في العقد أکثر، بل قيل إنه لم يرد في القرآن بمعنى الوطي إلا في قوله تعالى {حتى تنکح زوجاً غيره} لإشتراط الوطي في المحلل) أي عندما تطلّق الزوجة ثلاث مرات فإنه لا يجوز لها الرجوع الى زوجها إلا بعد أن {تنکح زوجاً غيره}، أي ان تتزوج ويواقعها زوجها الثاني ثم بعد ذلک يطلقها، حينئذ يمکنها أن ترجع الى زوجها الاول بعقد جديد (وفيه نظر لجواز ارادة العقد) في الآية (واستفادة الوطي من السنة) أي أن الآية تکون بمعنى العقد وأما شرطية المواقعة فإنها تستفاد من الروايات.

کلام ابن قدامة في المغني

يقول ابن قدامة في المجلد 7 الصفحة 333 من کتابه المغني: (النکاح في الشرع هو عقد التزويج، فعند إطلاق لفظه ينصرف إليه ما لم يصرفه عنه دليل) ثم في ذيل کلامه يستدل على أنه قد استعمل غالباً بهذا المعنى في الکتاب والسنة ولسان أهل العرف.

والنتيجة هي أنه يستفاد من کل ما ذکرناه من کلمات اللغويين والفقهاء وغيرها مما ستطالعونه ان هناک أربعة أقوال في معنى النکاح هي:

1 ـ حقيقة في العقد 2 ـ حقيقة في الوطي 3 ـ حقيقة فيهما 4 ـ مجاز فيهما. وأن هناک خلافاً شديداً في معناه بين اللغويين وأيضاً بين الفقهاء. وما يهمنا فعلاً ليس هو المعنى اللغوي بل المعنى الشرعي.

معنى النکاح في الشرع

ونحن عندما نبحث في المعنى الشرعي للنکاح لا نريد أن ندعي أن النکاح حقيقة شرعية، بل نريد أن نرى أنه شرعاً الى ماذا ينصرف.

وکما تعلمون فإن للحقيقة علامات أربع منها (الإطّراد)، والبعض لم يقبل هذه العلامة إلا اننا نقول بها، فنحن نقول: إنه إذا استعمل لفظ غالباً فيي معنى من المعاني وکان استعماله مطرداً وکثيراً وشائعاً فإن ذلک يکون علامة على الحقيقة، والعقلاء هذا هو حالهم غالباً، فعندما يريدون أن يثبتوا حقيقة معنى للفظ نراهم ينقلون عدة أشعار أو کلمات تثبت أن العرب استعملوا هذا اللفظ في هذا المعنى. ونحن لا نقول أن مجرد الاستعمال دليل على الحقيقة بل نقول: إن الاستعمالات الکثيرة دليل على الحقيقة.

وعندما ترجع الى القرآن الکريم نجد أنه قد وردت فيه کلمة النکاح بإشتقاقاتها المختلفة في ثلاثة وعشرين مورداً، وفي کل هذه الموارد استعملت بمعنى العقد، وغالباً ما يکون هناک قرينة على ذلک، يعني يطّرد استعمال النکاح في القرآن في العقد. فالمعنى يکون حقيقياً ولو أنه أصبح کذلک من کثرة الاستعمال مع القرينة. وإليکم بعض هذه الموارد:

1 ـ الآية 49 من سورة الاحزاب {إذا نکحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} وکلمة "نکحتم" اشارة الى العقد إذ الوطي لا طلاق فيه.

2 ـ الآية 3 من سورة النساء {وانکحوا ما طاب لکم من النساء مثنى وثلاث ورباع} و"انکحوا" هنا بمعنى العقد من دون أي شک، إذ العقد هو الذي ينحصر في الاربع.

3 ـ الآية 235 من سورة البقرة {ولا تعزموا عقدة النکاح} وإضافة "عقدة" فيها الى النکاح من قبيل إضافة العام الى الخاص، أي عقد النکاح، وهناک عقد البيع، عقد المضاربة، عقد الاجارة. فمع إضافة "عقدة" الى النکاح يتضح أن المقصود به هنا هو العقد.

وللفقهاء تعبير آخر هو: العقد السببي ـ العقد المسببي. والعقد السببي هو الالفاظ، والعقد المسببي هو ذاک العهد والاتفاق الاعتباري الذي يحصل في عالم الاعتبار، فنحن حينما نستعمل هذه الالفاظ: زوجت موکلتي من موکلي فلان، هذا يکون عقداً سببياً، أي صيغة العقد، ثم بعد ذلک ما يصدق بين الزوج والزوجة بالظن الاعتباري العقلائي الشرعي يکون مسببياً.

اذاً عقدة النکاح هي من قبيل إضافة السبب الى المسبب، أو إضافة العام الى الخاص.

4 ـ الآية 237 من سورة البقرة {إلا ان يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النکاح} والکلام فيها کالکلام فيما سبقها من انها إما بنحو إضافة العام الى الخاص، وأما بنحو إضافة السبب الى المسبب.

الى غير ذلک من الموارد الاخرى التي وردت فيها کلمة النکاح بمعنى العقد، إلا مورداً واحداً وهو ما مر في کلام المسالک من قوله تعالى {حتى تنکح زوجاً غيره} البقرة 230 ـ حيث قيل إنه بمعنى الوطي، وقد مرّت مناقشة الشهيد لذلک.

والخلاصة هي أنه لو استعمل لفظ في معنى مائة مرة مثلاً مع القرينة فإنه تنشأ جرّاء ذلک علاقة خاصة بين هذا اللفظ والمعنى بحيث يکون له ظهور فيه حتى لو استعمل من دون قرينة، وهذا المطلب قد ذکرناه في بحث الإطراد، حيث قلنا بأن المعنى ينتقل الى المعنى المستعمل فيه کثيراً حتى لو کان مع القرينة، ويکون إما معنىً حقيقاً أو منصرفاً إليه.

اذاً کلمة النکاح في القرآن الکريم إما في کل الموارد وإما في أکثرها وردت بمعنى العقد، ثم ألا ينشأ من ذلک أنسٌ ذهني بين هذا اللفظ وهذا المعنى؟

وفي غد نتعرض إن شاء الله للروايات لنرى أنه هل استعملت فيها کلمة النکاح بمعنى الوطي، أم أنها غالباً کانت بمعنى العقد، بحيث يمکننا حينئذ أن نحصل الظهور من تتبع موارد الاستعمال.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

 

6-حکمه التکليفي

تتمة البحث في استحباب النکاح

کان البحث في استحباب النکاح، وانتهينا الى أن البعض قد قيدوا استحبابه بالاشتياق، فلا يستحب النکاح لمن لا يختلف الحال لديه إن تزوج أو لم يتزوج، بل أن البعض کالشيخ الطوسي في المبسوط ذهب الى أکثر من ذلک حيث قال: أنه يکره النکاح لمن لا يشتاقه. وقد کنا في مقام بيان مصدر هذا المطلب، حيث أن الزواج شئ يستحسنه العقل وتنص عليه آيات القرآن، والشريعة المقدسة وکلمات المعصومين (ع) لا يوجد فيها أي تقييد من هذا القبيل، وبالنهاية لابد للشباب من أن يتزوجوا، والنکاح رغم أنه مستحب بالذات إلا أنه في بعض الموارد قد يکون واجباً، فمن أين اذاً أتى هذا التقييد بالاشتياق أو حتى القول بالکراهة؟

أدلة القائلين بتقييد استحباب النکاح بالإشتياق

استدل القائلون بتقييد استحباب النکاح بالاشتياق بثلاثة أدلة، والعمدة فيها هو الدليل الاول.

الدليل الاول: ما ورد في القرآن الکريم حول قصة النبي يحيى (ع) من مدح وثناء، ففي الآية 39 من سورة آل عمران قال تعالى: {وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين} وقيل بأن "حصور" تطلق على الشخص الذي لا يرغب في الزواج أصلاً أو الذي لم يتزوج أصلاً، وبما أنه قد مدح يحيى (ع) بأنه حامل لهذا الوصف فلابد ـ على الاقل ـ من القول بعدم استحباب النکاح لمن لا يشتاقه.

ولنا على هذا الاستدلال أربع أجوبة.

الجواب الأول: أنه من الممکن أن تکون هذه قضية في واقعة، فإن مدح شخص لأجل صفة يتصف بها لا يسبب أن تکون هذه الصفة قانوناً کلياً، وحياة يحيى (ع) کانت حياة خاصة مثل حياة السيد المسيح (ع)، حيث کانا عليهما السلام دائمي التنقل من مکان لآخر لأجل تبليغ الرسالة الإلهية، فلذلک لم يتزوجا (ع)، ولعلهما کانا سيتزوجان (ع) بعد أن تثمر حرکتهما التبليغية. إذاً هذه من قبيل قضية في واقعة. وبعبارة أخرى: هذه القضية کانت من قبيل العنوان الثانوي، فالعنوان الاولي هو الاستحباب المطلق، لکن بسبب بعض العوارض يمکن أن توجد عناوين أخرى مثل الوجوب أو الحرمة أو الکراهة، وهذا يعود الى ما ذکرناه في أصل المسألة من الانقسام الى أقسام خمسة بسبب العوارض والعناوين الثانوية.

الجواب الثاني: هو أن نأتي الى کلمة "حصور" لنرى أن معناها ينحصر بـ"من لا يأتي النساء" أو أن لها معان متعددة في اللغة. وعندما نرجع الى ما ذکره أرباب اللغة وما ذکره الشيخ الطوسي في ذيل هذه الآية في تفسيره "التبيان" وأيضاً ما ذکره المرحوم الطبرسي في "مجمع البيان" نجد أن لهذه الکلمة ستة معان على الاقل هي:

المعنى الاول: العنين، وهو من لا يقدر على النکاح أصلاً، أي من يعاني من العجز الجنسي.

المعنى الثاني: من لا يعاني من عدم القدرة الجنسية لکن لا ميل لديه للنکاح إما لأنه لا يرغب به وإما أنه يرغب به لکن ظروفه تمنعه من الزواج. فيقال لمثل هذا الشخص أنه حصور باعتبار أنه حاصر نفسه أو أنه محاصر فلا يميل الى الزواج.

المعنى الثالث: قيل أنه الذي يمتنع أن يخرج مع الندماء شيئاً للنفقة، وکأن المقصود هو الاشارة الى اولئک الاشخاص الذين لا يخرجون معهم في السفر إلا القليل من النفقة التي لا تکفي إلا لأنفسهم ولا يحسبون حساب رفقائهم في السفر، أي البخلاء.

المعنى الرابع: الذي يحصر نفسه عن الشهوات، والظاهر أن المراد هو الاعم من الشهوة الجنسية، أي العفيف. فالحصور هو من يحاصر نفسه في مقابل مراداتها وطغيان شهواتها.

المعنى الخامس: الذي يکتم سرّه، ويقال له الکتوم والحصور بإعتبار محاصرته لنفسه لکي لا تفشي السر.

المعنى السادس: الذي لا يدخل في اللعب والاباطيل.

وعدة من هذه المعاني ليست من شأن الانبياء وليست من مقامات المدح، مثل العنين والبخيل، إذ هذه من العيوب لا من المحاسن، أما بقية المعاني فهي مما تليق بشأن الانبياء، فيمدح النبي بأنه کتوم للسر وأنه ممن يمسک نفسه عن الشهوات وأنه لا يدخل في اللعب والاباطيل. وأي مانع من أن تکون هذه المعاني هي المقصود في الآية الشريفة؟

صحيح أنه في بعض الروايات ورد تفسيره بالذي لا يأتي النساء، إلا أن ذلک يمکن تفسيره بشکل سوف يأتي بيانه في الاجوبة الآتية.

وعلى هذا فکلمة "حصور" لا ينحصر معناها في معنى واحد، بل لها معان متعددة، وعلى الاقل الآية فيها ابهام من هذه الناحية.

والنتيجة هي أن هذه الآية لا تخلو عن إجمال، ونحن لا يمکننا أن نفعل کما فعلتم أنتم حيث أوقعتم معارضة بين ما هو مجمل وبين الآيات کقوله تعالى: {انکحوا الايامى منکم والصالحين من عبادکم وامائکم} وغيرها من الروايات المادحة والحاثة على الزواج. فنحن في مقابل هذه المحکمات لا يمکننا أن نعتمد على شئ متشابه.

الجواب الثالث: إن المدح قد يکون في بعض الاحيان على المنکشف لا الکاشف، فنمدح الصفة التي هي في داخل الانسان رغم أن الکاشف عنها قد لا يکون أهلاً للمدح، کما لو أردنا ان نمدح تسلط إنسان على نفسه في محيط مليئ بالفساد فقلنا انه قد بلغ الاربعين ولم يتزوج، فنحن لا نريد أن نمدح عدم زواجه بل نريد أن نمدح تسلطه على نفسه في ذاک الجو المليئ بالفساد، فالمدح کان على تلک الصفة النفسانية التي يکشف عنها عدم الزواج الى الاربعين.

وأنا أحتمل أن يکون هذا هو المقصود من الرواية المفسرة للحصور بمن لا يأتي النساء، فهي تريد أن تمدح تلک الصفة النفسانية التي کان يتحلى بها يحيى (ع) لا انها تمدح عدم زواجه من حيث هو.

الجواب الرابع: هو أن يقال أنه لو فرض أن ذلک کان ثابتاً وممدوحاً في شريعة يحيى (ع) فما علاقة ذلک بشريعتنا، وکم من المسائل کانت موجودة في الشرائع السابقة وليست موجودة في شريعتنا، فإن کان هذا البرنامج موجوداً في شريعته وعمل به (ع) فهو حينئذ يستحق المدح بلحاظ ذلک.

إن قلت: أنه يمکننا أن نجري استصحاب الشرائع السابقة، حيث انه في بحث الاستصحاب يوجد استصحاب يقال له استصحاب الشرائع السابقة، فما هو موجود في شريعة يحيى (ع) نستصحبه الى شريعتنا ، کما أن الشيخ الانصاري وغيره من الاعلام عندما يبحثون في تنبيهات الاستصحاب يتعرضون لإستصحاب الشرائع السابقة ويذکرون له عدة مدارک منها قصة نبي الله يحيى (ع).

قلنا: أنه يمکن الاجابة بجوابين:

الجواب الاول: إن الاستصحاب إنما يجري في مورد الشک (لا تنقض اليقين بالشک) ونحن في هذه المسألة لا شک لدينا، فنحن نعلم بأن الزواج أمر مطلوب في الاسلام، بينما حياة العزوبة مبغوضة، وهناک روايات کثيرة في هذا المجال إلا ان أياً منها لا يذکر شرطية الاشتياق، فالروايات مطلقة من هذه الناحية. وعلى هذا يکون المورد من موارد (بل انقضه بيقين آخر) حيث اننا نتيقن بمطلوبية النکاح في شريعتنا، فلا مجال لإجراء استصحاب الشرائع السابقة.

الجواب الثاني: اننا قد ذکرنا نکتة في مبحث الشرائع السابقة وفي نظري أنها نکتة مهمة وهي: أن الشريعة التي تنسخ تُنسخ معها تمام أحکامها، فلا يجري احتمال بقاء شئ منها ليجري إستصحابه، والدليل على ذلک هو أن المسلمين حينما کانوا يواجهون مسألة جديدة لا يعرفون حکمها کانوا يسألون عنها من النبي (ص)، فيجيبهم (ص) أني انتظر الوحي في شأنها، ولم يجبهم(ص) ولو لمرة واحدة أن اذهبوا واعملوا بحکمها في الشريعة السابقة، فيعلم انه بنسخ الشريعة السابقة تنسخ معها تمام أحکامها.

وشبيه هذا الشئ يحصل عند قيام الثورات، فعندما قامت الثورة الاسلامية تم تنظيم قانون أساسي جديد رغم أن هذا القانون فيه الکثير من المشترکات مع القانون السابق کما في أحکام الاقليات وغيرها من المسائل، إلا أن کل ذلک أعيد بحثه والمصادقة عليه في القانون الجديد.

وشرب الخمر مثلاً کان محرماً قطعاً في الشرائع السابقة إلا أن تحريمه في الاسلام تم على مراحل أربع، فيعلم بذلک أنه لم يکن يبنى على استصحاب الشرائع السابقة، بل کل شريعة جديدة لها أحکامها الجديدة.

فعلى ذلک لا تکون أرکان الاستصحاب تامة هنا، بإعتبار أننا نقطع بنسخ تمام أحکام الشرائع السابقة، والاستصحاب إنما يجري في مورد الشک، اذاً التمسک بالاستصحاب هنا غير صحيح.

تفسير قوله تعالى: {مصدقاً لما بين يديه}

وأما قوله تعالى: {مصدقاً لما بين يديه} فهو لا يستفاد منه الدلالة على بقاء الشرائع السابقة. وقد ذکر في تفسير "الامثل" معنى خاص لکلمة (مصدقاً) هو (متابع)، بمعنى أنه قد ذکرت للنبي (ص) وللقرآن علائم في الکتب السماوية السابقة، وعندما بعث النبي (ص) وأوحي اليه بالقرآن کان مصدقاً ومتابعاً لتلک العلائم في الکتب السابقة أي مطابقاً لها، والقرآن يقول لليهود والنصارى أنه لماذا لا تقبلون بهذا النبي الذي تجدون علائمه وعلائم کتابه عندکم في کتبکم، فالمقصود من قوله تعالى: {مصدقاً لما بين يديه} هو مطابقاً لما ورد فيها من الامارات والعلامات.

هذا کله في الدليل الاول الذي ذکروه لتقييد استحباب النکاح بالاشتياق.

الدليل الثاني: هو التمسک بآية من القرآن لا دلالة لها أصلاً على مطلوبهم، إلا اننا مع ذلک نذکرها ونبين الاجابة عنها، وهي قوله تعالى في الآية 14 من سورة آل عمران: {نزين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والانعام والحرث ذلک متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب}.

قالوا: إن الآية في مقام الذم وتذکر ستة أمور هي من الزينة في نظر الناس والله سبحانه يعبر عنها بأنها {ذلک متاع الحياة الدنيا} وهذا يدل على أن الشهوات ليست شيئاً مطلوباً في نفسه، وهو المطلوب.

ولنا على هذا الاستدلال جوابان:

الجواب الاول: انه إذا صح هذا الاستدلال يلزم حينئذ أن يقال بعدم استحباب النکاح حتى في مورد الاشتياق، لأن الآية تذم من يحب الشهوات، فحتى من يشتاق النکاح وتتوق نفسه اليه يکون مذموماً بحکم هذه الآية، فلا يکون النکاح مستحباً له، وهذا على خلاف مقصودکم، حيث قلتم بأنه لا يستحب النکاح لمن لا شوق لديه وأما من عنده شوق وميل للنکاح فجميع علماء الشيعة والسنة قالوا بأنه مستحب له، إن هذا على خلاف مقصودکم.

الجواب الثاني: إن المقصود من هذه الآية هو بيان مذمومية الافراط في المسائل المذکورة، حيث عبّر بحبّ الشهوات المناسب لطغيان الشهوة والافراط فيها، وإلا في نفس القرآن الکريم عدّت الانعام من النعم الالهية التي أنعم بها الله سبحانه على عباده، فلو أنها کانت مذمومة اذاً لماذا تعدّ من النعم التي يمنّ الله بها على عباده، کما في الآية 6 من سورة النحل {ولکم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون} أي أنه سبحانه خلق لکم هذه الانعام ولکم فيها زينة، فعندما تخرجون بها في الصباح الى المراعي وأيضاً حينما ترجعونها عصراً يکون لها منظر جميل يأخذ القلوب ويوجب السرور في المجتمع، وکثير غيرها من الآيات التي تعد الانعام من نعم الله على الخلق. إذاً قوله تعالى {حب الشهوات من النساء} يقصد به ذم التعلق والافراط في حب النساء لا مطلق حب النساء حيث أنه سبحانه في الآية 21 من سورة الروم يبيّن ان من نعمه على الخلق هي نعمة الازواج: {ومن آياته أن خلق لکم من أنفسکم أزواجاً لتسکنوا اليها}.

الدليل الثالث:هو أن الزواج لمثل هؤلاء الاشخاص ـ غير المشتاقين للنکاح ـ يمنعهم عن کثير من الاعمال الحسنة کالعبادات والطاعات وتحصيل العلوم وغير ذلک من الامور المهمة، وذلک لإنشغالهم بمشاکل ومسؤوليات الزوجة والاطفال وتأمين المعاش لهم وما الى ذلک من مسؤوليات للحياة الزوجية. وهذا الاستدلال منقوض من جهتين:

الجهة الاولى: إن الزواج ليس مزاحماً لما ذکر بل عون عليها، فالزواج إن کان مدروساً فإنه يعين على طلب العلم وعلى العبادة ويهب للانسان الراحة والاطمئنان حيث يمکنه أن يتابع برامجه ببال مرتاح وهو ما يعبر عنه الله سبحانه: {لتسکنوا اليها}، والانسان لا يمکنه أن يتعلم أو يعمل أو يقوم بأي شئ إذا لم يکن مرتاح البال.

الجهة الثانية: هي ان نفس المسؤوليات المذکورة في الاستدلال تعدّ عبادةً، فتأمين النفقة للزوجة والاطفال من العبادات، ولا أقرأ لکم الروايات في هذا المجال لکي لا يطول البحث بل اعطيکم مصادرها، وهي في الباب 23 من أبواب مقدمات التجارة من المجلد 12 من الوسائل، حيث توجد روايات متعددة تتحدث عن هذا الموضوع، فإحدى الروايات تقول: (الکادّ على عياله کالمجاهد في سبيل الله)، بل في رواية أخرى: (أفضل من الجهاد في سبيل الله).

إذن تحمل مسؤولية العيال لا عيب فيه بل هو من العبادات.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

 

5-حکمه التکليفي

کان البحث حول الاحکام الخمسة للنکاح، حيث ذکرنا أن النکاح مستحباً بحسب الذات لکنه بالعرض تثبت له أحکام خمسة، وبالمناسبة ذکرنا أن أحد أفراد الزواج المکروه هو الزواج من الاقارب القريبين، ولم يکن لدينا دليل على ذلک سوى الحديث المنقول في کتب العامة، وما أريد قوله هو أن لا نحکم على هذا الحديث بشدة الضعف، لأن هناک حديثاً آخر وجدناه شبيه به ينقله المرحوم السيد الرضي في کتاب (المجازات النبوية)، فيکون عندنا حديثان على هذا الحکم، والحديث موجود في کتاب (المجازات النبوية) الصفحة 78 الحديث رقم 59، وهذا الکتاب من الکتب الجيدة للسيد الرضي(ره) عن النبي (ص) أنه قال: (اغتربوا لا تضووا) أي تزوجوا من الغرباء لکي لا تنحفوا ولا تضعفوا ولکي يکون أبناؤکم أقوياء البنية.

ابن الاثير في النهاية ينقل هذا الحديث أيضاً، والنهاية وإن کانت کتاب لغة إلا أنه تفسر فيها الالفاظ التي ترد في السنة النبوية، وفي الصفحة 106 من المجلد الثالث من النهاية عندما يصل ابن الاثير الى قوله (ص): (اغتربوا لا تضووا) يقول: (أي تزوجوا الغرائب دون القرائب فإن ولد الغريبة أنجب وأقوى من ولد القريبة) وهذا حکم غالبي لا دائمي وله استثناءات بلا إشکال، ثم يقول (ومنه الحديث) وهو الحديث السابق القائل (لا تنکحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاوياً).

إذاً هناک حديثان في هذا المجال أحدهما قوله (ص): (اغتربوا لا تضووا) والثاني قوله (ص): (لا تنکحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاوياً).

والنکتة المهمة في المقام هي أن بعض فقهائنا حينما ينقلون هذه الرواية لا يقولون: "روي" بل يقولون: "قال رسول الله (ص)". فالشهيد الثاني مثلاً في أول کتاب النکاح من المسالک ينقل الحديث الثاني ويقول: "لقول (ص)" ولا يقول: لما روي عن النبي (ص)، ثم ينقل الحديث (لا تنکحوا القرابة القريبة…) والنتيجة هي أن علماءنا (رض) کأنهم يقولون بأعتبار هذا الحديث، فإذا انضم اليه أقوال الخبراء والاطباء فلا يبعد حينئذ أنه يمکننا أن نجيب على الاسئلة التي توجه الينا حول نکاح الغربية ونقول بأن نکاحها أفضل من نکاح القريبة، وأقوال الاطباء وإن لم تشکّل لنا دليلاً قطعياً إلا أنها تصلح مؤيداً فلا يبعد الحکم بالکراهة حينئذ.

واذا أورد علينا بأن المعصومين (ع) کانوا يتزوجون من أقاربهم القريبين فإننا نجيب أن هذه إستثناءات موجودة في کل قانون کلي.

وعلى أي حال أحببت أن أبيّن بعض التوضيح حول هذه المسألة ثم أنتقل الى غيرها، ولا بأس في أن يطالع السادة حول هذه المسألة ويتابعوها لأنها من موارد الابتلاء في زماننا، فلعلهم يستطيعون أن يجدوا لها مدارک أکثر إذ قليلاً ما بحث حولها في کتبنا.

بيان تدقيق الشهيد الاول في القواعد

وأما اليوم فإننا نکمل البحث في مسألتنا الاساسية وهي الاحکام الخمسة للنکاح، فالشهيد الاول (قده) في القواعد دقق في هذه المسألة حيث ذکر أن هناک تقسيمين لها: تقسيم بحسب الناکح، وتقسيم بحسب المنکوح، وإن هناک أحکاماً خمسة في کل قسم، وأنا هنا إنما أنقل لکم خلاصة کلامه (قده)، أما بحسب الناکح فإنه يذکر أمثلة خمسة شبيهة بالامثلة التي مرّت معنا، وأما بحسب المنکوح أي التقسيمات الخمسة التي تکون بلحاظ المرأة فإنه يمثّل للحرام بنکاح المحرمات کالام مثلاً، وللمکروه بنکاح العقيمة، وهناک رواية تقول بأن الزواج من المرأة العاقر مکروه. وهذه الکراهة نرى أنها بحسب المنکوح لا بحسب النکاح، فالمرأة المنکوحة فيها خصوصية أوجبت الکراهة.

وأيضاً يمثل (قده) للمستحب بنکاح الاقارب، بناء على القول القائل أن نکاح الاقارب سبب لصلة الرحم، ويمثل للنکاح الواجب بوجوب الوطي بعد مضي أربعة أشهر، حيث يجب على الزوج أن يواقع زوجته في کل أربعة أشهر مرّة. لکنه هنا قد وقع خلط بين النکاح بمعنى العقد والنکاح بمعنى الوطي.

وأما بالنسبة للنکاح المباح فإنه يقول (قده): ما عدا ذلک.

بيان کلام للعاقة في المقام

والعامة أيضاً عندهم نفس التقسيم لکنه أنقص من التقسيم الذي نذکره نحن، وممن يذکر هذا التقسيم ابن قدامة في کتابه المغني وهو من الکتب الفقهية المبسوطة، وأيضاً النووي في کتاب "المجموع" الذي ذکرناه فيما سبق، والنووي من علماء القرن السابع الهجري بحسب الظاهر، ينسب الى "نوا"، وهي قصبة من أطراف دمشق، عنده کتاب بإسم "المجموع" وهو من الکتب الشاملة جداً.

يقول ابن قدامة في المجلد 7 من المغني الصفحة 334: الناس في النکاح على أقسام ثلاثة، القسم الاول هم الاشخاص الذين يخافون إن ترکوا النکاح أن يبتلوا بعمل مناف للعفّة، فهؤلاء يجب عليهم الزواج في قول عامة أهل العلم.

ثم يقول: القسم الثاني هم الاشخاص الذين لا يخافون من الوقوع في الحرام لکن عندهم اشتياق للنکاح، وهؤلاء يستحب لهم النکاح. إلا أنه لا يدّعي الاجماع هنا بل يقول إن ذلک ذکره جماعة من العلماء.

وأما القسم الثالث فيقول أنه يتصور بالنسبة لمن لا شهوة له کالعنين، وهذا هل يکون النکاح مستحباً له أو مکروهاً أو مباحاً؟ يقول: إن فيه وجهان، وجه بإستحباب النکاح له لعموم الادلة، ووجه آخر بأن الافضل له أن يترک النکاح لأنه بنکاحه فضلاً عن ابتلائه بنفسه سوف تبتلي معه زوجته المسکينة، فالاولى له أن يترک النکاح.

وکما لاحظتم فإن ابن قدامة يذکر أقساماً ثلاثة للنکاح بينما علماؤنا (قده) ذکروا أقساماً خمسة.

نتيجة البحث

ونتيجة البحث هي أن النکاح بحسب طبيعته الاولية مستحب لکن بالعنوان الثانوي تثبت له أحکام خمسة، ونحن أيضاً نرتضي هذه الاحکام الخمسة.

إن قيل: أنتم أشکلتم على ما مثّل به صاحب الحدائق للنکاح المکروه فينبغي لکم أن تذکروا مثالاً له.

قلنا: أنه يمکن التمثيل لذلک بنکاح المتعة لکثير من الاشخاص، ففي بعض الروايات نجد أنه قد ورد النهي عن المتعة لبعض الاشخاص، فقد خوطب المتزوجون ومن عندهم أولاد في بعض الروايات بأنه لا تتمتعوا واحفظوا سمعتکم في المجتمع، وحافظوا على حيثياتکم وشخصياتکم خصوصاً في قبال العامة، وخصوصاً من ليس هو بحاجة لذلک.

فالمتعة جزء من القوانين المهمة في الاسلام لکنها شرّعت لأجل بعض المصالح لا لاتباع الاهواء، وقد أصبحت المتعة شيئاً منفوراً بين الناس منذ ذلک اليوم الذي أصبحت فيه وسيلة لاشباع الاهواء، مع أنها قيمة من القيّم الاسلامية، لکن هذه القيمة أصبحت ضداً للقيم منذ أصبحت وسيلة لإشباع الاهواء. وکما قلنا ورد النهي في الروايات عن التمتع في بعض الاوقات والظروف، فالمتعة التي هي مستحبة تصير مکروهة في بعض الظروف، وهذا مثال جيد للکراهة بحسب الناکح.

وأما الکراهة بحسب المنکوح فأيضاً يمکن التمثيل لها بمتعة النساء المعروفات بالزنا، فقد ورد في الروايات النهي عن التمتع بالنساء المرتکبات للفواحش، فهذا مثال للکراهة بحسب المنکوح.

وإن شاء الله عندما نصل الى باب نکاح المتعة سوف نذکر أنه إن مورست المتعة بشکل صحيح فإنها حلاّلة لکثير من المشاکل، لکن وللأسف خرّبها بعض من لا معرفة له بأحکام الاسلام.

بقي هنا شئ

اني قد رأيت أن البعض يذکر أن استحباب النکاح مقيد بالاشتياق له، مع أنه لم يرد هذا التقييد في الاحاديث أصلاً، وأساساً فلسفة النکاح لا تنحصر بإشباع الغريزة الجنسية بل إحدى فلسفاته هي تکاثر النسل. والناس على أقسام ثلاثة: قسم لهم رغبة شديدة بالزواج، وقسم آخر يقولون إن تزوجنا فتلک نعمة من الله وإن لم نتزوج فإننا لن نتأذى من ذلک، وقسم ثالث مثل العنين، أي ليس هو من أهل النکاح أصلاً. ونحن لا نتکلم عن القسم الثالث وبحثنا في القسمين الاول والثاني، فنحن لا نتکلم عن العنين إذ ربما کان النکاح بالنسبة له محرماً أو مکروهاً بإعتبار أنه قد يسبب وقوع زوجته في الحرام. فهناک أشخاص لا شوق خاص عندهم للنکاح لکنهم لا يستاؤن منه مثل من تجاوز سن الاربعين ولم يتزوج ثم يتزوج بعد ذلک ويصبح عنده عدة أولاد، وأنا قد رأيت مثل هؤلاء الاشخاص عدة مرات، فيعلم أن هؤلاء لم يکن عندهم شوق للنکاح في شبابهم لکنهم يتزوجون فيما بعد لأجل أن لا ينقطع نسلهم. وهذا القسم لا مشکلة فيه. والکلام إنما هو في مصدر التقييد بالشوق والتوق في کلام بعض العلماء مع أن الروايات لا يوجد فيها أصلاً مثل هذا القيد؟

الظاهر أنهم قد استفادوا هذا القيد من قصة نبي الله يحيى (ع) الواردة في الآية 39 من سورة آل عمران، حيث يقول الله تعالى (وسيداً وحصوراً ونبيّاً من الصالحين) أي اننا وهبنا لزکريا ولداً اسمه يحيى له ثلاثة صفات: سيداً، أي أن فيه صفات السيادة، حصوراً: أي ليس عنده رغبة بالنساء، فهي بمعنى من لا يأتي النساء، وتقال أيضاً لمن لا يتزوج، ونبياً من الصالحين.

فمن الطرف الاول يمدح بأنه سيد ومن الطرف الاخير يمدح بأنه نبي، وهذه صفات عالية، وفي الوسط أيضاً لابد أن يکون المقام مقام مدح، فيمدح يحيى(ع) بأنه حصور لا يأتي النساء أو لا يتزوج.

وعندما رأى بعض العلماء هذه الآية ولأجل الجمع بينها وبين الروايات التي تتحدث عن استحباب النکاح ذکروا أن ذلک مقيد بالشوق، فيستحب لمن تاقت نفسه.

فهل هذا هو معنى الآية؟ وهل أن "حصور" ينحصر معناها بما ذکر؟ ثم إن يحيى (ع) هل کانت له حياة خاصة؟ وهل يمکن سحب الشرائع السابقة الى شريعتنا؟

هذه کلها مسائل تطالعون حولها في التفسير والفقه لنبحثها يوم السبت إن شاء الله.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

 

 

4-حکمه التکليفي

تتمة البحث في الامر الثالث

کان البحث حول استحباب النکاح وقد وصلنا الى النکتة الثالثة ، حيث قد صرح جمع من اکابر الاصحاب وکذلک بعض من علماء السنة بان استحباب النکاح ذاتي، واما بحسب العوارض فيمکن ان تثبت له الاحکام الخمسة، ولعل ما يذکره صاحب الحدائق هنا من افضل ما قيل في هذا المجال ، وکلامه وان کان طويلاً الا انه لاشتماله على نکات جيدة انقله لکم بتمامه، ففي الحدائق المجلد 23 الصفحة 17 يقول (قدس سره): اعلم انهم قالوا ان النکاح انما يوصف بالاستحباب بالنظر اليه في حد ذاته يعني مع قطع النظر عن اللواحق المتعلقة به) يعني ان لم تلحظ العناوين الثانوية المتعلقة بالنکاح بل لوحظ بعنوانه الاولي فانه حينئذ يکون مستحباً (والا) يعني ان لوحظت العناوين الثانوية (فانه ينقسم الى الاقسام الخمسة) ومن حسن الحظ ان صاحب الحدائق (قده) يذکر مثالاً لکل من هذه الاقسام الخمسة فيقول (فقد يکون واجباً کما إذا خيف الوقوع في الزنا مع عدمه) طبعاً المسألة لا تنحصر في خوف الوقوع في الزنا بل تجري ايضاً فيما لو خيف من الابتلاء بالنظر المحرم ، إذ لو لم يشبع شهوته عن طريقها الصحيح والمشروع واخذ ينظر الى اعراض الناس فان هذا ايضاً من الوقوع في الحرام، ويجب عليه ان يتزوج لاجل النجاة منه (ولو امکن التسري کان واجباً مخيراً) أي لو استطاع الانسان ان يتملک امة فان الزواج حينئذ يکون واجباً تخييراً عليه، اذ الامة تقوم مقام الزوجة من الناحية الجنسية ولا يحتاج في جواز وطئها الى اجراء صيغة عقد النکاح بل يکفي فيها التملک (وقد يکون حراماً إذا افضى الاتيان به الى ترک واجب کالحج) کما لو کان هناک شخص مستطيعاً للحج فوجب عليه، وايضاً هو مستطيع للنکاح الا ان النکاح غير ضروري فعلاً له، أي يمکن تأخيره الى ما بعد الرجوع من الحج، فانه لو تزوج فسوف ينشغل لمدة بامور الزواج وحينئذ سيفوته الحج، فيکون قد فعل حراماً باعتبار ان النکاح لم يکن واجباً عليه (والزکاة) بان تکون ذمته مشغولة باداء مقدار من المال بعنوان الزکاة ، واذا ما اراد ان يتزوج فعلاً فانه سوف يصرف کل امواله وحينئذ لن يمکنه ان يؤدي الزکاة، مع فرض ان الزواج مستحب له ولن يضره تأخيره الى عدة اشهر ولا يقع بذلک في الحرام، ففي هذا المورد يکون الزواج مشکلا له. الا ان يقال بانه ما المانع من ان نزوج هذا الشخص من سهم سبيل الله، وبذلک يؤدي زکاته ويتزوج؟ الا اننا ذکرنا في باب الزکاة انه ليس کل عمل فيه خير يکون من سبيل الله، فلا يمکن ان تبنى به الجسور او يزوج به العزاب، بل سبيل الله عبارة عن تلک الاعمال التي لها جنبة مذهبية، مثل الجهاد، ومصارف الحوزات ، وتبليغ الاسلام وکذا ارسال المبلغين ، او بناء المدارس الدينية او المساجد. ونحن لا نعتبر ان بناء الحمامات العامة هي من سبيل الله الا في الاماکن التي يؤدي عدم وجود حمام فيها الى ان لا يغسل الناس اغسالهم الواجبة فتتأثر بذلک عبادتهم. فينبغي في المورد ان يکون له جنبة دينية حتى يکون من موارد سبيل الله ، وهذا ما يستفاد ايضاً من الايات القرآنية، حيث يستفاد ان هناک محدودية لسبيل الله وانه لا يشمل کل عمل فيه خير، وعلى هذا فصرف الزکاة لاجل الزواج لا يحسب من سبيل الله في الحال الذي لن يقع فيه هذا الشخص في الحرام.

فليس کل ثواب من سبيل الله ، بل لابد ان يکون ثواباً في طريق تبليغ الاسلام والدين واهداف الدين والجهاد ، ورعاية المساجد والحوزات والمبلغين، وليس هنا محل ان آتي وأبين الايات والروايات واثبت لکم ما هو سبيل الله، بل ما اريد بيانه هو ان لا يقال بصرف الزکاة في مصارف زواج هذا الشخص وان في ذلک ثواباً.

ويرد على ما قد يقال من ان في النکاح نوع عبادة ان عباديته غير عبادية الصلاة والصوم ، وهذا ما سوف نشرحه لاحقاً ان شاء الله.

(واذا استلزم الزيادة على الاربع) فيکون حراماً ايضاً، وکان ينبغي ان لا يمثل (قدس سره) بهذا المثال لانه من امثلة الاقسام الخمسة بلحاظ المنکوح لا بلحاظ النکاح، بينما کلامنا هو في الاقسام الخمسة لنفس النکاح، وفي عبارة الشهيد رضوان الله عليه سوف يأتي انه (رض) ذکر ان النکاح ينقسم بانقسام الاحکام الخمسة بالنسبة الى نفس النکاح وايضاً ينقسم بانقسام الاحکام الخمسة بالنسبة الى المنکوح. والا کان يمکننا ان نمثل في المقام بنکاح الامهات حيث انه حرام، الا ان ذلک بلحاظ المنکوح ، بينما نحن نريد ان نمثل لنفس النکاح کما في مورد مزاحمته للحج.

وقد وقع الخلط بين الحرمة من ناحية نفس النکاح والحرمة من ناحية المنکوح في کلام عدد من الاعلام. فتارة تکون المرأة لا يوجد اي مانع من نکاحها الا ان نکاحها يسبب فوات الحج عليه مثلاً، واخرى يکون هناک مانع في نفس الزواج من المرأة کما إذا کانت خامسة ، وهذا يکون بلحاظ المنکوح لا بلحاظ النکاح.

وعندما نصل الى کلام الشهيد (رض) في القواعد يجب ان ندقق فيه، ففرق بين النکاح في حد ذاته بحسب العنوان الثانوي وبين النکاح بحسب المنکوح، وکل منهما ينقسم الى اقسام خمسة، فالمنکوح مثلاً فيه مشکل بالنسبة لهذا الشخص کملا لو کانت امه، فامه يمکنها ان تتزوج من شخص اخر الا انها لا يمکنها ان تتزوج بأبنها، والمشکلة هنا في المنکوح باعتبار انها کانت اماً له، وکذا بالنسبة للاخت حيث يمکنها ان تتزوج بالغريب عنها دون اخيها. والى هنا نکون قد مثلنا للواجب والحرام (ويکره عند عدم توقان النفس اليه) يقال: تاق يتوق تَوَقَاناً وتَوْقاناً ، وهو بمعنى الاشتياق والسرعة وفيضان دمع العين، فله معان ثلاثة في اللغة ، وهو في المقام بمعنى الاشتياق (مع عدم الطول) أي مع عدم القدرة والامکانات، فان الانسان إذا لم يکن لديه ميل للنکاح ولا القدرة عليه فانه يکره له حينئذ، هذا ما ذکره بعضهم ولذا قال في الحدائق (على قول) . الا اننا لا نقول بذلک، فنحن لا نقول بشرطية التوقان ولا القدرة في استحباب النکاح ، وايضاً بعض اهل السنة قالوا بالمقالة السابقة من انه انما يستحب النکاح مع الميل اليه والقدرة عليه والا فالافضل الترک (والزيادة على الواحدة عند الشيخ) أي ان الشيخ الطوسي (رض) يقول بان الزيادة على الواحدة مکروهة . (وقد يستحب) وهذا هو القسم الرابع ، والاستحباب هنا عرضي وهو غير الاستحباب الذاتي لنفس النکاح، دققوا جيداً فهناک استحبابان للنکاح، استحباب بالذات واستحباب بالعرض (کنکاح القريبة) اذ يجمع فيه بين الاستحباب الذاتي للنکاح وصلة الرحم فيتضاعف بذلک استحبابه (على قول للجمع بين صلة الرحم وفضيلة النکاح ، واختاره الشهيد في قواعده وقيل: البعيدة) أي ان البعض قالوا بانه يستحب نکاح البعيدة لا القريبة ، فلا يتزوج من اقربائه ، ويکون فيه الاستحبابان الذاتي والعرضي (لقوله (ص): لا تنکحوا القرابة القريبة ، فان الولد يخلق ضاوياً أي نحيفاً) وهذا ما يذکر في ايامنا من النهي عن الزواج بالاقرباء لانه قد ينتج عنه بعض المشاکل للاطفال مثل المرض والضعف. وتمسک البعض بهذه الرواية وقالوا باستحباب الزواج بغير القريبة وان في ذلک الاستحباب الذاتي للنکاح والاستحباب العرضي بالزواج بالبعيدة اعتماداً على هذا الحديث (وهو اختيار العلامة في التذکرة وعلل بنقصان الشهوة مع القرابة) أي ان الانسان في مقابلة اقربائه يکون احساسه الجنسي ضعيفاً ، فان ابنة الخالة مع ابن خالتها حالهما کذلک باعتبار انهما نشآ معاً منذ الصغر، فلا يکون بينهما ذاک الاحساس الجنسي القوي، وبما ان الشهوة بينهما ضعيفة فان نکاحهما لا يکون قوياً، بخلاف الزواج بالبعيدة والتي لعله لاول مرة يراها حيث ان الانجذاب بينهما يکون اقوى. إذاً علاوة على الحديث ذکروا هذا الاستدلال ايضاً، واتفاقاً ذکر هذا التحليل ايضاً في نکاح المحارم فقيل ان احدى علل حرمة نکاح المحارم هي انعدام الانجذاب الجنسي بين الاخ واخته مثلاً. وما قد يحصل نادراً من علاقة جنسية بين اخ واخته يکون ناتجاً عن مرض او انحراف جنسي ، فهذا فرد نادر، والا عادة لا يحصل هذا الانجذاب بين الاخ واخته، فهذا التحليل ذکر ايضاً في نکاح المحارم.

(اقول) وهذا من کلام صاحب الحدائق، والتفتوا هنا جيداً حيث ان ها هنا مسألة سوف تنحل خلال البحث (الظاهر ان الخبر المذکور عامي حيث لم ينقل في کتب اخبارنا) وهذا الکلام کبير فعلاً، حيث انه في زمان لم تکن فيه هذه الوسائل الحديثة يأتي فقيه مثل صاحب الحدائق ويقول بأن هذا الحديث لا يوجد في أي کتاب من کتبنا الحديثية، ونحن قد قمنا ببحث في الکمبيوتر حول کلمة (ضاوياً) وکانت النتيجة هي ان هذه الکلمة لا توجد لا في البحار ولا في المستدرک ولا في الوسائل ولا في الکتب الاربعة ولا في أي کتاب معروف من کتبنا الحديثية ، فيعلم بذلک مقدار التتبع الذي کان عند علمائنا (ره) في کتب الاخبار بحيث ان عقولهم کانت تعمل مثل الکمبيوتر ، فصاحب الحدائق نرى انه يقول قاطعاً (حيث لم ينقل في کتب اخبارنا)، ثم يقول (قدس) (وقد ذکره ابن الاثير في نهايته ، والظاهر ان القول المذکور للعامة تبعهم فيه العلامة في التذکرة) والشهيد الثاني في کتاب النکاح من المسالک يذکر نفس هذا الکلام ، ولعل صاحب الحدائق (قدس) لم ير کلام الشهيد في المسالک (واستدل عليه بما استدلوا به) أي ان العلامة (قدس) استدل في التذکرة بما استدل به العامة من نقصان الشهوة. فصاحب الحدائق يريد ان يضعف کلام العلامة بان الرواية ليست من رواياتنا مضافاً الى ان التعليل المذکور هو ايضاً للعامة (واما المباح فهو ما عدا ذلک) اي غير ما سبق، بان لا يکون مقدمة لواجب ولا مقدمة لحرام، ولا ان يطرأ عليه عنوان يوجب استحبابه او کراهته فاذا لم يکن أي من العناوين التي توجب اتصافه بحکم من الاحکام الاربعة موجوداً فانه حينئذ يکون مباحاً بالعنوان الثانوي رغم استحبابه بالعنوان الاولي. وبهذا ينتهي ما اردنا نقله من الحدائق.

ويمکن ان نمثل للقسم الرابع بالشخص الذي عنده شوق للنکاح وايضاً عنده القدرة والامکانات عليه ولا يزاحمه لا واجب ولا حرام ولا مکروه فالنکاح حينئذ يکون مباحاً له بالعنوان الثانوي ومستحباً بالعنوان الاولي.

بحث حول الزواج بالاقارب

وقد کان هناک بعض المسائل في کلام صاحب الحدائق اوضحتها لکم اثناء البحث، الا ان هناک نکتة لابد من ان اتعرض لها هنا، وهي حول ما ذکر من نکاح الاقارب، حيث نجد ان هذه المسألة حولها کلام کثير في ايامنا بينما في الفقه لم يتعرض لها الا قليلاً . ففي ايامنا يقولون ان الزواج من الاقارب غير مستحسن، ولا يقولون انه حتماً يکون سبباً لمرض في الطفل، نعم هو خلاف الاحتياط، لماذا؟

لانه قد يکون الاب عنده مرض مخفي في داخله الا انه يکون ضعيفاً ، والام ايضاً قد يکون عندها نفس ذاک المرض المخفي وايضاً يکون ضعيفاً، وعندما يتولد الطفل يترکب في داخله المرضان فيظهر فيه المرض قوياً ، ومثال ذلک مرض (التلاسيميا) أي مرض قلة الدم، وهو على نوعين : قوي، وضعيف، والضعيف يقال له (مينر) ، وهذا النوع الضعيف موجود في کثير منا . فاذا کان الاب لوحده يحمل هذا المرض – الضعيف – دون الام فان الولد يکون مصاباً بالنوع الضعيف (مينر) وهذا لا يسبب مشکلة للولد، وکذ لو کان الامر بالعکس. واما لو کان کلا الوالدين مصاباً بالتلاسيميا الضعيفة فان الولد حينئذ يتولد مصاباً بالنوع القوي منه لا الضعيف . وهذا المرض موجود في ايامنا والى الان لم يتم اکتشاف دواء له، ولابد للمريض به ان يزرق دائماً کميات من الدم في عروقه والا فيموت . إذاً نکاح الاقارب بذاته لا يوجب حصول المرض، بل انما يوجبه في بعض الحالات فيما لو کان کلاً من الابوين يحمل المرض نفسه بنسبة ضعيفة فان الولد حينئذ يتولد حاملاً له بنسبة قوية.

فتکون النتيجة انه ان اجرى ابن العم وابنة العمة مثلا فحوصات طبية وثبت انهما لا يحملان المرض المذکور فلا مانع حينئذ من زواجهما ، وما ورد في الرواية النبوية من النهي فانه احتياط لاجل ان لا يخرج الولد ضاوياً، يعني ان يکون في معرض الابتلاء بمرض التلاسيميا او ما شابهه من امراض تکون مخفية في کل من الوالدين.

ومن هنا اريد ان اخرج بنتيجة حول ما نراه في الاحاديث من زواج الائمة عليهم السلام من اقربائهم وخصوصاً زواج علي عليه السلام من فاطمة الزهراء عليها السلام، وهي :

اولاً: ان ذلک من موارد الاستثناء التي تصح في کل قانون.

ثانياً: انهم (عليهم السلام) کانوا يعلمون بعدم وجود مشکلة من هذا القبيل، ولذا فانهم عليهم السلام انجبوا اولاداً شجعاناً اقوياء علماء معصومين ، ولم يکن عندهم أي مشکلة مرضية.

ونحن ايضاً في عائلتنا عندنا نفس التجربة، حيث ان کثيراً من الزيجات في عائلتنا هي بين الاقارب ، ونرى ان الاطفال هم من الاذکياء والمتفوقين ولا يعانون من أي مشکلة مرضية من هذا القبيل.

إلا انه في بعض الاحيان قد تقع المشکلة أي يخرج الولد ضاوياً ونحيفاً ، ولذا يقال بالاحتياط وعدم الاقدام على هکذا زواج.

وهذا المرض موجود بين غير الاقارب ايضاً الا ان احتماله بالنسبة للاقارب اقوى بکثير ، باعتبار وحدة الدم بينهم ، فاذا ما کان الاب حاملاً للمرض فان الام کذلک ، واما غير الاقارب فان الاب إذا کان حاملاً للمرض فالام يحتمل قوياً ان لا تکون حاملة له، وقد تکون حاملة له. الا انه کما ذکرنا احتمال تعرض الاقارب للامراض المخفية اکثر ونسبته المئوية اعلى.

سؤال: هل ان (القرابة القريبة) تشمل النسل الثالث والرابع؟

الجواب: کلا ، القرابة القريبة لا تشملهم.

ثم ان لنا اشکالاً آخر على صاحب الحدائق (قدس) حيث انه (قدس) نقل في کلامه ان من لا رغبة له بالنکاح وايضاً لا يقدر عليه فان النکاح مکروه له حينئذ، وهذا ما ذکره بعض العامة والخاصة. الا انه لا دليل على ذلک حيث ان روايتنا ظاهرها عام في هذا المجال، تشمل من عنده رغبة ومن ليس عنده، فالنکاح مستحب لکليهما ، وسيأتي مزيد توضيح لذلک فيما بعد ان شاء الله، وفلسفة النکاح غير منحصرة باشباع الغريزة الجنسية.

واما فقد المال وقلته التي يتحدث عنها القرآن فهي ليست مانعاً ايضاً ، فالرواية تقول: (الرزق مع النساء)، فلماذا اذن نقول ان عدم القدرة والامکانات تسبب الکراهة، او ان عدم الرغبة تسبب الکراهة ؟ هذا الکلام غير صحيح.

نعم هناک بعض الاشخاص لا رغبة له بالنساء بل حتى يتنفر منهن ولا يطيق ان يسمع ذکرهن لانه يسبب له تقلباً في نفسه، ونحن لا نتحدث عن مثل هذا البعض لانه مريض، بل نتحدث عمن لا رغبة لديه أي لا ميل، لا عمن عنده نفرة .

وعلى کل حال الى هنا نکون قد ذکرنا الاقسام الخمسة للنکاح مع امثلتها مضافاً الى بعض المسائل الاخرى.

وصلى الله على سيدنا محمد واله الطاهرين

 

 

پایگاه اطلاع رسانی دفتر مرجع عالیقدر حضرت آیت الله العظمی مکارم شیرازی
سامانه پاسخگویی برخط(آنلاین) به سوالات شرعی و اعتقادی مقلدان حضرت آیت الله العظمی مکارم شیرازی
تارنمای پاسخگویی به احکام شرعی و مسائل فقهی
انتشارات امام علی علیه السلام
موسسه دارالإعلام لمدرسة اهل البیت (علیهم السلام)
خبرگزاری دفتر آیت الله العظمی مکارم شیرازی

الامام الصادق (ع)

من فطر صائما فله مثل اجره

هر که روزه داري را افطار دهد اجرش همانند اجر او باشد

ميزان الحکمة 6/394