البيع المطلب 19

35-أحکام النظر

نقلنا بالامس رواية عن ابن وهب وکان البحث في انه معاوية بن وهب او شخص آخر. ونحن قد نقلنا هذه الرواية من الجزء الثالث من الکافي الصفحة 155، وقد حقق بعض السادة حول هذه الرواية فوجدوا انها موجودة في مکانين آخرين هما: الکافي الجزء الثالث الصفحة 206 ـ والتهذيب الجزء الاول الصفحة 344. وفي کلا هذين الموردين بدل (ابن وهب) ذکر (وهب بن وهب)، وعليه يتضح حال الرواية من رأس، لأن وهب بن وهب ليس ثقة. وايضاً بدل (المرأة تموت في بطنها الولد) ورد في هاتين الروايتين (المرأة يموت…) وهو الشيء الذي قلنا انه افضل. وفي آخرها ايضاً جملة اضافية مفيدة هي (اذا لم ترفق به النساء) فيکون المعنى انه انما يجوز للرجل ان يدخل يده في رحم المرأة حتى يقطع الولد الميت ويخرجه فيما لو لم تقدر النساء على القيام بهذا العمل. فهذه الجملة الاضافية تصلح جواباً لما ذکره بعض السادة من احتمال کون المقصود بالرجال هنا المحارم أي الزوج، لأنه مع التقييد باذا لم ترفق به النساء يعلم ان المقصود من الرجال غير المحارم. فدلالة الحديث جيدة على جواز النظر واللمس حال الضرورة، ولکن سندها مشکل، فتصلح مؤيداً فقط لاثبات هذا الاستثناء.

وقد انتهينا بالامس الى مکاتبة محمد بن الحسن الصفار التي استدل بها صاحب الجواهر (قده) وقد تبين مما ذکرناه بالامس ان سندها معتبر. والملاحظ في سند هذه المکاتبة انه عبر عن الامام العسکري(ع) بـ "ابي محمد"، وهذا شاهد على ما ذکرناه في کتاب القواعد الفقهية في ذيل قاعدة القرعة من انه لا مانع في زماننا من ذکر اسم الامام الحجة (ع)، وفي کتبنا الروائية لم يضعوا ثلاث نقاط مکان اسمه الشريف. فما يقال من ممنوعية ذلک يختص بحال التقية في تلک الايام، وقد رأيتم لابد انه قد ذکر اسمه الشريف في زيارة آل ياسين.

واما متن الحديث فهو:

(في رجل اراد ان يشهد على امرأة ليس لها بمحرم هل يجوز له ان يشهد عليها من وراء الستر ويسمع کلامها اذا شهد عدلان) من محارمها (انها فلانة بنت فلان التي تشهدک وهذا کلامها، او لا تجوز الشهادة عليها حتى تبرز وتثبتها بعينها؟) وخلاصة السؤال هي انه في مقام الشهادة هل يجوز النظر أو لا؟ (فوقع عليه السلام: تتنقب وتظهر للشهود ان شاء الله) ثم ترفع نقابها امام الشهود لأنه يجوز ذلک في مقام الشهادة.

وکما ذکرنا بالامس لا دلالة لهذه الرواية على المطلوب بناءً على مبنانا من جواز النظر الى الوجه والکفين، لأن ما ينظر اليه عند الشهادة عادة هو الوجه لا اکثر والمفروض انه يجوز النظر اليه عندنا وعند المشهور وحتى عند صاحب الجواهر، نعم هو مکروه، فيکون کلام الامام (ع) مفيداً لرفع هذه الکراهة عند الشهادة، والتنقب هو لمراعاة هذه الکراهة. اذن لا ربط لهذه الرواية بمسألة الحرمة.

نعم لو کان مضمونها هو الشهادة على المرأة التي تدعي ان زوجها ضربها وان آثار الضرب لا زالت على عضدها مثلاً فتکشف عنه لتري ذلک للشهود لکانت حينئذ شاهداً لما نحن فيه، أي ان ضرورة الشهادة حينئذ کانت تبعث على النظر الى بدن غير المحارم، الا ان مضمونها ليس کذلک کما بيّنا.

خلاصة البحث

ثبت بشکل قطعي من جميع ما ذکرناه في هذه البحوث سواء في قاعدة الاهم والمهم والضرورة او الروايات الخاصة او العامة انه يجوز النظر واللمس في الموارد التي يکون هناک هدف اهم لا يحصل الا بذلک، فلأجل النجاة من الخطر الاهم ولأجل دفع الضرورات يحل النظر واللمس المحرّمين، کما يحل أکل الميتة عند الضرورة. من غير فرق بين ان تکون هذه الضرورة في مقام الشهادة او المعالجة او عند البيع او النکاح او الحرق والغرق وغير ذلک، فالعنوان واحد والمصاديق متعددة.

سؤال: کيف نتصور الضرورة في البيع؟

الجواب: في بعض الاوقات يکون البيع لازماً، کما لو بعنا البيت لإمرأة وکان نصف الثمن نقداً ونصفه الآخر نسيئة، ولعله في المستقبل تقع منازعة حول مقدار النسيئة او تقع مشکلة معينة للبيت فيحتاج الى معرفة المشتري بعينه، فلابد من رؤيته، منتهاه انه في البيع اکثر ما يحتاج الى رؤية الوجه وهو جائز على کل حال.

بقي هنا امران

الأمر الاول: وهو واضح، وهو ان کثيراً من الفقهاء عندما يبحثون مسألة الاستثناء هذه يصرحون بأنه انما يجوز النظر واللمس بمقدار الحاجة لا اکثر.

وهذا دليله واضح، لأن الضرورات تتقدر بقدرها. فمن يضطر الى اکل الميتة يجوز له اکل المقدار الذي ينجيه من الخطر فقط، ومن يجوز له اکل اموال الآخرين في المخمصة والقحط انما يجوز له ذلک بمقدار الحاجة لا ان يأکل کل ما يشتهيه وذلک لأن الاصل هو حرمة النظر واللمس وخرجنا عن هذا الاصل بمقدار دفع الضرورة والحاجة فيبقى الزائد داخلاً تحت مقتضى الاصل، وليس في هذا المعنى أي شک او ترديد.

الأمر الثاني: ونتناول فيه احدى المسائل المستحدثة وهي انه هل يلزم في الجهاز الطبي للحکومة الاسلامية ان يجري الاعداد لکي لا تحتاج النساء الى الاطباء الرجال ولا يحتاج الرجال الى الطبيبات النساء، طبعاً من غير المحارم في کليهما؟ فهل ان مشروع انطباق الطب على الموازين الاسلامية الذي طرح وصوّب في مجلس الشورى لازم شرعاً أو لا؟

يعني هل ان ذلک وظيفة شرعية ام انه مستحب فقط؟

ان هذا العمل واجب طبق موازيننا الفقهية، لأن المسافر مثلاً اذا کان يعلم بأنه ان لم يحمل معه زاداً کافياً سوف يضطر في وسط الصحراء الى اکل الميتة فان کل الفقهاء حينئذ يقولون له: ان کنت تتيقن او تحتمل احتمالاً قوياً بأنک سوف تقع في ذلک فان عليک ان تهيّأ المقدمات لکي لا ينتهي بک الحال الى مثل هذا الاضطرار، وتستفيد من الحلال بدل الحرام.

وهذه قاعدة عقلية، والعقل يحکم بانه يحق للمولى ان يؤاخذ عبده المأمور بتهيئة حوائجه فيما لو قصر في ذلک ولم يحمل معه المقدار الکافي من الماء والطعام مما سبب عطش هذا المولى مثلاً او جوعه. صحيح انه حينئذ يجب عليه ان يأکل الميتة لأجل الحفاظ على حياته ولکنه مع ذلک يکون عاصياً. فهل وجوب هذا الشيء عقلي ام شرعي؟

کما تعلمون هناک بحث في ان من توسط ارضاً مغصوبة هل يکون خروجه منها واجباً شرعاً أم عقلاً؟ وهل ان ذلک مصداق للمعصية واقعاً، أو بحسب تعبير الآخوند في الکفاية: يجري عليه حکم المعصية، او لا؟ وليبقى النزاع في هذا البحث في محله الا ان الشيء المسلّم هو ان هذه مقدمة واجب، ومسلّم ايضاً انه اذا تخلف يکون عاصياً، وعليه فنقول في محل کلامنا:

نحن نعلم انه اذا لم يکن عندنا جامعات طبية للنساء على حدة وللرجال على حدة وکذا اذا لم يکن عندنا مستشفيات خاصة لکل من النساء والرجال وايضاً اذا لم يکن عندنا العدد الکافي من الاطباء والطبيبات فاننا سنبتلي بتلک الضرورة حتماً.

فهل يجب علينا ان نمنع من وقوع هذه الضرورة بعد سنوات بتهيئة ما يلزم من الآن کما کنا نوجب ذلک في مسألة ابتلاء المسافر بأکل الميتة أو لا؟

لاشک في انه يجب على الحکومة الاسلامية طبق موازيننا الفقهية وفقهنا الجواهري ان تهيّأ المقدمات لرفع هذه الضرورات بالمقدار الکافي. ولا علاقة لنا بما يصنع في بقية انحاء العالم لأننا لسنا مقلدين لعباد الدنيا بل نتبع ثقافتنا وما يأمرنا به مذهبنا.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين

 

18-تتمّة البحث السابق

ويظهر من جماعة المنع للاجماعات المدعاة في کلمات الأصحاب، ولکن حکى عن العلامة في التذکرة الجواز وانه تبعه على ذلک جماعة من متأخرى الأصحاب.

اقول: الانصاف انه لا دليل على المنع اذا لم يناف التصرف لحق المرتهن وکون العين وثيقة، لان الاجماع غير ثابت مع مخالفة من عرفت، والعجب من صاحب الجواهر في کتاب الرهن حيث اسند هذا القول إلى وسوسة بعض المتأخرين، وقد عرفت ان المخالفين جماعة من اعلام المتأخرين تبعا للعلامة في التذکرة.

هذا مضافا إلى الاشکال في حجية مثل هذه الاجماعات لو ثبتت، لاحتمال استنادهم إلى بعض مايأتى الاشارة إليه.

وغاية ما استدل به للمنع بعد الاجماع الذي عرفت ضعفه امران احدهما: عموم المرسلة المشهورة ((الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف)).

ثانيهما: ما اشار إليه غير واحد من ان الوجه في المنع هو القصد إلى بعث الراهن إلى اداء دينه، اذ لو جاز له الانتفاع من العين المرهونة ضعف الداعي إلى ادائه.

ويرد على الاول مضافا إلى عدم کفاية استدلال جماعة بالمرسلة، لجبران ضعف سندها، ان القدر المتيقن منه التصرفات المنافية لحق المرتهن أو لحقيقة الرهن وهذا قسم خاص من التصرفات کما لايخفى.

واما مثل التصرف في الدار المرهونة بالسکونة فيها مع حصول الوثاقة بکونها في يد المرتهن أو کون اسناده عنده، وکذا رکوب الدابة المرهونة ووطى الامة کذلک، لادليل على شمولها لها.

وعلى الثاني: بانه استحسان ظنى لادليل عليه من العقل والشرع، وانما الثابت منهما کون العين المرهونة وثيقة على الدين بحيث اذا لم يؤده اخذ منها وهذا الذي يستفاد من روايات الباب، ومن بناء العقلاء، واما کونها داعية إلى اداء الدين فهو امر غير ثابت.

اضف إلى ذلک ما ورد في روايتين معتبرتين من جواز وطى الامة المرهونة وان ذهب المشهور إلى خلافه، حتى ادعى الاجماع على ترک العمل بهما، ولکن قد عرفت ان المسألة ليست اجماعية.

مضافا إلى ما يظهر من غير واحد من المجمعين من ان المانع لهم عن العمل بمقتضى الروايتين ظنّ مخالفتها لمقتضى حقيقة الرهن.

قال في المسالک ما حاصله: (انه لما کان الرهن وثيقة لدين المرتهن ولم تتم الوثيقة الا بالحجر على الراهن وقطع سلطنته ليتحرک إلى الاداء فمن ثم منع الراهن من التصرف في الرهن) ولکن قد عرفت عدم المنافاة وان ما ذکره اخيرا استحسان محض لادليل على اعتباره.

بل الذي يظهر من صريح کلمات الشيخ في الخلاف جواز الانتفاع بالعين المرهونة للراهن وان کان لايجوز له اجارتها للغير واليک نص عبارته:

قال في المسألة 58: (منفعة الرهن للراهن دون المرتهن وذلک مثل سکنى الدار وخدمة العبد ورکوب الدابة وزراعة الارض ... وبه قال الشافعى وقال ابوحنيفة منفعة الرهن تبطل، فلاتحصل للراهن ولا للمرتهن ... إلى ان قال: دليلنا انه لادليل على بطلان هذه المنفعة، ولا على دخوله في الرهن فيجب ان يکون للراهن لان الاصل له).

وروى ابوهريرة عن النبي (ع) انه قال: ((الرهن محلوب ومرکوب)) فاثبت للرهن منفعة الحلب والرکوب ولاخلاف انه ليس ذلک للمرتهن فثبت انه للراهن.

وانت ترى انه صرح في غير موضع من هذا الکلام بجواز انتفاع الراهن بمنافع العين المرهونة ولم ينقل الخلاف فيه عن أصحابنا، بل نقله عن المخالفين.

ثم ذکر في المسألة التالية لها (المسألة 59) انه «ليس للراهن ان يکرى داره المرهونة أو يسکنها غيره الا باذن المرتهن فان اکراهها وحصلت اجرتها کانت له.

وذکر في المسألة 20 انه (لا يجوز للراهن ان يطاء الجارية المرهونة سواء کانت ممن تحبل أو لاتحبل ... دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم تدل على ذلک لانها عامة في المنع عن وطيها ولم يفرقوا).

والذي يتحصل من هذه المسائل الثلاث جواز تصرف الراهن في العين المرهونة وانتفاعه بها مطلقا، نعم لايجوز اکرائها للغير وکذا لايجوز وطى الجارية المرهونة لدليل خاص ورد فيها.

هذا ولکن لانجد في شيء من روايات الباب دليلا على نفي جواز الوطى بل قد عرفت وجود روايتين معتبرتين على جوازه فلعله کان دليل عنده ولکن هذا المقدار غيرکاف لاثبات المنع عن الوطى،ولو کان فلعل حکمته کونها في معرض الحبل والاستيلاد وبطلان الرهن وهذا غير جار في ساير الانتفاعات.

ومما ذکرنا ظهران الذي جرت عليه سيرة کثير من المؤمنين من رهن الدار في مقابل الدين فيما اذا بقى شيء من ثمنه، ثم يسکنها المالک حتى يؤدى دينه، وکذا رهنها واسکان المرتهن فيها باذن الراهن لا مانع له شرعا ولادليل على حرمة هذه التصرفات لاوضعا ولاتکليفا.

بل الدليل قائم على جوازها، لبقاء المنافع على ملک الراهن، وعدم منافاة الانتفاع لحقيقة الرهن والمانعون منعوا منها لشبهة حصلت لهم.

وعلى القول بالمنع يکون جميع هذه التصرفات غير جائزة ولابد من بقاء الدار المرهونة متروکة لايسکنها الراهن ولاالمرتهن لانهما ممنوعان من التصرف ولاغير هما بطريق اولي وهذا من العجائب.

وقال في الحدائق: بعد الحکم بعدم جواز تصرف المرتهن لانه غير مالک: اما الراهن فظاهر الأصحاب کما عرفت انه کذلک، وهو بالنسبة إلى ما يخرجه عن کونه رهنا کبيع وعتق ونحوهما، أو يوجب نقصانه کاجارة ونحوها مما لااشکال فيه واما التصرف بما لا يوجب شيئا من ذلک کتزويج العبد وتقبيل الامة وتعليمها الصنعة ونحو ذلک فلادليل عليه الا ان يدعى الاجماع في المقام ... وبالجملة فانى لا اعرف لهم دليلا على مايدعونه من العموم الا دعوى الاجماع کما سمعت ... وفيه ما عرفت في غير موضع) انتهى.

وما ذکره مؤيد لما اوردناه من عدم ثبوت اجماع في المسألة وعدم الاعتبار به لو ثبت.

وقد تلخص مما ذکرنا ان تصرف الراهن في العين المرهونة على انحاء.

1ـ منها ما يوجب نقله عن ملکه کالبيع والهبة والوقف وغيرها من اشباهها فهذا الامر لايجوز بغير اشکال لمنافاته لحقيقة الرهن وحق المرتهن.

2ـ منها ما يوجب نقصه من بعض الجهات کاجارته وشبهها، والظاهر أيضاً جوازه لو لم يناف کونه وثيقة للدين کما هو المتداول في عصرنا من جعل الدار مرهونة في سندها عند البنوک وغيرها في مقابل الدين، ولا يهمهمأيشخص يسکنها لامکان استيفاء الدين منها على فرض عدم ادائه باخراج الساکن منها سواء المالک وغيره ـ والظاهر عدم الحاجة إلى اذن المرتهن أيضاً لان المفروض عدم منافاته لحقه.

3ـ ما لايوجب نقصا فيها من التصرفات المختلفة کالانتفاع بها بالسکونة والرکوب وغيرهما فهذا امر جائز للراهن من دون حاجة إلى اجازة المرتهن، ويجوز للمرتهن باجازة الراهن.

والعمدة فيه ان ملکه بالنسبة إلى المنافع باق على حاله، وليس الرهن مانعا من استيفائها لعدم منافاته لمقتضى عقد الرهن وحق المرتهن ولم يقم دليل من اجماع ونحوه على خلافه.

بل و لعل السيرة أيضاً قامت عليه لانهم لايترکون الارض أو البستان أو الدابة المرهونة هملا مادامت في الرهن، بل ينتفعون بها.

بل ظاهر غير واحد من الروايات انهم کانوا ينتفعون منها في تملک الازمنة فراجع الباب 01 من ابواب الرهن تجدها شاهد صدق على ما ذکرنا ففي رواية ابن سنان يعنى عبدالله عن أبي عبدالله (ع) قال: قضى اميرالمؤمنين (ع) في کل رهن له غلّة ان غلّته تحسب لصاحب الرهن مما عليه.

وما رواه اسحاق بن عمار عن أبي عبدالله (ع) (في حديث) انّه سأله عن رجل ارتهن دارا لها غلّة لمن الغلة؟ قال: لصاحب الدار. فيعلم من هذه الروايات ان غلّة الارض لصاحب الرهن ومالکه، فلو لم يجز له استيفاء المنافع فکيف تکون غلته ـأيکرائه ـ له.

بل المستفاد من غير واحد من روايات هذا الباب کالرواية الرابعة والخامسة انه لو انتفع المرتهن منها يحسب غلتها من الدين، وينقص من مبلغه، فهذا أيضاً دليل على جواز انتفاع المرتهن من العين المرهونة في الجملة مع ضمان القيمة الا اذا اباحها الراهن له فحينئذ تباح له بغير عوض کما هو ظاهر، وهذا أيضاً دليل على جواز التصرفات من الجانببين.

4ـ لو کان لها نمائات کثمر الاشجار ولبن الحيوان فالظاهر انه لا کلام ولا اشکال في کونها للراهن فانه ملکه ولا وجه لدخولها في الرهن بعد ان لم يکن ومن الواضح ان الانتفاع بالثمرة واللبن لا ينفک عن بعض التصرفات فيها.

والانصاف ان الأصحاب (رضوان الله عليهم) لم يودوا هذه المسألة حقها، ولم يبحثوا عنها بحثا لايقا بها والحق ما عرفت والله العالم.

الثاني: لا اشکال في جواز بيعه باذن المرتهن فاذا باع الراهن باذن المرتهن أو بدون اذنه ثم اجاز، وقلنا بصحته کما عرفت، صح البيع وبطل حق الرهانة في العين فيملکه المشترى فيه بلاخلاف ولا اشکال على ما ذکره سيدنا الحکيم في نهج الفقاهة.

وفي الواقع يصير الرهن فکا آناما قبل البيع فيقع البيع في ملک طلق لاجازة المرتهن الذي هو صاحب الحق.

ولکن الکلام في انه هل ينتقل هذا الحق إلى الثمن فيکون رهنا أم لا؟

حکى عن المشهور عدمه وعن المبسوط والتحرير والدروس الاول.

والانصاف انه لادليل على ذلک ما لم تقم قرينة عليه لان مجرد اجازة البيع لاتکون قرينة على کون الثمن رهنا ولعله من قبيل الغاء الرهانة نعم اذا اقترن بقرينة عدم رفع اليد عن الرهن فمعناه کون الثمن رهنا والظاهر حصول ذلک بمجرد الشرط ويکون من قبيل شرط النتيجه فتأمل.

ولنعم ما قال في الحدائق في المقام حيث قال لم يحضرنى الآن تصريح احدهم بالحکم المذکور (اى کون الثمن رهنا) ويمکن ترجيح العدم بان حق المرتهن تعلق بالعين فلايتعدى إلى الثمن الا بدليل وليس فليس.

وبه قال في الرياض أيضاً ويظهر من المسالک أيضاً اختياره فراجع.

ولو اتلفه متلف فهل يکون العوض رهنا کما يظهر من بعض کلمات الرياض.

ويمکن تعليله بان الحق تعلق بالعين بذاتها وبماليتها فاذا ذهبت العين وبقيت المالية کانت متعلقه للرهن وهذا نظير ما ذکروه في باب ضمان اليد وانه يتعلق بالعين وماليتها فاذا تلفت بقى الوجوب في المالية.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

17-السابع: في شرائط الناظر والمتولّي للوقف

الاولي: ان يجعل النظر لنفسه، ففي هذه الصورة لاوجه لاشتراط العدالة أو الوثاقة.

قال في الحدائق: متى قلنا ان النظر للواقف ابتداء أو مع شرطه فهل تشترط عدالته أم لا؟ ظاهر الأصحاب الثاني، وبه قطع في التذکرة مع احتمال اشتراطها، لخروجه بالوقف عن الملک ومساواته لغيره، فلابد من اعتبار العدالة في التولية کما تعتبر في غيره ... والمسألة محل توقف لعدم النص.

اقول: لاينبغي الريب في عدم الاشتراط لعموم ادلة مضى الشروط واطلاقات ادلة صحة العقد على حسب ما يوقفه الواقف، وايّ نص اوضح من ذلک؟ واي دليل على اعتبارها بعد وضوح هذه العمومات والاطلاقات؟ والمفروض انه خرج عن ملک الواقف بهذا اللون وهذا الاشتراط لامطلقا.

واما ما ورد في وقف مولانا اميرالمؤمنين عليه افضل صلوات المصلين من اعتبار الرضا بهداه وإسلامه وامانته (اعني الناظر في امرالوقف) فهو لايدل على اعتبار هذا الشرط مطلقا بل يدل على اعتباره (ع) بالخصوص في مورد وقفه (ع) لاکل وقف.

الثانية: ان يجعل الواقف التولية والنظر لغيره مع عدم عدالته أو وثاقته حال الوقف فالظاهر أيضاً صحته لعين مامرّ من الدليل.

نعم اذا کان ثقة أو عدلا حال العقد ثم زالت عنه هذه الاوصاف امکن القول بعزله اذا کانت من قبيل القيد فيه لامطلقا.

الثالثة: ما اذا لم يجعل الواقف النظر لالنفسه ولالغيره وکان الوقف خاصا وقلنا يکون النظر حينئذ إلى الموقوف عليهم.

والظاهر أيضاً هنا عدم الاعتبار لان المفروض کون الملک أو المنافع لهم فلهم النظر في اموالهم من دون اشتراط العدالة والوثاقة کما في سائر تصرفات المالکين في اموالهم، ولکن لايخلو من اشکال بالنسبة إلى البطون الاتية ولذا ذکرنا الاحتياط بضم الحاکم الشرعي معهم.

الرابعة: اذا کان من قبيل الوقف على الجهات العامة أو من قبيل فک الملک وکان النظر فيه إلى الحاکم فليس له ان يجعل النظر فيها الا إلى من يوثق به، وذلک لوجوب رعاية الغبطة في تصرفات الولي ومنه الحاکم الشرعي.

هذا ولو ثبت خيانة المتولي المنصوب من قبل الواقف (سواء کان نفسه أو غيره) أو خيف ذلک فالاقوى وجوب ضم الامين إليه من قبل الحاکم الشرعي، لانه ولي على الجهات العامة، وعلى الاوقاف الخاصة بالنسبة إلى الطبقات الآتية کولايته على الغُيّب والقُصّر.

واما اذا کان المتولي أو الناظر منصوبا من قبل الحاکم فانه ينعزل عن مقامه اذا خرج عن الوثاقة من غير حاجة إلى عزله، لان المفروض ان صلاحيته لذلک مشروطة بها.

الثامن: في من يملک الوقف العام أو الخاص:

اختلف کلمات الأصحاب في من يملک العين الموقوفة بعد تمام الوقف بل اختلفت کلمات العامة أيضاً.

فعن المشهور منّا خروجه عن ملک الواقف، وقال الاکثر بدخوله في ملک الموقوف عليهم.

ولکن هناک اقوال اخر:

1ـ بقائه على ملک الواقف.

2ـ خروجه عن ملکه وبقائه بلامالک.

3ـ دخوله في ملک الموقوف عليهم في الوقف الخاص دون الوقف العام.

4ـ دخوله في ملک الله تبارک وتعالى.

وفتاوى العامة أيضاً مختلفة کما عرفت فعن المالکية انها باقية على ملک الواقف وعن الحنفية والشافعية بقائها بلامالک.

وعن الحنابلة انتقالها إلى الموقوف عليهم.

والاولي ـ کما في المسالک ـ ان يبحث في مقامين:

الاول: في خروجه عن ملک مالکه وعدمه.

والثاني: في دخوله في ملک غيره وعدمه.

اما لاول: فالذي يدل عليه (على خروجه عن ملک الواقف) امور:

1ـ ارتکاز العرف والعقلاء لما عرفت من ان الوقف ليس من محدثات الشرع الإسلامي بل کان دارجا بين الاقوام قبل الإسلام أيضاً کما مرّ في بعض الروايات من ان المجوس وقفوا على بيوت النار کما انه نعلم بوجود الکنائس والبيع وما اوقفت عليها من الازمنة السابقة على الإسلام.

ومن الواضح ان الارتکاز العرفي يشهد على خروج الوقف عن ملک مالکه وقطع سلطنته عنه بالمرة وقد امضاه الشارع المقدس الإسلامي بعد عدم ردعه عنه.

2ـ لامعنى لبقائه على ملک مالکه بعد قطع سلطنته عنه إلى الابد.

3ـ ظاهر التعبير بالصدقة في غير واحد من روايات الباب ومايفهم من اطلاق هذا اللفظ هو التعبير الوارد في بعض روايات الباب من قوله «صدقة واجبة بتلة» وغير ذلک شاهدة على خروجها عن ملک مالکه لان الصدقة على ما يتبادر منها تقتضي خروجها عن ملک مالکها لاسيما مع تاکيدها بالوجوب والبتل.

ان قلت: قد ورد في بعض روايات الباب وفي کلمات الأصحاب ان الوقف حبس العين وتسبيل الثمرة اليس المراد من الحبس بقائه في ملک مالکه محبوسا.

قلت: کلاّ، بل المراد حبسه في ملک الموقوف عليهم کما لايخفي على من راجعها.

واما الثاني: فالظاهر ان يقال بالفرق بينما کان فکا کالمسجد، فانه لايدخل في ملک احد، بل هو کالتحرير بالنسبة إلى العبد، ولکن قد عرفت انه يمکن القول بدخول هذا القسم في ملک الله کما هو المرتکز في عرف المتشرعة فتامل.

واما في الموقوفات الخاصة فالظاهر دخولها في ملک الموقوف عليهم، للارتکاز الذي قد عرفته، ولما يظهر من التعبير بالصدقة، فانها نوع تمليک بمن يتصدق عليه، مضافا إلى ان بقاء الملک الخاص بلامالک بعيد جدا، وقياسه على المال المعرض عنه (فانه يبقى بلامالک) کما ورد في «تتمة العروة» في کتاب الوقف قياس مع الفارق، وکذا دخوله في ملک الله بمعناه الخاص هنا مما لادليل عليه، وان کان هو مالک الملوک ومالک السموات والارضين.

وکذا الکلام بالنسبة إلى الوقف على الجهات العامة فان المالک هو الجهة، کما في ملک السادة بالنسبة إلى سهم الخمس، والله العالم بحقائق الامور.

من شرايط العوضين عدم الرهن

قد عرفت اشتراط کون الملک طلقا وخرج به الوقف وقد مرّت تفاصيله، وتخرج به العين المرهونة أيضاً، لکونها متعلقة لحق الغير، وهو المرتهن، فالراهن ممنوع من التصرف فيها، فلا تقع العين المرهونة لامثمنا ولاثمنا.

واللازم اولا نقل کلمات الأصحاب في المقام ثم البحث عن ادلة المسألة.

اما الاول: فقد عبّر جماعة ـ کما في المفتاح ـ انه لايصح بيع الرهن بدون اذن المرتهن.

وعبّر آخرون بأنه لايجوز ذلک.

وهناک تعبير ثالث عن المقنعة والمبسوط والخلاف والمراسم والغنية والسرائر وهو انه لوباع کان البيع باطلا.

واستظهر بعضهم من الحکم بالبطلان عدم صحته ولو اجاز المرتهن، ولکن صرح في محکي النهاية بعد الحکم بالبطلان بأنه ان أمضى المرتهن مافعله الراهن کان ذلک جائزا ماضيا.

وعلى کل حال فقد ذکر في الجواهر بعد بيان هذا الحکم قوله (لاخلاف اجده بل الاجماع عليه بقسميه)

والظاهر ان المسألة اجماعية کما افاده، ويدل عليه مضافا إلى ما ذکر، امور:

1ـ أن جواز بيعه ينافي حقيقة الرهن، لانه شرّع للوثوق باداء الدين، حتى سمى وثيقة، وهذا يتوقف على بقائه على حاله، وما في بعض کلمات سيدنا الحکيم من عدم المنافاة لانه لامانع من ان يکون حق الرهانة قائما بالعين ولو انتقلت من الراهن إلى غيره کما ترى، لانه لاوجه له بعد کون قيام حق الرهانة بها باعتبار کونها ملکا لمالکه فانه دائن لاغيره.

وان شئت قلت: المفروض تعلق حق المرتهن به، وحقه هو استيفاء الدين منه لوتاخر المديون عن اداء دينه، وهذا غير ممکن على فرض بيعه وانتقاله من الراهن المديون.

2ـ النبوى المرسل المشهور: ((الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف)).

والقدر المتيقن منه مثل البيع والصلح والهبة واشباهها وقد حکى في الجواهر في کتاب الرهن استدلال غير واحد من الأصحاب به فتأمل.

هذا کله ظاهر انما الکلام في انه لو باعه بدون أذن المرتهن فهل تجرى فيه أحکام الفضولي أم لا؟

المتحصل من کلماتهم کون المسألة ذات اقوال:

احدها: انه کالبيع الفضولي فان قلنا بالصحة هناک قلنا به هنا، ويدل على الصحة العمومات الدالة على صحة العقود، وکون المقتضى للصحة موجودا والمانع مفقودا، مضافا إلى ما ورد من التعليل في صحة نکاح العبد اذا اجاز مولاه، من أنه ((لم يعص الله تعالى وانّما عصى سيده فاذا اجاز، جاز)).

ثانيها: ان الصحة هناک لاتلازم الصحة هنا لوجود الفارق بين المسألتين، وحاصل الفرق ان الفضولي انّما يصح بيعه لانه ينوى ايقاع العقد على وجه النيابة عن المالک ثم اذا اجاز المالک صح بيعه، ولو وقع العقد بنية الاستقلال کان حراما باطلا، ومن الواضح ان المالک الراهن لايمکنه ايقاع العقد على وجه النيابة عن المرتهن لکونه مالکا لايجرى في حقه هذا القصد، فبيع الفضولي يقع على وجهين احدهما صحيح بالاجازة والاخر باطل، ولکن بيع الراهن لايقع الا على وجه واحد باطل وهو تصرف حرام لاتصححها الاجازة.

وقد نقل هذا الوجه شيخنا الاعظم عن بعض معاصريه، ونقلناه ملخصا.

وانت خبير بما فيه من الاختلال لان صحة بيع الفضولي غير منوطة بقصد النيابة عن المالک کما عرفت في محله ومجرد اجراء صيغة العقد ولو بنية الاستقلال ليس حراما ممنوعا ولذا حکموا بصحة بيع الغاصب لنفسه اذا اجاز المالک فيقع لهأيللمالک.

هذا مضافا إلى امکان قصد النيابة بالنسبة إلى حق المرتهن لان المفروض ان له حق في العين المرهونة.

وبالجملة: لا ينبغى الشک في عدم کون البيع هنا اسوء حالا من بيع الفضولي.

ثالثها: ان الامر هنا اسهل والصحة اوجه لصدور البيع عن اهله، وهو المالک، ووقوعه في محله، وانه يمکن القول بالصحة هنا مع القول ببطلان بيع الفضولي وهو المحکى عن أيضاًح النافع وهو کذلک لان بعض الادلة النافية هناک لايجرى هنا، مثل قوله ((لا بيع الا في ملک)) أو ((لاتبع ماليس عندک)) لان الملک هنا حاصل.

وبالجملة: لاينبغى الکلام في صحة البيع هنا بناء على المختار من صحة الفضولي بعد اجازة المرتهن.

بل وکذلک اذا صدر البيع عن المرتهن کما هو واضح.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

16-الخامس: في شرائط الموقوف عليهم

واشار إلى هذه الشروط الاربعة في الشرائع والنافع والتذکرة والارشاد والتحرير والتبصرة والدروس وجامع المقاصد والمسالک والروضة ويستفاد عن النهاية والمبسوط والوسيلة والغنية والسرائر وجامع الشرائع.

واستدل في الحدائق على بطلان الوقف على المعدوم ابتداء باتفاقهم ظاهرا على ان الوقف نقل المنفعة أو العين إلى الموقوف عليهم والمعدوم لايصلح لذلک، وکذا الحمل لانه وان کان موجودا الا انه غير صالح للتملک مادام حملا، ولا يقاس ذلک بالوصية لانه بالنسبة إلى المستقبل.

اقول: ولذلک لا يوجد الوقف على المعدوم بين العقلاء من اهل العرف أيضاً وهذا هو العمدة في المقام، والا الامر في امور الانشائية سهل، ولا مانع عقلا من انشاء التمليک لمن سيوجد في المستقبل.

نعم الوقف لهم تبعا للموجودين صحيح بلا اشکال وعليه استقر ديدن العقلاء من اهل العرف وورد التصريح به في النصوص والفتاوى في الوقف على البطون.

ومنه يظهر حال الشرط الثاني اعني التعيين، لان غير المعين کالوقف على احد اولاده، أو واحدة من عناوين العلماء أو الشعراء والحجاج أيضاً غير معقول، بل امره اصعب من المعدوم الذي سيوجد في المستقبل، لان غير المعين غير موجود في الخارج مطلقا والملک انما يتصور في الوجود الخارجي لا الموجود الذهني.

واما صحة التملک فقد ذکر لاخراج العبد لو قلنا بعدم صحة تملکه، وهذا في مورده من القضايا التي قياساتها معها، لانه لو فرض عدم صحة تملکه فلا معنى للوقف عليه الذي هو التمليک وهو واضح.

ومن هنا قد اشکل الامر على صاحب الحدائق ـ قدس سره ـ ومن تبعه في الوقف على المساجد وشبهها، فانها غير قابلة للتملک عندهم مع ان جواز الوقف عليها مما لا خلاف فيه.

وقد ذکر في حل الاشکال ان الوقف فيها في الحقيقة على المسلمين لکن بشرط صرفها في مصارف خاصة!.

ولکن الانصاف کما عرفت سابقا انه لامانع من کون المسجد أو المدرسة مالکا لشيء، وان امر الملک سهل جدا، يجوز جعله لإنسان أو لعنوان أو لشيء غير ذي روح کالمسجد أو المدرسة ويصير مالکا بعد التمليک ولا حاجة إلى التأويل بعد جوازه في عرف العقلاء واشتهاره بينهم وعدم ردع الشارع منه.

وقد استظهر من بعض کلمات الصدوق المنع من الوقف على المساجد لما رواه مرسلا عن الصادق (ع) قال سئل الصادق (ع) عن الوقوف على المساجد فقال: ((لا يجوز فان المجوس وقفوا على بيوت النار)).

وما رواه أبوالصحاري عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له: رجل أشترى دارا فبناها فبقيت بيت غلّة أيوقفه على المسجد؟ فقال: ((ان المجوس وقفوا على بيت النار)).

ولکن الظاهر انهما واحد وقد اعرض الأصحاب عنهما، مضافا إلى ضعف سند الاول بالارسال والثاني بالجهالة بابي الصحاري بل دلالة الثاني على الخلاف اوضح کانه يقول کيف لايجوز ذلک ووقف المجوس على معابدهم والمسلمين اولي بذلک ودلالة الاول مخدوش باختلاف النسخ.

واما الشرط الرابع اعني تسويغ الوقف فهو بنحو کلي أيضاً من القضايا التي قياساتها معها ولکن ذکروا عند بيان مصاديقه انه لايجوز الوقف على الکافر ثم وقع الخلاف فيه، وذکروا فيه اقوالا کثيرة عمدتها ثلاثة اقوال:

1ـ الجواز مطلقا.

2ـ المنع مطلقا.

3ـ التفصيل بين الحربي والذمي، أو بين الارحام وغيرهم، أو بين الابوين وغيرهما.

وقد شرح القول في ذلک في مفتاح الکرامة عند قول العلامة ـ قدس سره ـ وفي وقفه على الذمي خلاف. فراجع.

والتحقيق ان يقال: عمدة ادلة البطلان امران:

1ـ الوقف يحتاج إلى قصد القربة ولا يتحقق في الوقف على الکافر.

وفيه ما عرفت من عدم الدليل على اعتبارها في الوقف، مضافا إلى امکان قصد القربة بالنسبة إلى کثير من الکفار، کالوالدين الذين امر الله تعالى بمصاحبتهما في الدنيا معروفا.

او الذين لم ينهانا الله عن برّهم، لانهم لم يقاتلونا في الدين ولم يخرجونا عن ديارنا، أو لدعوتهم إلى الإسلام وجلب قلوبهم، أو لحسن سمعة المسلمين في العالم من طريق عون المحرومين أو غير ذلک مما هو کثير في هذه الاعصار.

2ـ قوله تعالى: ]لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو کانوا آبائهم أو ابنائهم أو اخوانهم أو عشيرتهم[ ومن الواضح ان الوقف عليهم من المؤادة المنهية عنها فلا يجوز.

والجواب عنه يظهر مما مرّ فان المنهي عنه هو الموادة في حق من حاد الله ورسوله، لا مطلق الکفار الذين تجوز العشرة معهم بالمعروف ويحل برّهم وصلتهم کما هو صريح بعض الآيات التي اشرنا إليها.

فالحق هو التفصيل بين موارد جواز البرّ والمعروف وموارد النهي عنه، فيصح الوقف في الاول دون الثاني، وهذا تفصيل آخر في المسألة غير ما مرّت الاشارة إليه، ويمکن ارجاع کلمات المفصلين إليه بان يکون تفصيلهم من قبيل ذکر بعض المصاديق.

ان قلت: الحرمة التکليفية لا تکون دليلا على الفساد والحرمة الوضعية في هذه الابواب، فلا يکون الوقف فاسدا وان کان محرما.

قلنا: الاقوى دلالته على الفساد في امثال المقام الذي تکون القدرة على الحرام بنفس اثر العقد کما اخترناه في بيع السلاح لاعداء الدين، وبيع العصير لمن يعمله خمرا، وکيف يصح في حکمة الحکيم ان يمنع عن تقوية اعداء الدين ومع ذلک يجعل بيع السلاح لهم صحيحا ماضيا، وهل هذا الانقض للغرض؟!

وهذا بخلاف بيع وقت النداء فان المزاحم لصلوة الجمعه هو نفس البيع واما کونه مؤثرا في النقل والانتقال لادخل له، والحاصل انه قد يکون نفس التملک الحاصل بالبيع أو الوقف من الامور الدافعة إلى فعل الحرام وقد لا يکون کذلک، ففي الاول لايبعد الحکم بالبطلان للملازمة في حکم العقل من حيث نقض العرض واما الثاني فلا موجب للبطلان.

ومما ذکرنا تعرف انه لاوجه للتمسک بالعمومات للصحة في هذه الصورة کما ورد في کلمات کثير منهم کعموم الوقوف على حسب ما يوقفها اهلها وشبهه لانها مخصصة بما ذکرنا من الدليل.

وکذلک الوقف لاعمال محرمة کمن وقف اشجار الکرم لتجعل اعنابهاخمرا وينتفع بها الفساق وارباب الفجور، أو يوقف داره لانواع الفسق والفجور کل ذلک باطل وقفه.

ومما ذکرنا ظهر الفرق بين الکافر الذمي والحربي، بل الکافر الحربي أيضاً يتفاوت فيه ما يوجب دعوته إلى اللإسلام أو ينقص من بغضه وعداوته وما ليس کذلک، وما يکون من قبيل البرّ الذي يصح في حق الوالدين وغيره.

وببإلي انه منع الشهيد في بعض کلماته الوقف على الصوفية (ومثلهم من ارباب البدع) نظرا إلى خطرهم على الإسلام والمسلمين کما لا يخفي على من سبر حالهم وعلم شيئا من بدعهم اعاذنا الله منهما.

السادس: في حق النظر والتولية

لاريب في ان الوقف يحتاج غالبا إلى من ينظر فيه ويستصلح ويقوم بامره، وبدونه يکون معرضا للخراب والخروج من حيز الانتفاع أو نقص منافعها.

وحينئذ فان عيّن الواقف من يقوم بهذا الامر فلا کلام فيه، سواء کان نفسه أو غيره، والظاهر عدم الخلاف فيه، ولذا قال في الحدائق: (صرح الأصحاب من غير خلاف يعرف بانه يجوز للواقف ان يجعل النظر لنفسه في الوقف ولغيره أيضاً).

ويدل عليه عموم ادلة صحة الوقف، وان الوقوف على حسب ما يقفها اهلها، وکذا ادلة صحة الشروط وان المؤمنين عند شروطهم.

مضافا إلى الروايات الکثيرة الحاکية عن وقف المعصومين ـ عليهم السّلام ـ مثل ما دل على وقف الحوائط السبعة من ناحية فاطمة (ع) وجعل التولية والنظر فيها إلى اميرالمؤمنين (ع) ثم إلى اولاده الحسن والحسين ـ عليهما السّلام ـ وغيرهما وما دل على وقف علي (ع) وجعل النظر للحسن (ع)، ثم للحسين (ع) واوضح منها ما ورد من الناحية المقدسة عن محمد بن عثمان العمري عن صاحب الزمان (ع) ((...واما ما سألت عنه من امر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة ويسلمها من قيّم يقوم فيها ويعمرها ويودي من دخلها خراجها ومؤنتها ويجعل ما بقي من الدخل لناحيتنا فان ذلک جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيّما عليها انما لا يجوز ذلک لغيره)) إلى غير ذلک مما يشبهها.

انما الکلام فيما اذا لم يعيّن احدا، فهل الولية والنظر للواقف، أو الموقوف عليهم، أو الحاکم الشرعي، أو في المسألة تفصيل بين انحاء الوقف والمباني المختلفة فيها من التمليک للموقوف عليهم وعدمه؟

هنا اقوال کثيرة، والذي ينبغي ان يقال ان الواقف بعد الوقف کالاجنبي اذا لم يجعل النظر لنفسه، فاحتمال کونه متوليا على الوقف منتف، الا ان يکون هناک انصراف في انشاء الوقف بحسب العرف والعادة بحيث کان کالشرط المبني عليه العقد وان کان غير مذکور.

واما الموقوف عليهم فان قلنا بدخول العين في ملکهم سواء في الوقف الخاص کالوقف على الاولاد، أو الوقف على الجهات العامة، کالوقف على حجاج بيت الله الحرام او طلاب علوم الدين، فلا يبعدان يکون حق النظر لهم في الوقف الخاص،لان الفرض انهم ما لکون لها،وان کانت موقوفة مقطوعة.

اللهم الا ان يقال انه يجوز نظرهم بالنسبة إلى حقهم، واما بالنسبة إلى الطبقة التالية غير الموجودين في الحال، فلا يجوز لهم النظر في حقهم، بل هولاء من هذه الجهة کالغُيّب والقُصّر يکون امرهم إلى الحاکم الشرعي فالاحوط لولا الاقوى ضم الحاکم إلى الموقوف عليهم في الاوقاف الخاصة.

اما الوقف على الجهة العامة فلا يبعد کون النظر فيه إلى الحاکم، لانه الولي بالنسبة إلى الامور العامة.

نعم لو کان مصداق الجهة (مثل الطلاب و ... ) افرادا محدودة معدودة، الاحوط ضم وکيلهم إلى الحاکم الشرعي لما مرّ.

واما الوقاف التي من قبيل فکّ الملک کالمساجد والقناطر والشوارع (على احتمال) فلا ينبغي الريب في کون امرها إلى الحاکم.

ولو لم نقل بالملک في الاوقاف الخاصة، بل قلنا ببقائها على ملک المالک فيحتمل کون النظر إليه، ولکن سيأتي ان بقائها على ملک الواقف بعيد جدا.

وان قلنا انه فکّ ملک دائما فلا يبعد أيضاً السابق بين الاوقاف الخاصة والعامة لان المفروض کون منافعها لهم وهذا مما يفرض لهم حق النظر وکذا لو قلنا انه ملک لله.

والحاصل ان للمسألة صورا اربع:

الاولي: ان يجعل الواقف النظر لنفسه أو لغيره، لفرد أو لجماعة، فذلک صحيح بالادلة العامة والخاصة.

الثانية: ان لا يجعله لاحد ولکن کان الوقف خاصا فالاحوط لولا الاقوى، اشتراک الحاکم والموقوف عليهم في النظر (سواء قلنا بملکهم للعين الموقوفة أم لا).

الثالثة: ان يکون الوقف على الجهات العامة وامره حينئذ إلى الحاکم الشرعي والاحوط ضم وکيل الموقوف عليهم معه ان کانوا محدودين، معدودين.

الرابعة: ما يکون من قبيل فک الملک کالمساجد والامر فيه إلى الحاکم الشرعي بلا اشکال.

بقي هنا امران

احدهما: انه لامانع من تعدد «المتولي» و «الناظر» کما هو المعمول في اعصارنا احيانا فوظيفة المتولي القيام باصلاح الوقف وجمع منافعه وتنميته وعمرانه وغير ذلک، وامّا الناظر فهو کالعين المراقب عليه ويرشده ويشير إليه، ويکون نظره متبعا على نحو شرط الواقف،وهذا مما لااشکال فيه اذا کان من قبل الواقف نفسه، وکذا يجوز للحاکم الشرعي ان يجعل الناظر غير المتولي اذا اقتضت المصلحة ذلک.

ثانيهما: اذا انقرض المتولي والناظر في الوقف أو حدث به حادث يمنعه عن القيام بوظيفته أو لم يعلم بتعيين الواقف ذلک أو علم ولکن لم يعلم شخصه لفقد سند الوقف مثلا، أو غير ذلک، فاللازم حينئذ الرجوع إلى المسائل الثلاثة الاخيرة طابق النعل بالنعل، لان ذلک حکمهبحکم عدم التعين من قبل الواقف، اللهم الا ان يدور الامر بين شخصين أو اشخاص معدودين وحنيئذ الاحوط عدم الخروج عن امرهم.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

15-الثاني: اعتبار قصد القربة في الوقف وعدمه

ولکن المحکي عن المفاتيح العدم وظاهر کلام المسالک أيضاً ذلک.

والظاهر عدم اعتباره في حقيقة الوقف وماهيته بحسب ارتکاز (العرف والعقلاء بل المتشرعة منهم، وغاية ما استدل به له امران:

1ـ ما ذکره في الحدائق من صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي ابراهيم (ع) حيث قال: ((هذه صدقة واجبة بتلة حيا انا أو ميتا ينفق في کل نفقة ابتغى بها وجه الله... )).

ومثله ما ورد في وقف الامام موسى بن جعفر (ع) أيضاً حيث قال: ((تصدق موسى بن جعفر (ع) بصدقته هذه وهو صحيح صدقة حبسا بتا بتلا مبتوتة لارجعة فيها ولاردّ ابتغاء وجه الله والدار الاخرة ... )).

ولکن من الواضح ـ کما اعترف هو أيضاً به ـ ان مجرد کون وقفهم (ع) مشتملا على القربة، مثل سائر اعمالهم، لايقتضي الاشتراط، غاية الامر کون هذا کمال المطلوب، لا ان الوقف لايصح بدونه.

2ـ ما اشار إليه في الجواهر والحدائق من اطلاق عنوان الصدقة على الوقوف في روايات الباب، بل صرح في الجواهر بعدم ذکر غير هذا العنوان فيما اوقفه المعصومون ـ عليهم السّلام ـ على ما ورد في النصوص.

مع ان المعتبر في الصدقة، القربة، کما ورد في صحيحة الفضلاء (هشام وحماد وابن اذينه وابن بکير وغيرهم) عن أبي عبدالله (ع) لاصدقة ولا عتق الا ما اريد به وجه الله عزّ وجلّ.

ولکن يمکن الجواب عنه او لا: انه لادليل على اعتبار هذا العنوان في جميع انواع الوقف بل الظاهر انه قد يراد به الصدقة وحينئذ لامحيص الا عن قصد القربة وقد لايراد به ذلک فلا وجه لاعتبارها فيه حينئذ ومجرد ذکر هذا العنوان في وقف الائمة ـ عليهم السّلام ـ لادلالة له على المدعى کما عرفت.

وثانيا: المعروف بل ادعى الاجماع عليه انه يصح الوقف من الکافر على معابدهم وکنائسهم، مع انه لايصح قصد القربة منهم، والقول بانها تمشى ممن يعتقد بالله ولا تصح من الدهرية کما ترى، لان مجرد قصد القربة غير کاف بل لابد من امکان التقرب الذي لايصح من الکافر قطعا.

وثالثا: حمل الروايات على نفي الصحة دون نفي الکمال يحتاج إلى تأمل، لان عدم صحة العتق بدون القربة لايخلو عن اشکال، لقول بعضهم بصحته عن الکافر مع انه لاتصح منه القربة کما عرفت فتأمل، ومن جميع ما ذکرنا يعلم ان الاقوى عدم اعتبار القربة في الوقف وان اعتبر في العتق.

الثالث: في اعتبار القبض في الوقف

قال في المسالک لاخلاف بين أصحابنا في ان القبض شرط لصحة الوقف فلا ينعقد بدونه ... فيکون القبض جزء السبب التام للملک.

ولکن الظاهر من المحقق في الشرائع عدم لزوم الوقف بدونه حيث قال ولايلزم الا بالاقباض، وذکر في الحدائق أيضاً انه لاخلاف في اشتراط القبض في صحة الوقف وتمامه ... وربما عبر بعض بانه شرط في اللزوم والظاهر انّ مراده هو ما ذکرنا لامايتبادر من ظاهر هذه العبارة.

وعلى کل حال العمدة في المسألة ما ورد في غير واحد من روايات الباب:

منها: ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن صفوان بن يحيي عن أبي الحسن (ع) قال: سألته عن الرجل يقف الضيعه ثم يبدو له ان يحدث في ذلک شيئا، فقال: ((ان کان وقفها لولده ولغيرهم ثم جعل لها قيّما لم يکن له أن يرجع فيها، وان کانوا صغارا وقد شرط ولايتها لهم حتى بلغوا فيجوزها لهم لم يکن له أن يرجع فيها، وان کانوا کبارا ولم يسلمها إليهم ولم يخاصموا حتى يحوزوها عنه، فله ان يرجع فيها، لانهم لايحوزونها عنه وقد بلغوا)).

ومنها: ما رواه عبيد بن زراره عن أبي عبدالله (ع) انه قال في رجل تصدق على ولد له قد ادرکوا، قال: ((اذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث، فان تصدّق على من لم يدرک من ولده فهو جائز)). الحديث.

ولکن ليس فيها التصريح بالوقف بل بالصدقة واطلاقها عليه کثيرا غير کاف في اثبات المقصود.

ومنها: ما رواه في اکمال الدين بسنده عن صاحب الزمان (ع) قال: ((اما ما سألت عنه من الوقف على ناحيتنا وما يجعل لنا، ثم يحتاج إليه صاحبه، فکل ما لم يسلم فصاحبه فيه بالخيار، وکل ما يسلم فلا خيار فيه لصاحبه احتاج أو لم يحتج افتقر إليه أو استغنى عنه)).

ودلالته وان کانت ظاهرة ولکن لايظهر منه بل ولا من غيره من روايات الباب اعتبار القبض في جميع انحاء الوقف، وانما يستفاد منها اعتباره في الاوقاف الخاصة، اما في مثل المسجد والوقف على الجهات العامّة فلا، فالقول باشتراط القبض في خصوص الاوقاف الخاصة دون غيرها قوى.

فرع: يظهر من اطلاق بعض کلماتهم تحقق القبض في وقف المسجد والمقبرة بصلاة شخص واحد فيه أو دفن واحد فيها، واشترط بعضهم کونه باذن الواقف، وبعض آخر بکونه بنيّة القبض.

والانصاف ان القبض امر عرفي يختلف باختلافات المقامات، ولا يبعد حصول القبض ولو بجعل المسجد والمقبرة في اختيار المسلمين حتى ولو لم يصل فيه احد، ولم يدفن فيها احد مثل ما يقال من کفاية تخلية اليد مع الاعلام في کثير من المقامات، فاشتراط الوقف بالصلوة والدفن بالفعل لا موجب له على الاقوى.

هذا ويظهر مما مرّ من الروايات في حکم الصغير وان القبض بالنسبة إليه حاصل لان کون المال بيد ابيه کاف في ذلک بعد کونه وليا عليه، انه لايشترط في القبض والاقباض هنا أيضاً نية القبض وشبه ذلک. فتدبر جيدا.

والحاصل ان کون المسجد والاوقاف العامة تحت يد المسلمين کاف في حصول حقيقة القبض، ولا يحتاج إلى الانتفاع منها بالفعل بالصلوة والسکونة وشبه ذلک.

هذا کله على فرض القول بلزوم القبض فيها وقد عرفت قصور الادلة عن اثباته.

الثالث: في شرائط العين الموقوفة

قد ذکروا لها شرائط اربعة: ان يکون: عينا، مملوکة، ينتفع بها مع بقائها ويصح اقباضها.

اما اعتبار کونه عينا: انما هو لنفي الوقف في المنافع أو الکلي أو المبهم (فان العين تطلق في مقابل الثلاثة)، والوجه في الجميع ظاهر لان المنافع لا تبقى عينها، والکلي غير قابل لحبس العين وتسبيل الثمرة، والمبهم مما لا يمکن الانشاء عليه، مضافا إلى عدم تعارف شيء منها في عرف العقلاء الذين يوخذ هذه الموضوعات منهم.

واما کونها مملوکة: فدليله واضح لعدم السلطة على الوقف من غير کون الواقف مالکا.

وکذا کونها مما ينتفع بها مع بقائها أيضاً: ظاهر، لاخذ هذا المعنى في حقيقة الوقف.

واما صحة الاقباض: فلما مرّ آنفا من اشتراط القبض في صحته بمقتضى بعض النصوص والفتاوى ولکن عرفت قصور الادلة عن اثبات وجوب القبض في غير الاوقاف الخاصة وعلى کل حال يظهر مما ذکرنا صحة الوقف في الاموال غير المنقولة کالضياع والعقار والدور والآبار والابنية وغيرها.

بل وفي جميع الاموال المنقولة التي لها بقاء مع امکان الانتفاع بها کالظروف والفرش والکتب، بل الحيوانات حتى الکلب والسنور وشبههما اذا کان لها مالية ولها منافع عقلائية محللة معتدّ بها.

واما الدراهم والدنانير والفلوس فالظاهر عدم صحة وقفها، لان منفعتها انما تکون بصرف عينها کالمأکولات والمشروبات فلا يمکن تحبيس العين وتسبيل الثمرة فيها.

وفرض منافع لها مع بقاء عينها فرض نادر لاينوط به امثال هذه الاحکام.

الرابع: في شرائط الواقف

الظاهر انه لايعتبر فيه شرط خاص ماعدا الشروط المعتبرة في جميع العقود من البلوغ، والرشد، وکمال العقل، وعدم الحجر، والاختيار، والقصد، فهذه الستة، من الشروط المعتبرة في جميع العقود المالية معتبرة هنا للادلة التي ذکرت في محلها ـ وقد ذکرناها في مباحث البيع مع دلائلها ولانحتاج إلى التکرار، فراجع.

نعم قد ذکروا هنا اشتراط مغايرة الواقف، للموقوف عليه کما في التذکرة ، فلا يجوز ان يقف الإنسان شيئا على نفسه، وقد حکى الاجماع عليه من غير واحد من أصحابنا، وصرح في الجواهر بعدم وجدانه خلافا في ذلک.

ويدل عليه مضافا إلى ما ذکر، ما يتبادر من مفهوم الوقف عند العقلاء من اهل العرف والمتشرعة منهم، فانه لايشمل الوقف على نفسه فلا يدخل تحت العمومات.

اضف إلى ذلک انه لامعنى لتمليک الإنسان شيئا لنفسه، فان الوقف في مثل هذه المقام تمليک، وکيف يتصور مثل هذا التمليک.

وقد حکى عن بعض اهل الخلاف ان هذا امر جائز، للفرق بين التمليکين، فالاول طلق، والثاني محبوس، ولکنک خبير بان الفرق بينهما معلوم، ولکن الاشکال في تمليک ماله لنفسه فان هذا امر غير معقول وان اختلف احکامهما.

نعم لو کان هناک عقد يقتضي حبسه على نفسه امکن التوصل به إليه، وهذا غير موجود في العقود العقلائية ولو کان موجوداً لم يکن داخلا في عنوان الوقف.

وفي بعض الروايات الواردة (في الباب الثالث من ابواب الوقوف من الوسائل) ما يشعر به أيضاً فراجع.

بقي هنا امران:

1ـ اذا وقف شيئا على نفسه وعلى غيره فالظاهر بطلان الوقف بالنسبة إلى حقه، وصحته بالنسبة إلى غيره، والوجه فيه ما عرفت من بطلان الوقف على نفسه، مضافا إلى انه لا مانع من نفوذه في حق غيره، نظير بيع ما يملک وما لا يملک.

وفي مقابل هذا الوجه، قول بصحة الجميع للغير! کما استظهر من بعض کلمات الشيخ، وأيضاً احتمال البطلان في الجميع لعدم جواز التبعيض في عقد واحد.

وکلاهما کما ترى، اما الاول: فانه مخالف لصريح قصد الواقف الذي قصد نفسه وغيره، فلا معنى لنفوذه جميعا للغير.

والثاني: أيضاً ممنوع کما عرفت غير مرّة ان التبعض في العقود امر جائز موافق للاصول لانها من قبيل تعدد المطلوب بحسب عرف العقلاء سواء قصد الشخص وحدة العقد أم لا، لان الاغراض الشخصية غير معتبرة في هذه الابواب، فالمقتضي لصحة البعض موجود والمانع مفقود.

2ـ لو وقف مسجدا فلا اشکال في جواز صلوته فيه، واما لو وقف شيئا للفقراء أو العلماء والطلاب أو المرضي أو ابناء السبيل، ثم صار منهم، أو کان من الاول داخلا في زمرتهم، فهل يجوز انتفاعه منه؟

قد يقال انه لا يجوز، لانه من قبيل الوقف على النفس، فيدخل في العمومات الدالة على عدم جواز الوقف على النفس، مثل ما رواه على بن سليمان بن رشيد عن ابي الحسن (ع) انه کتب إليه جعلت فداک ليس لي ولد ولي ضياع ... فان وقفتها في حياتي فلي ان آکل منها ايام حياتي أم لا؟ فکتب (ع): ((فهمت في کتابک في امر ضياعک فليس لک ان تأکل منها من الصدقة...)) إلى غير ذلک من الاحاديث الواردة في نفس الباب.

والانصاف ان الاشکال فيه في غير محله لان الوقف على النفس قبل ان يکون باطلا بحکم الشرع باطل بحکم القاعدة العقلية أو العقلائية لان الوقف تمليک والتمليک للنفس من قبيل تحصيل الحاصل.

وما نحن فيه من قبيل التمليک على العنوان وملک الجهة، وليس من قبيل تحصيل الحاصل، وروايات الباب منصرفة عنها، فلو وقف شيئا على الطلاب وانطبق عليه هذا العنوان في المستقبل أو کان منطبقا عليه من اول امره جاز له ان ينتفع به کاحد الطلاب، وهکذا بالنسبة إلى الوقف على المرضي أو ابناء السبيل أو حجاج بيت الله الحرام أو غير ذلک من العناوين.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

14-الوقف المنقطع

ان الانقطاع في الوقف قد يکون من ناحية اخذ الزمان فيه کان يقول وقفت هذا الدار لک عشر سنين، واخرى من جهة عدم بقاء العين الموقوفة بحسب ذاته، کما اذا وقف فرسا أو جملا أو شبه ذلک للجهاد في سبيل الله وزيارة البيت الحرام.

وثالثة: من جهة عدم بقاء الموقوف عليه کما اذا وقف داره لزيد فمات بعد سنين وبقي الدار بحاله.

لا اشکال في بطلان الاول لعدم الخلاف فيه بل الاجماع عليه، والظاهر انه ناش عن اعتبار الدوام في مفهومه عرفا وشرعا، کما انه لا اشکال في صحة الثاني کما يظهر بمراجعة کلماتهم في ابواب الوقف ويشمله عموم الادلة.

انما الکلام في الثالث، اعني ما کان عمر الموقوف عليه محدودا، کما اذا وقف دارا لزيد أو مکتبة لعالم خاص من العلماء، أو غير ذلک ففي صحته وفساده اقوال بين الأصحاب.

قال العلامة ـ قدس سره ـ في القواعد: ولو وقفه على من ينقرض غالبا ولم يذکر المصرف کما لو وقف على اولاده (بلا واسطة) واقتصر ... فالاقرب انه حبس يرجع إليه أو إلى وارثه بعد انقراضهم.

وقال في الحدائق ان فيه اقوالا ثلاثة:

1ـ صحته وقفا.

2ـ صحته حبسا.

3ـ البطلان، وبالاول قال الشيخان وابن الجنيد وسلار وابن البراج وابن ادريس، على ما نقله في المختلف، وبالثاني قال العلامة في القواعد والارشاد وبه قال ابن حمزة، والثالث غير معلوم قائله.

وذکر المحقق في الشرائع فيه قولان: فقال: قيل يبطل الوقف وقيل يجب اجرائه حتى ينقرضوا وهو الاشبه (انتهى).

اقول: قبل الورود في ادلة المسألة لابد ان يعلم الفرق بين (الحبس) و(الوقف) وقد عرفت ان الوقف نوع تمليک، حينما يکون الحبس باقيا على ملک مالکه بالاجماع، وتکون المنافع لغيره، وله اقسام:

قسم منه يسمى بالسکنى کان يجعل سکنى داره لزيد، مدة معلومة، وقسم منه يسمى بالعمري کان يجعل داره له مادام زيد حيا، وقسم يسمى بالرقبى، کان يجعل فرسه أو کتابه أو لباسه ينتفع منه غيره مدة معلومة (وتسميته بالرقبى ناظر إلى مراقبته وانتظاره لهذا الامد).

اذا عرفت ذلک فاعلم: ان العمدة في المسألة هي انه هل يتصور التمليک الموقت بان يقول المالک ملکتک هذا الدار إلى عشر سنين، اولا يصح؟ فان المقام من هذا القبيل، نعم لامانع من التوقيت في المنافع بل هو الغالب، ولکن في العين غير ثابت.

والحاصل انا لانجد في الفقه ولافي عرف العقلاء موردا يکون الملک فيه موقتا حتى يصح انشائه، وقد عرفت فيما سبق ان وجوب الوفاء بالعقود انما هو ناظر إلى العقود المتعارفة الدارجة لاکل عقد مقترح من عند کل إنسان على وفق ميله.

ان قلت: فما تقول في العقد الخياري کبيع الشرط وشبهه.

قلنا: التمليک فيها مؤبد وانما يکون لواحد منهما أو لکليهما حق الفسخ، وهذا لادخل به بالملک الموقت، والحاصل انه ليس التمليک في الاعيان کعقد النکاح له دائم وموقت، بل ليس له عند العرف والعقلاء واهل الشرع منهم الاقسم واحد، وهو المؤبد، فليس لنا انشاء غير المؤبد سواء في البيع والوقف وغيرهما.

ومن هنا يظهر الجواب عن کثير من استدلالات القائلين بالصحة هنا التي تأتي الاشارة إليها.

أدلّة القائلين بصحته وقفاً:

وقد نقل لهم في الحدائق والمسالک والجواهر دلائل کثيرة لادلالة في شيء منها، وحاصل ما يستفاد من هذه الکتب الثلاثة امور:

1ـ الوقف نوع تمليک وصدقة فيتبع اختيار المالک في التخصيص وغيره.

والجواب عنه يظهر مما عرفت آنفا من ان اللازم في انشاء العقود هو القصد إلى ما هو المتعارف بين العرف والعقلاء، لاکل ما يخترعه إنسان بميل نفسه، وما يقترحه على سبيل ارادته.

2ـ الاصل، أو اصالة الصحة، والجواب عنه أيضاً ظاهر فان الاصل في العقود کما مر غير مرة على الفساد وعدم النقل والانتقال حتى يقوم دليل على اجتماع شرائط الصحة أو تشمله العمومات، وان اريد اصالة الصحة في فعل المسلم فهي أيضاً لامجال لها فانها اصل موضوعي والکلامهنا في الشبهة الحکميّة کما هو ظاهر.

3ـ عموم الامر بالوفاء بالعقود وقد ظهر أيضاً جوابه مما مر.

4ـ عموم ما ورد في توقيع الامام العسکري (ع):« الوقوف على حسب ما يقفها اهلها» ، والجواب عنه هو الجواب عن العمومات فان امضاء الوقوف على حسب ارادة الواقفين انما هو ناظر إلى الانحاء المختلفة التي تصح عند العرف والعقلاء في اقسام الوقف. فقد امضاها الشارع بهذه العبارة، لاکلّ ما يخترعه إنسان من قبل نفسه.

5 ـ تمليک الاخير لو کان شرطا في تمليک الاول لزم تقدم المعلول على علته (اي لو وجب في صحة الوقف تمليک بطن آخر بعد البطن الاول مع انه يتلقي الملک عن البطن الاول لزم محذور التقدم).

وفيه اولا: انه ليس المقام من قبيل العلة والمعلول فان هذه امور اعتبارية تابعة لاعتبار المعتبر، ولايجري فيها ما يجري من الاحکام في الامور الحقيقية العينية الخارجية، وکم من خطاء نشاء في مباحث الفقه والاصول عن الخلط بين الحقائق والامور الاعتبارية.

وثانيا: انه ليس تمليک الاخير شرطا لصحة الاول وفي سلسلة العلل ولا الاول علة للاخير بل الجميع في عرض واحد، فالمالک يجعل الملک في عمود الزمان لجيمع الطبقات والبطون واحدا بعد واحد بانشاء واحد من دون ان يکون احدهما علة والآخر معلولا کما في تمليک المنافع في طول الزمان لاشخاص مختلفة بانشاء واحد.

6ـ ما رواه ابو بصير عن أبي جعفر (ع) قال: ((قال أبوجعفر (ع) الا احدثک بوصية فاطمة ـ عليها السلام ـ قلت: بلى، فاخرج حقا أو سغطا فاخرج منه کتابا فقراه: بسم الله الرّحمن الّرحيم، هذه ما أوصت به فاطمة بنت محمّد (ص) أوصت بحوائطها السبعة بالعواف والدلال والبرقة ... إلى علي أبن أبي طالب (ع)، فان مضى على (ع) فإلى الحسن (ع) فانمضى فإلى الحسين (ع))) الحديث.

ولکن يرد عليه

اولا: انه لم يصرح فيها بالوقف بل لعله مجرد وصية ولکن يظهر من بعض روايات الباب ان هذه الحوائط کانت موقوفة من لدن النبي (ص) على اضيافه (ص) ومن يمر به وکانت التولية إليها ـ سلام الله عليها ـ (راجع الحديث الثاني من الباب 10).

ثانيا: انه ليس من قبيل المنقطع على کل حال لعلمها (ع) ببقاء اولادها إلى ابد الاباد لما ورثته من العلوم عن ابيها(عليهما السلام) بل لما ورد في حديث الثقلين المتواتر بين المسلمين.

7ـ هناک روايه اخرى عن الصفار عن أبي محمد العسکري (ع) ربما يستدل به على المقصود قال: کتبت إلى أبي محمد (ع) أسأله عن الوقف الذي يصح کيف هو، فقد روى ان الوقف اذا کان غير موقت فهو باطل مردود على الورثة واذا کان موقتا فهو صحيح ممضى(الحديث).

هذا ولکن لايخفي ما في الجواب من الابهام الظاهر ولو اخذ بعموم الجواب لزم صحة الموقت حتى ما وقع الاجماع على بطلانه.

ومثله ما رواه على بن مهزيار قال: قلت له: روى بعض مواليک عن آبائک ـ عليهم السّلام ـ ان کل وقف إلى وقت معلوم فهو واجب على الورثة وکل وقف إلى غير وقت جهل مجهول فهو باطل على الورثة، وأنت أعلم بقول آبائک ـ عليهم السّلام ـ فکتب (ع) ((هکذا هو عندي)).

فان ظاهرها أيضاً جواز «التوقيت» في الوقف الذي اجمعوا على بطلانه، مضافا إلى انه مخالف لما يستفاد من مفهوم الوقف عرفا، واجاب عنه الشيخ ـ قدس سره ـ في ماحکى عنه بان المراد من الوقف هو (الموقوف عليهم) وکان هذا الاطلاق متعارفا بينهم.

وهذا التفسير لايخلو عن غرابة، ولم يعلم کون هذا متعارفا، وقد ذکر صاحب الجواهر ـ قدس سره ـ أيضاً بان المراد من (الموقت) هو مادام الموقوف عليه موجودا، ومن غير الموقت، اذا انقرضوا.

ويرد عليه ما ورد على الشيخ، سلمنا ولکن کون الوقف صحيحا إلى مدة، وباطلا بعده أيضاً غريب فتامل.

واغرب منها ما افاده ـ قدس سره ـ بان دعوى ان ملک العين لايکون إلى امد وانّها متى خرجت عن ملک المالک يحتاج عودها إلى سبب جديد، واضحة الفساد ... لانها کالاجتهاد في مقابلة النص والفتوى في الوقف الذي قد شرع نقله على هذا الوجه.

هذا وقد عرفت ان النص مبهم من هذه الجهة والفتاوى غير واضحة، وقد کثر الخلاف في المسألة، ولم تتضح بعض الفتاوى وانها ناظرة إلى الحبس أو إلى الوقف.

ومع ذلک کيف يمکن الرکون إليها مع مخالفتها لما هو معروف من الشرع والعرف من عدم الملک الموقت وان الملک على وجه التأبيد.

فالمسألة في غاية الاشکال والحکم بصحته وقفا لايساعده دليل واضح واصالة الفساد محکم.

واشکل منه الحکم بصحته حبسا، بعد تفاوت «الوقف» و «الحبس» بحسب الماهية کما عرفت، فان الاول تمليک العين، والثاني ليس الا تمليک المنافع فما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد.

اللهم الا ان يکون من قصده ذلک واقام قرينة وافية عرفا على مقصوده وهو خارج عن محل الکلام فلا يبقى الا القول بالبطلان (والله اعلم بحقائق الامور).

مسائل مهمة من الوقف

ولما وصل الکلام إلى مباحث الوقف لابأس بالاشارة إلى اهم مسائلها مما يفسح له المجال ولا يخرجنا عن طور البحث، فنقول (ومن المولي سبحانه التوفيق والهداية) هنا امور:

الاول: تعريف الوقف وصيغته

هو عقد، ثمرته تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة، أو اطلاق المنفعة، (وکلاهما واحد) وليس من مخترعات الشرع، بل امر کان دارجا بين العقلاء من قديم الايام إلى زماننا هذا، واللفظ الصريح فيه «وقفت» ولکن قد عرفت غير مرة انه يجوز انشاء العقود بکل لفظ دال عليها، ولو لم يکن صريحا، بل ولا ظاهرا الا بمعونة القرائن، فلو کان ظاهرا ولو بالقرائن کان کافيا في مقام الانشاء، فيجوز انشاء الوقف بلفظ التحبيس والصدقة والتحريم مع قرينه تدل عليه، وهذا کله ظاهر لاسترة عليه.

هذا ولکن الکلام بعد في اعتبار «القبول» فيه، فان کونه من العقود يقتضي ذلک،ولکن من العجب ترک ذکر القبول في کلام کثير من الأصحاب فيه، ومن هنا احتمل بعضهم عدم اعتباره مطلقا، او اذا کان الوقف على جهات عامة، مع ان المعروف بينهم ـ بل ادعى الاجماع عليه ـ انه من العقود، وهذا عجيب.

وذکر في المسالک ان في المسألة اقوالا ثلاثة:

1ـ عدم اعتبار القبول فيه، واستظهره من الاکثر، حيث ترکوا اشتراطه (ولازمه کون الوقف من الايقاعات) واستدل له باصالة عدم الاشتراط وخلّو النصوص عنه، ولانه فک ملک کالعتق.

2ـ اعتبار القبول فيه مطلقا، لا طباقهم على انه من العقود فيحتاج إلى الايجاب والقبول، ولانه تمليک، وادخال شيء في ملک الغير بدون رضاه بعيد، ولاصالة الفساد.

3ـ التفصيل بين الوقف على الجهات العامة فلا يعتبر فيه القبول، لانه فکّ ملک، وبين الوقف الخاص على شخص أو اشخاص معلومين، کالوقف على الاولاد، فيعتبر فيه ذلک، لانه تمليک، وقد يظهر ذلک من کلمات المحقق في الوقف ولعله الاقوى (انتهي ملخصا).

والمسألة مشکلة جدا لانه من جانب لانرى اثرا من القبول فيما عرفت من الاخبار و في اوقاف المعصومين ـ عليهم السّلام ـ مضافا إلى ان السيرة قد جرت على الاکتفاء بانشاء الوقف من ناحية الواقف،لاسيما في الاوقاف العامة، يظهر ذلک لمن راجع سيرة العقلاء من اهل العرف بل، والمتشرعه منهم.

ومن جانب آخر قد ادعى غير واحد من الاکابر الاجماع على کون الوقف من العقود، وانه تمليک، ولا يعهد التمليک من دون قبول.

والاقوى عدم اعتباره في ما يکون من قبيل فک الملک کالمساجد على ما هو المعروف، والقناطر وشبهها على احتمال، لعدم قيام دليل على کونه من العقود، واستبعاد تقسيم الوقف على قسمين في غير محله.

واما في الوقف على الجهة، مثل المدارس والمستشفيات فالاقوى أيضاً عدم اعتباره بعد عدم الدليل على کونه من العقود مطلقا، وعدم حجية الاجماع المدعي، وقد عرفت عدم معهودية قبول الحاکم الشرعي أو غيره لمثل هذه الاوقاف العامه، وادلة نفوذ العقود والايقاعات يشملها، وليس المقام من مقام اصالة الفساد بعد وجود العمومات، ولادليل على وجوب القبول في التمليک على الجهة.

واما الاوقاف الخاصة فالاحوط فيها القبول وان کان لادليل عليه أيضاً يعتد به، لما عرفت من الاشکال على الاجماع المدعي.

والقول بان التمليک لايصح بدون القبول مما لادليل عليه أيضاً، فان الوصية تمليک وغير محتاجة إلى القبول على الاقوى، وليس هذا تصرفا في سلطان الغير بغير اذنه (وقد ذکرنا ما له نفع في المقام في تعليقاتنا على الوصية من کتاب العروة فراجع).

فالاقوى عدم اعتبار القبول في شيء من اقسام الوقف وان کان الاولي القبول من الموقوف عليهم أو وليهم أو الحاکم الشرعي في الاوقاف الخاصة.

بقي هنا امران

1ـ ان الوقف يصح بالمعاطاة کما يصح بالصيغة فلو وقف مسجدا بان بناه بهذه الهيئة وصلى فيه بعض الناس بقصد انشاء کونه وقفا صح وکذا غيره من الاوقاف، ولو اعطى اولاده بعض امواله بقصد الوقف کفى.

بل يمکن ان يقال انه يکفي في مثل المسجد والمدرسة والمستشفي بنائه بهذا القصد على هيئته الخاصة، فان أتم بنائه بهذا القصد ثم مات کان وقفا ولو لم يصلّ فيه احد، او لم يسکن احد لان هذا الفعل بنفسه کاف في مقام الانشاء اذا کان بهذا القصد،نعم هنا اشکال من ناحية القبض تاتي الاشارة إليه ان شاء الله.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

13-الصورة الثالثة من صور جواز بيع الوقف

وقال في (المبسوط): (وانما يملک بيعه على وجه عندنا وهو ما اذا خيف على الوقف الخراب وکان باربابه حاجة شديدة، اولا يقدرون على القيام به فحينئذ لهم بيعه، ومع عدم ذلک لا يجوز بيعه).

هذا ولکن ظاهر العطف بالواو دليل على لزوم الامرين(الخراب والحاجة) اللهم الا ان يقال انه قامت القرينة على انه بمعنى (او) لاسيما بقرينة ذيله.

وحکى في مفتاح الکرامة الاجماع عليه عن الانتصار والغنية وظاهر المبسوط وفقه القرآن.

ولکن في الحدائق بعد عنوان هذا البحث وحکاية الاستدلال له بما يأتي من خبر جعفر بن حيان قال: «واکثر الأصحاب ممن قال بالقول المشهور رموا هذه الرواية بضعف السند».

وعلى کل حال نفي هذا القول غير واحد منهم بعد ان افتى به کثير، والعمدة هنا خبر جعفر بن حيان.

وقد عرفت الکلام في انه ابن حنان أو ابن حيان واختلفت النسخ وکلمات ارباب الرجال فيه بما لايهمنا البحث عنه، لانه على کل حال مجهول، ولايمکن الرکون إليه من هذه الجهة، نعم عمل بروايته جماعة من القدماء والمتاخرين، والراوي عنه ابن محبوب الذي اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، ولکن في کفاية ذلک کله تأمل، وان کان الاعتماد عليه لايخلو عن وجه، لاسيما مع روايته في الکتب الاربعة المعتمد عليها عند الأصحاب، وبالجملة رد السند مع هذه القرائن مشکل، مضافا إلى انالظاهر کون رواية الحميري إلى صاحب الزمان ـ ارواحنا فداه ـ اشارة إليها، کما لايخفي على من راجعها وتدبر فيها.

اما دلالتها فقد اورد عليه في الحدائق بانها غير ظاهرة في کون الوقف مؤبدا، فحملها على غير المؤبد ـ کما هو ظاهرها ـ طريق الجمع بينها وبين ما ذکرنا من الاخبار الصحيحة الصريحة في تحريم بيع الوقف.

واورد عليه أيضاً في (نهج الفقاهة) بان الحاجة وعدم کفاية الغلة فيه اعم من الضرورة الشديدة، وقد اخذ هذا عن شيخنا الاعظم حيث قال: النسبة بين اعتبار الضرورة والحاجة الشديدة، ومطلق الفقر والحاجة، عموم من وجه، فقد يکون فقيراً شرعياً وليس له حاجة شديدة لوجدانه من مال الفقراء ما يوجب التوسعه (ولا يحتاج إلى بيع الوقف) وقد يتفق الحاجة الشديدة لدى بعض الاوقات لمن يقدر على مؤنة سنته.

قلت: ويدفع الاول بانه مخالف لظاهر الحديث بل صريحه حيث صرح فيها بالتوارث مابقي القرابة، والعجب من احتمال الوقف المؤبد مع هذا الکلام الصريح.

ويدفع الثاني بان حملها على صورة الضرورة الشديدة نظرا إلى منع الأصحاب ومناسبة الحکم والموضوع غير بعيد، اللهم الا ان يقال انّ قوله (ع): ((نعم اذا رضوا کلهم وکان البيع خيرا لهم باعوا)) دليل على کفاية الرضا من الجميع، وکون البيع خيرا لهم، من غير اعتبار الحاجة الشديدة، ولکن الانصاف انه شرط زائد على الحاجة المذکورة في السوال المنصرفة إلى الحاجة الشديدة، لما ارتکز في الاذهان من عدم جواز بيع الوقف، والاّ جاز بمجرد رضا الجميع وکون البيع خيرا، ولا يقول به احد.

ومما ذکرنا تعرف ان ما افاده شيخنا الاعظم ـ قدس سره ـ في مکاسبه من ان: (الرواية بظاهرها غير معمول بها) کما ترى، فان مجرد عدم العمل باطلاق الرواية ـ لو فرض لها اطلاق ـ والحکم بتقييدها ببعض الحالات، لا يدل على عدم العمل بها.

هذا واستدل له في المستند ومفتاح الکرامة بما رواه محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان ـ ارواحنا فداه ـ انه کتب إليه: روى عن الصادق (ع) خبر مأثور: اذا کان الوقف على قوم بأعيانهم وأعقابهم فاجتمع اهل الوقف على بيعه وکان ذلک أصلح لهم أن يبيعوه،فهل يجوز أن يشتري من بعضهم ان لم يجتمعوا کلهم على البيع أم لا يجوز الا أن يجتمعوا کلهم على ذلک؟ وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه، فأجاب (ع): ((اذا کان الوقف على امام المسلمين فلا يجوز بيعه واذا کان على قوم من المسلمين، فليبع کل قوم ما يقدرون على بيعه)). (الحديث) وقد مرّ انها تؤيد روايه جابر بن حيّان.

ولکن الانصاف انه دليل على جواز بيع الوقف الخاص من دون اي ضرورة وحاجة بل دليل على عدم حرمة بيع الوقف الا ان يکون على امام المسلمين، فلابد ان يلتمس له محمل من عدم کون الوقف بمعناه المعروف (فراجع وتدبر).

وما افاده في (مفتاح الکرامة) بعد الخبرين من ان ضعف السند والدلالة منجبرة بالشهرة والاجماعات، المعتضدة بالشهرة القديمة، وموافقة الاعتبار، کما ترى، لان ضعف الدلالة لايجبر بعمل المشهور وانما يجبر ضعف السند به فقط.

واستدل في المستند أيضاً بما رواه علي بن مهزيار ولکن لا نرى لها دلالة على هذه المسألة، بل هي ناظرة إلى مسألة وقوع الاختلاف بين الموقوف عليهم، اللهم الا ان من طريق الغاء الخصوصية وهو أيضاً مشکل.

فالعمدة هي (رواية حنان) بما مرّ فيه من الکلام، ولکن لا ينبغي الاحتياط بترک البيع هنا وان کان الاقوى جوازه، وعلى فرض الجواز الظاهر صرف ثمنه في البطن الموجود، الا اذا امکن سدّ خلتهم بشيء منه واشتراء بدل للوقف وان کان اقل من السابق فيجب حينئذ.

الصورة الرابعة من صور جواز بيع الوقف

وقد عبّر في کلماتهم باشتراط الواقف ذلک، قال في الحدائق: (اختلف الأصحاب فيما لو شرط الواقف في عقد الوقف عوده إليه عند الحاجة، والاختلاف هنا وقع في موضعين:

احدهما: في صحة هذا الشرط وبطلانه، والمشهور الاول بل ادعى المرتضى ـ قدس سره ـ الاجماع عليه قال: ومما انفردت به الامامية القول بان من وقف وقفا، جازان يشترط انه اذا احتاج إليه في حال حياته کان له بيعه والانتفاع بثمنه.

وبه قال الشيخ المفيد والشيخ في النهاية وابن البراج وسلار والمحقق في الشرائع والعلامة والشهيد الثاني في المسالک وغيرهم.

وقيل بالثاني وهو مذهب ابن ادريس مدعيا عليه الاجماع، والشيخ في المبسوط ... والمحقق في النافع).

اقول: محل کلام هؤلاء الاعلام وان کان اشتراط عوده إليه عند الحاجة ولکن الظاهر انه لافرق بين هذا الشرط وساير الشروط من عوده إلى الموقوف عليهم، أو جواز بيعه وصرفه في حقهم، لان الکلام في ان مثل هذا الشرط مخالف لمقتضي عقد الوقف وحقيقته أو مخالف لاطلاقه، ومن الواضح انه لافرق بين هذه الشروط.

وغاية ما استدل به لصحة هذا الشرط امور:

1ـ عموم اوفوا بالعقود والمؤمنون عند شروطهم.

2ـ ما روى من قوله ((ان الوقوف على حسب ما يوقفها اهلها)).

3ـ ومارواه اسماعيل بن الفضل عن الصادق (ع) قال: سألت أباعبدالله (ع) عن الرجل يتصدق ببعض ماله في حياته في کل وجه من وجوه الخير؟

قال: ((ان احتجت إلى شيء من المال فأنا أحق به، ترى ذلک له وقد جعله لله، يکون له في حياته، فاذا هلک الرجل يرجع ميراثا أو يمضي صدقه؟ قال يرجع ميراثا على أهله)).

وقد رواه في التهذيب بطريق آخر، وصفه في الحدائق بالصحة عن أبي عبدالله (ع) قال: ((من اوقف ارضا ثم قال ان احتجت إليها فانا احق بها ثم مات الرجل فانها ترجع إلى الميراث)).

هذا ولکن الاستدلال بالاول فرع عدم دخول مثل هذا الشرط في استثناء الشروط المخالفة لمقتضي العقد، فلو کان مخالفا له کان من المستثنى، وکذلک الثاني.

لکنّ الاستدلال بهما ليس من المصادرة على المطلوب ـ کما ذکره في الحدائق ـ نظرا إلى کون المراد، العقود الصحيحة، وصدقه هنا اول الکلام، لما ذکرنا في محله من انها ناظرة إلى الصحيح العرفي لا الشرعي، فلو ثبت ان العقد مع هذا الشرط صحيح بنظر العرف تمّ الاستدلال بها.

نعم، الاشکال في ان مثل هذا الشرط هل يوافق طبع عقد الوقف اولا؟

واما الثالث اعني رواية اسماعيل الاولي فلا دلالة فيها على مسألة الوقف کما لا يخفي على من تدبر فيها، بل السئوال فيها عن مطلق الصدقة، وعلة السئوال ان الصدقة اذا کانت لله لايرجع فيها (کما هو المشهور).

نعم الرواية الثانية المذکورة في التهذيب صريح في مسألة الوقف، ولکن حکمه (ع) بالرجوع في الميراث لادلالة على المقصود بل لعل رجوعه في الميراث من باب فساد الشرط وسرايته إلى العقد، أو کون الشرط دليلا على کون الوقف منقطعا، والا فليس في الرواية انه ((احتاج إليه في حياته)) حتى يکون من قبيل العمل بالشرط بل حکم فيها بالرجوع إلى الميراث بعد موته من دون اشارة إلى الحاجة.

ان قلت: الشرط الفاسد لايوجب فساد العقد کما هو مختار کثير منهم.

قلنا: نعم بحسب القواعد کذلک، لانه من قبيل تعدد المطلوب، ولکن لامانع من حکم الشارع بکونه موجبا لفساد العقد احيانا، مضافا إلى انه يمکن التفصيل بين الموارد بحسب کونه من قبيل تعدد المطلوب أو وحدته (وان کانت الوحدة والتعدد بنظر العرف والغالب، لابنظر الشخص، کما هو المعمول في ابواب المعاملات من ان الاغراض الشخصية لااثر لها ومصداقه الواضح باب خيار العيب حيث يوجب تخلف وصف الصحة الخيار وان کان الغرض الشخصي لايحصل بدونها.

فتلخص من جميع ذلک ان اللازم في المسألة ملاحظة منافاة (اشتراط جواز البيع) أو (خروجه بنفسه عن الوقف) لمقتضى هذا العقد أم لا؟

الانصاف ان المرتکز في الاذهان کونه منافيا له، حتى لو فرض عدم کونه کذلک في الاعصار السابقة ففي اعصارنا يعدّ منافيا له (وتبدل العناوين والموضوعات بمضي الزمان غير بعيد، والحکم تابع لموضوعه في کل وقت فلو تبدل تبدل وان کان الحکم ثابتا).

وعلى هذا يشکل الحکم بالجواز في المقام، والقول بان التأبيد مقتضى اطلاق الوقف لاطبيعته اللازمة غير صحيح، کما لايخفي على من راجع ارتکاز العرف لاسيّما في هذه الاعصار.

ان قلت: لو کانت طبيعة الوقف على التأبيد فکيف يجوز بيعه عند الخلف والحاجة والخراب؟

قلت: فرق بين بيعه في حال الضرورة وفي غيره، والذي ينافي مقتضاه هو بيعه بدون ضرورة، بل بمقتضى الشرط فقط.

فالانصاف ان طبع الوقف المؤبد على عدم البيع وان الاشتراط مخالف لمقتضاه.

بقي هنا امران

احدهما: انه ذکر المحقق في کتاب الوقف انه لو شرط عوده إليه عند حاجته صح الشرط وبطل الوقف وصار حبسا ويعود إليه مع الحاجة ويورث.

وذکر صاحب الجواهر(قدس سره) بعد هذا القول، قولين آخرين: بطلانه من اصله، وصحته وقفا، فان احتاج إليه کان منقطعا والا کان مؤبدا، ثم قوى الاخير لبعض ما مر من الاطلاقات، وقال ليس هذا من قبيل اشتراط الخيار في الوقف الذي لم اعرف خلافا في عدم جوازه الا عن شاذ، بل ما نحن فيه من قبيل انتهاء الوقف بانتهاء الوصف المعلق عليه.

ومما ذکرنا تعرف النظر فيما ذکره (الماتن) و(الشارح) ـ قدس سرهما ـ اما الاول فلان المفروض قصد الوقف لاالحبس (والفرق بينهما ان الاول اخراج عن الملک والثاني ابقاء فيه) فلابد من القول ببطلان الشرط والوقف معا أو خصوص الشرط.

اما الثاني فلما عرفت من عدم جواز الرجوع إلى العمومات هنا، لکون الشرط مخالفا لمقتضى العقد، واما الوقف المنقطع فسيأتي الکلام فيه ان شاء الله وانه غير ما نحن بصدده.

الثاني: قد يتمسک في المقام تبعا لصاحب الجواهر والشيخ ـ قدس سرهما ـ بما رواه عبدالرحمان «ابن الحجاج» في صدقة اميرالمؤمنين (ع) وهي رواية طويلة تدل بظاهرها على وقف اميرالمؤمنين على (ع) لامواله في شتى الامکنة، وقد ورد فيها فان اراد ـ يعني الحسن عليه السّلام المتولي للوقف ـ ان يبيع نصيبا من المال فيقضى به الدين فليفعل ان شاء لاحرج عليه.

وذکر في اواخره انه شرط على الذي يجعل إليه ان يترک المال على اصوله وينفق الثمرة حيث امره به، من سبيل الله ووجوهه وذوي الرحم من بني هاشم وبني المطلب والقريب والبعيد لايباع ولايوهب ولايورث. (الحديث).

وذيلها دليل واضح على انه کان من الوقف وکذا قوله (ع) في صدرها ان الذي کتبت من اموإلي هذه صدقة واجبة بتلة حيا انا أو ميتا.

ولکن الذي يوجب الاشکال فيها انها مشتملة على اموال کثيرة له (ع) في شتى البلاد مع ان المعروف من سيرته وزهده وتجافيه عن دار الغرور، وما ورد في مأکله ومشربه، وانه لم يکن في يده الا فدک، وقد اسخط عليها قوم واخذوها، وکان ثابتا على هذا الحال إلى اخر ايام حياته، وکانت سيرته على ذلک في زمان حکومته الظاهرية أيضاً بل إلى يوم وفاته.

مضافا إلى ما ورد في ذيل الحديث من ذکر عدد کثيرة من الاماء وانه کان سبع عشر منهن امهات اولاد معهن اولادهن، ومنهن حبالي، ومنهن من لا ولد له، فقضى فيهن (من لاتنعتق بنفسها) ان تکون عتيقا لوجه الله.

وهـذا کلّه مما يورث سوء الظن بمثل هذا الحديث الذي لايلوح منه آثار الصدق.

اضف إلى ذلک ان اجازته (ع) لبيع نصيب من المال لاداء الديون ان کان المراد منه اداء ديون الحسن (ع) وغيره من الموقوف عليهم، فهو ينافي ما ورد في ذيله من انه لايباع ولايوهب، وان کانت هذه الديون راجعة إلى نفس هذه الاموال فهو أيضاً کذلک، ولادلالة فيها على ان ذلک کان لضرورة اقتضتها فتأمل.

والحاصل انه لاينبغي العدول عما هو احوط في المقام من عدم البيع بمجرد الشرط بعد ما عرفت من کونه خلاف مقتضى الوقف في ارتکاز العرف.

الصورة الخامسة من صور جواز البيع

 مما عده بعضهم من المسوغات لبيع الوقف ما کان بيعه اصلح واعود، ولعل ما يدور على بعض الالسن من عنوان (التبديل بالاحسن) ناظر إلى هذا المعنى، ولم ينقل هذا القول الا عن المفيد، وعن الکفاية التردد فيه.

هذا ولکن صاحب الجواهر (قدس سره الشريف) بعد نقل هذا القول عن المفيد (من طريق حکاية الشهيد في الدروس وغاية المراد) قال: (ولکن لم نتحقق ذلک من کلامه (اي المفيد) وعبارته المنقولة منه خالية عنه، بل قاضية بخلافه، حيث اشترط فيها الضرورة، ومقتضاه عدم جواز البيع بمجرد کونه اعود).

ومن هنا يعلم انه لم يثبت حتى ذهاب المفيد إلى هذا القول، فکيف بغيره من الاعلام ـ رضوان الله تعالى عليهم.

وعلى کل حال قد استدل لهذا القول بوجهين:

احدهما: ما مر من رواية جعفر بن حيان وقد عرفت الکلام في سنده وما يمکن الذب عنه، ولکن الاولي منه الاشکال في دلالته، فان قوله «نعم اذا رضوا کلهم وکان البيع خيرا لهم باعوا» انما ورد في مقام الجواب عن البيع في فرض الحاجة (المحمولة على الضرورة والحاجة الشديدة کما عرفت سابقا) فهذا يوجب التقييد في الجواب، وما ذکر فيه من رضا الجميع وکون البيع اعود بمنزلة شرط آخر، أو قيود توضيحية للسئوال، وبالجملة اخراج قيود السئوال عنه في غاية الاشکال.

ثانيهما: ما رواه في (الاحتجاج) عن الحميري عن (مولانا صاحب الزمان) ـ ارواحنا فداه.

لکن اورد عليه باعراض المشهور، وهو کذلک، ولذا حمله بعضهم على الوقف غير المؤبد.

هذا، ولايبعد کونها ناظرة إلى ما رواه «جعفر بن حيان» لوقوع السئوال فيه عما روى عن الصادق عليه السّلام، وليس في الروايات المروية عنه (ع) ما يوافق هذا المضمون الا رواية «جعفر» وحينئذ يأتي فيها ما مرّ في رواية جعفر من ان ظاهر السئوال وقوع الحاجة والجواب ناظر إليه.

وان شئت قلت: السئوال في الرواية الثانية انما هو في فرع من فروع الاولي وهو ما اذا لم يرض جميع الموقوف عليهم، بل رضي بعضهم دون بعض، فليس في مقام البيان من غير هذه الجهة، فراجعهما وتأمل فيهما حق التأمل، کي يظهر لک حقيقة الحال، وبالجملة الحکم بالجواز هنامع قوة ادلة المنع وفتوى المشهور به مشکل بل ممنوع والله العالم بحقائق الامور.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

12-صور جواز بيع الوقف

وذکر شيخنا الاعظم الانصاري (عشر صور) تتفاوت مع کل من العلمين السابقين في بعض الاقسام.

هذا ولم يذکر في غير واحد من کلماتهم الا صورة واحدة جمع فيها الشروط، قال في (القواعد):

(ويشترط في الملک التمامية، فلا يصح بيع الوقف الا ان يؤدي بقائه إلى خرابه لخلف بين اربابه ويکون البيع اعود).

ومثله ما في (الشرائع) حيث قال في کتاب البيع: (فلا يصح بيع الوقف مالم يؤد بقائه إلى خرابه لخلف بين اربابه، ويکون البيع أعود على الاظهر) إلى غير ذلک، والظاهر انهم نظروا في هذا التعبير إلى بعض الروايات الواردة في الباب، وستأتي الاشارة إليها ان شاء الله.

وکيف کان الظاهر ان صور الجواز متعددة ولکن لا تصل إلى العشر أو اثنتي عشرة فان کثيراً مما ذکروه متداخلة، والعمدة من بينها خمس صور کما يلي ذکرها.

ولکن ليعلم ان محل الکلام کله في الوقف المؤبد، واما الوقف المنقطع فيأتي الکلام فيه ان شاءالله بعد هذه الابحاث، فنقول (ومنه عز اسمه نستمد التوفيق والهداية):

الصورة الاولي: ما اذا خرب الوقف وهو تارة يکون بحيث يسقط عن حيز الانتفاع، واخرى يسقط معظم منافعه، وثالثة بعض منافعه.

کل ذلک قد يکون بوقوعه خارجا، وقد يعلم بوقوعه في المستقبل القريب، أو يخاف من وقوعه أو يحتمل، وفي حکمها ما اذا لم تخرب ارکانه وکانت عامرة، ولکن سقطت عن حيز الانتفاع بالمرة کالمدرسة التي وقعت في محلة صناعية مزدحمة بالاشخاص والدخان وغيره لايرغب احد في تحصيل العلم أو السکون فيه ولا يرجي تغير حالها فبقيت معطلة بالمرة، أو السراج الذي خرج عن محل الانتفاع لظهور الکهرباء أو الحصير بعد ظهور السجادات وشبهها.

واللازم ان نتکلم في خصوص ما اذا خرب وخرج عن حيز الانتفاع بالمرة ليبين حال غيره.

والظاهر من جماعة من الاعلام جواز بيعه حينئذ، وحکى هذا القول عن المفيد والسيدو والشيخ في الخلاف والديلمي وابن حمزة وغيرهم، الا ان المفيد قيده بما اذا لم يوجد له عامر.

واستحسنه کثير من اعلام المعاصرين.

واستدل له:

تارة: بعدم جريان ادلة المنع من الاجماع والروايات الدالة على عدم جواز بيع الوقف، لانصرافها إلى غير المقام.

واخرى: بان الامر دائر بين امور ثلاثة:

1ـ تعطيله حتى يتلف، أو انتفاع البطن الموجود بالاتلاف، أو تبديله بما يبقي وينتفع به الکل، ولا شک ان الاخير اولي، لان غيره اما يوجب تضييع الوقف أو حق البطون المستقبلة.

وثالثة: بما في مفتاح الکرامة من انه احسان محض (اولا) وان عدم بيعه حينئذ کاد يلحق بالعبث (ثانيا) ودعوى الاجماع عليه في الانتصار والغنية(ثالثا).

وامکان الاستيناس له بما رواه جعفر بن حنان(رابعا) قال: سألت اباعبدالله (ع) عن رجل وقف غلة له على قرابته من أبيه وقرابته من امّه، وأوصى لرجل ولعقبه ليس بينه وبينه قرابة، بثلاثمأة درهم في کل سنة، ويقسم الباقي على قرابته من أبيه، وقرابته من أمه، فقال (ع): «جائز للذي أوصى له بذلک... قلت فللورثة من قرابة الميت أن يبيعوا الارض ان احتاجوا ولم يکفهم ما يخرج من الغّلة؟ قال: نعم اذا رضوا کلهم، وکان البيع خيراً لهم باعوا».

وما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن صاحب الزمان (ع) أنه کتب إليه: روى عن الصادق (ع) خبر مأثور: اذا کان الوقف على قوم بأعيانهم واعقابهم فاجتمع أهل الوقف على بيعه وکان ذلک أصلح لهم أن يبيعوه فهل يجوز أن يشتري من بعضهم ان لم يجتمعوا کلهم على البيع أم لا يجوز الا أن يجتمعوا کلهم على ذلک؟ وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه، فأجاب (ع):« اذا کان الوقف على امام المسلمين فلا يجوز بيعه، واذا کان على قوم من المسلمين فليبع کل قوم ما يقدرون على بيعه».

اقول: العمدة من بين هذه الادلة هو الدليل العقلي الذي اشير إليه في کلامي مفتاح الکرامة وشيخنا الاعظم (قدس سرهما) من ان ابقائه على هذا الحال قبيح لايوافقه العقل السليم، لانه تضييع لمال الوقف، واقرب الاشياء إلى نظر الواقف وحقيقة الوقف تبديله بعين آخر مثله لو امکن، ثم الاقرب فالاقرب، لانه القدر المتيقن من جواز بيعه.

واما مجرد عدم المنع من بيعه، المذکور في کلام شيخنا الاعظم فهو غير کاف بل اللازم تحصيل المقتضي والمجوز للبيع، وعدم المانع فقط غير مجد، والتمسک «باحل الله البيع» ومثله ممنوع في المقام کما لا يخفى.

کما ان التشبث بالاجماعات المنقولة وکون البيع احسانا ضعيف جدا.

واما رواية جعفر بن حنان مضافا إلى ضعف سندها دليل على جواز البيع بمجرد الحاجة، وهو امر آخر سيأتي الکلام فيه وانه لابد من تأويله، والثاني دليل على جواز بيع الوقف الخاص مطلقا، ولا يمکن الالتزام به الا ببعض التأويلات وقد يحمل على الوقف غير المؤبد.

وبالجمله لا يمکن الاستدلال على اصل هذا الحکم الا بما مر من الدليل العقلي، وهو المعيار العمدة في المسألة، نعم قد يمکن الاستيناس أو التأييد من غيره أيضاً.

وفي حکمه ما اذا سقط عن حيز الانتفاع مع کونه عامرا والدليل هو الدليل.

ويمکن الاستدالل على المقصود ببناء العقلاء أيضاً، فان الوقف کان رائجا بينهم حتى قبل الشرع، وهم لا يختلفون في جواز بيعه في هذه الصورة.

اذا عرفت هذا المعيار فلنرجع إلى فروعاته ونقول: لا فرق بين الخراب التام أو انتفاء معظم المنافع، بحيث لم يبق منها الا مالا يعتد به عرفا، ويعدّ ترک بيعه من قبيل التضييع، مثل ما اذا لم ينتفع من مستشفي ذات الف سرير الامن سرير أو بضع منها، لعدم رغبة الناس فيها لعلّة لايرجى زواله، أو مدرسة کبيرة لا يدرس فيها الا واحدا ونظرات قليلة لعلة کذلک، أو حمام خرب ولا يستفاد منه الا لجمع الزبالة مثلا.

نعم اذا انتفي بعض منافعه ولکن الباقي شيء يعتد به لم يجز بيعه، سواء کان من الاوقاف العامة أو الخاصة، لعدم جريان الدليل السابق فيه، فان ابقائه والحال هذه ليس من قبل التضييع والعبث وامر قبيح، وان کانت منافعه اقل بالنسبة إلى بيعه وتبديله بشيء آخر.

والحاصل: ان مجرد تقليل المنافع وامکان تبديله بما هو اعود وانفع لا يکفي في جواز بيع الوقف مالم يصل إلى حد تعد منافعه کالتالف، ويعد ابقائه على هذا الحال تضييعا للوقف، وذلک کله لان ما مر من الدليل لا يشمله والاصل في الوقف المؤبد عدم جواز بيعه.

ومما ذکرنا يظهر الحال فيما اذا يعلم ادائه إلى الخراب أو سقوطه عن حيّز الانتفاع في المستقبل القريب، بحيث يمکن بيعه وتبديله بمثله في مکان آخر، أو في ذاک المکان کما اذا کان الوقف مشرفا على الخراب قطعاً ولم يکن من ينفق لاصلاحه ولا يرجى ذلک ابداً ولکن يوجد من يشتريه ويصلحه لنفسه ويستفاد من ثمنه لاشتراء رقبة اخرى مثله أو اقل منه.

وفي حکمه ما اذا خيف من الخراب في المستقبل القريب لان الخوف في هذه المقامات يقوم مقام العلم بحکم العقلاء کما في باب الضرر والخطر، لعدم الطريق القطعي إلى هذه الامور المستقبلة غالبا وکون الخوف طريقا عقلائياً إليه، وقد امضاه الشرع، بعدم ردعه، بل بامضائه في بعض المقامات الخاصة کما لا يخفى.

ثم انه لا فرق في کون خوف الخراب من ناحية الخلف بين ارباب الوقف أو لامور اخرى لاشتراک الدليل في البابين وعدم الفرق في البين.

الصورة الثانية: ما اذا وقع الخلاف بين اربابه، وهو في الجملة من مجوزات بيع الوقف على ما حکى عن الاکثر (على ما في المسالک).

ولکنه على اقسام، فقد يلزم من هذا الخلف فساد يستباح منه الانفس قطعاً، واخرى يخاف من تلف الاموال والانفس، وثالثة يلزم منه ضرر عظيم وان لم يکن في الاموال والانفس، کما اذا ضعفت بهذا الخلاف بنية الإسلام والمسلمين،وقويت شوکة اعدائهم، او کان سببا للنفور عن الحق باعتبار کون ارباب الوقف المختلفين ممن يقتدي بهم ويکونون اسوة للناس! فاذا وقع هذا الخلاف بينهم ضعف ايمان العوام، أو شبه ذلک من الاضرار الدينيّة.

اما لو کان الخلف سبباً لخراب الوقف، فهذا خارج عن محل الکلام وداخل في الصورة السابقة، لما عرفت من ان موضوعها خراب الوقف بحيث لا ينتفع به لاية علة کانت، ولکن صرّح شيخنا الاعظم بان الجواز انما هو في هذه الصورة فقط لافي غيره، وهو عجيب.

اذا عرفت ذلک فاعلم: ان العمدة في جواز البيع هنا ـ کما في مفتاح الکرامه وغيره ـ هي صحيحة علي بن مهزيار عن أبي جعفر (ع) قال: وکتبت إليه: ان الرجل ذکر ان بين من وقف عليهم هذه الضيعة اختلافا شديدا، وانه ليس يأمن أن يتفاقم ذلک بينهم بعده، فان کان ترى أن يبيع هذا الوقف ويدفع إلى کل اسنان منهم ما وقف له ذلک امرته؟ فکتب بخطه ((واعلمه أن رأيي له ان کان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف أن يبيع الوقف أمثل، فانه ربما جاء في الاختلاف تلف الاموال والنفوس)).

ومحل الاستدلال منه قوله: (قال وکتبت إليه ان الرجل ذکر ان بين من وقف عليهم هذه الضيعة اختلافا شديدا...)، (والمراد من التفاقم هو عظم الامر وخروجه عن مسيره کما في اللغة).

وظاهر اطلاق الحديث، جواز بيع الوقف اذا کان في الخلاف آثار سيئة عظيمة من دون فرق، سواء کان ذلک من خوف خراب الوقف، أو استباحة الاموال والانفس، أو شبه ذلک.

نعم قد صرح في التعليل انه ربما جاء في الاختلاف تلف الاموال والانفس، ولکن لا دلالة فيه على ان المراد من تلف الاموال هو اموال الموقوف عليهم فضلا عن ان يکون المراد مال الوقف، وکذلک تلف النفوس اعم من نفوس الموقوف عليهم أو غيرهم.

سلمنا کون المراد تلف اموالهم ونفوسهم، ولکن لادلالة فيه على خراب الوقف فقط.

والعجب من اصرار شيخنا الاعظم ـ قدس سره ـ على الاستدلال بها لمسألة الخلاف المنتهي إلى خراب الوقف، مع انه ليس من ذلک في الرواية عين ولا اثر، والانصراف إليه ممنوع، بل يمکن ان يقال ان التعليل من قبيل ذکر المثال لآثار الاختلاف، فلاينافي اطلاق قوله (ع): ((ان کان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف ان بيع الوقف امثل فليبيع)).

فکلما کان الاختلاف مظنة للتزايد في المفاسد وکان بيع الوقف امثل جاز بيعه، وعلى کل حال لاشک ان الواو في قوله تلف الاموال والنفوس بمعنى (او) بمناسبة الحکم والموضوع.

هذا ولکن يشکل شمول الحديث لما اذا لزم منه مفاسد اجتماعية أو دينية في غير الموقوف عليهم، اللهم الا ان يقال بالاولوية، أو الغاء الخصوصية القطعية وهو غير بعيد.

ثم انّ الظاهر اطلاق الرواية وشمولها لصورتي العلم والظن، بل ما يسمى خوفاً (وان لم يکن مظنوناً) وقوله (ربما) شاهد على ذلک، نعم شموله لمادون الخوف مشکل جدا، ولا يدل عليه اطلاق (ربما)، بل الظاهر ان المراد به ما يکون مظنة لذلک ويخاف من وقوعه کما لا يخفى.

هذا ويمکن الاستدلال لهذا الحکم بقاعدة الاهم والمهم، وجريانها في المقام قريب جداً.

بقي هنا امران:

1ـ ظاهر الصحيحة بل صريحها الوقف الخاص، فهل الحکم في الاوقاف العامة (مثل المدارس وشبهها) کذلک اذا وقعت المشاجرة بين طلابها مثلا، کما اذا کانت المدرسة موقوفة على طلاب هذه البلدة الخاصّة ووقع التشاح بينهم وخيفت تلف الاموال والنفوس أو عدم الانتفاع بالوقف لما يراد منه، ولم يکن هناک طريق للتخلص عن هذه العويصة الا ببيعها مثلا، واشتراء مدرستين بازائها؟ الظاهر نعم، لا لشمول الصحيحة لفظا بل لامکان تنقيح المناط منها حکما، مضافا إلى ما عرفت من قاعدة الاهم والمهم (ولکن الانصاف ان موضوعه نادر جدا).

2ـ لاينبغي الشک في لزوم اشتراء ما يکون بدلاً عن الوقف بعد بيعه مما لا يکون فيه خلاف وفساد، والا فالواجب ما هو الاقرب فالاقرب إلى غرض الواقف وغاية الوقف، لا تقسيم ثمنه بين البطن الموجود فقط، والوجه فيه ظاهر لانه لاقدر المتيقّن بعد عدم وجود دليل عام هنا.

نعم ظاهر الصحيحة امضاء الامام (ع) لما ورد في سئوال الراوي، وهو ما ذکره بقوله: «فان کان ترى ان يبيع هذا الوقف ويدفع کل إنسان منهم ما وقف له من ذلک» ومعناه جواز بيعه وتقسيم ثمنه، ومن البعيدان يکون هناک تعبد في نفي حقوق ساير الموقوف عليهم.

ولذا اجتهد المحققون من الأصحاب لتوجيه الحديث وتفسيره بما لا ينافي القواعد.

فقال بعضهم ان مورد السئوال هو الوقف غير المؤبد لعدم ذکر البطن اللاحق فيها.

وقيل بظهورها في عدم اقباض الموقوف عليهم فلم يتم الوقف لان من شرائط صحته الاقباض، فالسئوال عن فرع اليد عن الوقف واعطاء کل واحد من الموقوف عليهم سهما منه، حتى يرتفع الخلاف بينهم، أو يحمل على عدم اجراء صيغة الوقف.

ولکن الانصاف انه ليس في السئوال ما يدل على عدم الاقباض أو عدم اجراء صيغة الوقف.

واحسن المحامل حملها على خصوص الوقف المنقطع، بل ظاهر قول السائل (يدفع إلى کل إنسان منهم ما وقف له) ان الوقف ينحصر بهم ولا يتجاوز عنهم إلى غيرهم، وحينئذ يرتفع الاشکال، ولا يبقى مجال لاحتمال التعبد بجواز بيع الوقف المؤبد وصرفه بين الموجودين کما لا يخفى.

هذا وقد نقل العلامة الخوانساري في جامع المدارک اشکالات اربعة على التمسک بصحيحة علي بن مهزيار:

احدها: احتمال کون المراد تلف مال الوقف ونفوس الموقوف عليهم (معا) لا مطلقا، فيخرج عن محل الکلام ويدخل في الصورة السابقة.

ثانيها: عدم ظهورها في المؤبد الذي هو محل الکلام.

ثالثها: احتمال کون مورد السئوال قبل تمامية الوقف لعدم الاقباض، ويؤيده کون البايع هو الواقف.

رابعها: ان الظاهر منها کون الثمن للموجودين مع انه منافات لحق البطون اللاحقة (انتهي ملخصا).

ولکن الجواب من الجميع يظهر مما مرّ، اما عن «الاول» فلمخالفته لظاهر الرواية وايّ دليل على ترک صيغة الوقف أو عدم الاقباض، ومجرد تصدي الواقف للبيع لاينافي ذلک بعد امکان کونه متولياً على الوقف.

واما عن (الثاني) فبان عدم ظهورها في المؤبد بل ظهورها في المنقطع غير بعيد، ولکن ظاهرالتعليل المبني على قاعدة الاهم والمهم يدل على العموم.

واما عن (الثالث) فقد مرّ انه دعوى بلادليل.

واما عن (الرابع) فبان اختصاص الثمن بالموجودين لعله من جهة کون الوقف منقطعا وکون المالک راضيا بهذا الامر.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

11-تتمّة الکلام في الملک العام

فاذا خربت، أو خرجت عن حيز الانتفاع وان لم تخرب، کالمستشفي أو المدرسة التي وقعت في محلة صناعية مزدحمة مملؤة بالدخان وشبهه بحيث لا ينتفع بها لمداواة المرضى، او لطلاب العلم، وح بيعها باذن ولي الامر واشتراء محل آخر لهذا المقصد اقرب شيء إلى قصد الواقف، وإلى مصالح المسلمين، أو يصرف وجهها في محل مثله اذا کان أقرب إلى منافعهم وغرض الواقف، فان ابقائها على حالها وأتلاف منافعها بالمرة غير جائز بعد کونها للمسلمين جميعاً أو لصنف خاص منهم، ومن وظيفة ولي الامر ملاحظة غبطتهم في هذه الامور لانه منصوب لذلک.

وان شئت قلت: الکلام في المسجد وغيره يکون في اربعة امور:

1ـ العرصة.

2ـ البنيان.

3ـ الالات والادوات، کفراش المسجد وحصيره والاسرجة وغيرها.

4ـ ما اشترى من غلة ما وقف على المسجد والمدرسة وغيرها کان يشتري فراش او سراج المسجد من منافع بعض موقوفاته.

اما الاول: فقد عرفت دعوى صاحب الجواهر عدم الخلاف بين الأصحاب في المنع عن بيع المسجد، والقدر المتيقن منه خصوص الارض وان کانت المسألة خلافية بين العامة فراجع کلام العلامة في التذکرة، في کتاب الوقف فقد نقل عن احمد انه اذا خرب الوقف وبطلت منافعه کدار انهدمت أو ارض خربت وعادت مواتا ولم يکن عمارتها، کمسجد انتقل اهل القرية عنه وصار في موضع لايصلي فيه، أو ضاق باهليه ولم يمکن توسيعه في موضعه... جاز بيع بعضه لتعمر به بقيّته، فان لم يمکن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه ويجوز تحويل المسجد خوفا من اللصوص (انتهي موضع الحاجة منه).

فالاحوط فيه عدم بيعه واما في غير مورد المسجد، فالظاهر انه لا مانع من بيعه اذا سقط عن حيز الانتفاع لما عرفت من انه ملک للمسلمين، فلا يبقي معطلاً بل قد يجب بيعه وصرف ثمنه لاشتراء مثله، في موضع ينتفع منه، أو يصرف في تعمير غيره من امثاله ان لم يمکن الاول، لان ابقائه بحاله ضرر على المسلمين ومفسدة عليهم وکل ذلک باذن ولي الامر.

واما القسم الثاني اي البنيان فالظاهر انه لا اشکال في جواز بيعه اذا انهدم ولم يمکن الانتفاع به في ذاک المسجد أو المدرسة أو غيرها.

وقد افتى کثير من المعاصرين بذلک في حواشي العروة ولو قلنا بان المسجد يکون تحريراً وفکاً بجميع اجزائه حتى بنائه، فيکون بمنزلة العبد المعتق، فکيف يجوز بيعها حينئذ بعيد جدا فهل يمکن القول بانه يرجع إلى المباحات الاصلية، ويجوز تملکه لکل احد (کما قد يلوح احتماله من بعض الکلمات) لا اظن ان يفتي به فقيه فالقول بعوده مباحاً اصليا غير ممکن، کما ان القول بجواز بيعه مع کونه تحريراً أيضاً مشکل، وهکذا القول برجوعه إلى ملک الواقف لان العبد المعتق لا يعود ملکا وهذا مثله.

فالقسم الثاني، اعني الابنية، لا ينبغي الاشکال في جواز بيعها اذا خربت وخرجت عن محل الانتفاع، فانه لا معنى لا بقائها متروکة معطلة، بل اما تباع ويصرف ثمنها في تعمير ذاک المسجد أو المدرسة أو غيرهما، أو يصرف عينها في مسجد أو مدرسة اخرى، وفي تقديم الاول على الثاني أو بالعکس اشکال، والاحوط ملاحظة المقامات والاخذ بالاقرب فالاقرب إلى نظر الواقف وغبطة المسلمين ومصالح الوقف.

واما الثالث: اي الآلآت والادوات الموقوفة على المساجد والمدارس وغيرها فهي اوضح حالا من سابقها، فاذا سقطت عن قابلية الانتفاع ولو کانت سالمة کبعض انواع السراج بعد ظهور الکهرباء، أو خربت وسقطت عن حيز الانتفاع رأسا، جاز الانتفاع بها بمثل ما مرّ، وقد يستدل على ذلک بما ورد في بيع ثياب الکعبة مثل ما رواه الکليني عن مروان قال: سألت ابا الحسن (ع) عن رجل اشترى من کسوة الکعبة شيئا، فاقتفي ببعضه حاجته وبقي بعضه في يده، هل يصلح بيعه؟ قال: ((يبيع ما أراد ويهب ما لم يرد)).

وقال الکليني ـ رضوان الله عليه ـ وفي رواية انه يجوز استعماله (ثياب الکعبة) وبيع بقيته.

ولکن دلالتها على المطلوب مشکل لانه لايدري ان ثوب الکعبة من قبيل الموقوف عليها، أو الاهداء إليها والتمليک للکعبة؟ لانه لا مانع من کون الکعبة يمکن مالکة للاشياء کما عرفت سابقا، أو الوقف المنقطع، وذلک لان المتعارف تبديل ثوب الکعبة کلّ سنة، أو اذا صارت بالية، وحينئذ يتبرک بما يبقى منه، أو يباع، وحيث يعلم ذلک من اول الامر يشکل فيه الوقف غير المنقطع.

ولکن المسألة اوضح من ان تحتاج إلى مثل هذا الاستدلال.

وفي بعض الروايات مايدل على عدم جواز الوقف على المسجد مثل ما روى مرسلا عن الصادق (ع): قال الصدوق ـ قدس سره ـ سئل الصادق (ع) عن الوقوف على المساجد فقال: ((لا يجوز فان المجوس وقفوا على بيوت النار)).

ولکنها ضعيفة سنداً ودلالة.

اما السند فبالارسال، واما الدلالة فلاختلاف النسخ في وجود ((لا)) في قوله ((لا يجوز)) ويشهد على حذفه رواية اخرى في هذا الباب ولعلها اشارة إلى انه کيف لا يجوز الوقف على المساجد مع ان المجوس اوقفوا على بيوت النار وانتم أولي بذلک.

واما القسم الرابع: وهو ما يحصل من الموقوفات على المساجد والمدارس وغيرها ومن الواضح انها ليست وقفا بل هي ملک للموقوفات، ولو کانت وقفا لم يجز صرف عينها في الاطعام وغيره، فان الوقف هو حبس العين وتسبيل المنافع، وما يصرف عينه ليست وقفا قطعا.

فلو اشترى من منافع الموقوفات فراشا للمسجد لا يکون وقفا ويجوز تبديله بالاحسن منها اذا کانت مصلحة للمسجد، باذن المتولي أو ولي الامر، ولا ينتظر خوف خرابه، ومن هنا تظهر الثمرة بينه وبين ما کان وقفاً للمسجد فلا يجوز بيعه الا اذا خرج عن حيّز الانتفاع أو خيف خرابه.

وههنا فروع

الاول: لو شک في ان الفرش أو السراج أو مثلهما وقف على المسجد أو اشترى من منافع موقوفاته، هل يجوز التصرف فيه بتبديله باحسن منه اذا کان مصلحة للمسجد أم لا؟الظاهر انه لا يجوز، لان الاصل في المعاملات الفساد واصالة عدم الوقفية معارض باصالة عدم الملکية المطلقة فتأمل.

الثاني: لا يجوز التصرف في فرش المسجد والمدرسة وامثالهما الا للمصلين والطلاب وشبه ذلک، ولا يجوز اخراجه إلى غير هما کما لا يجوز الوضوء بماء المسجد والصلاة في غيره لان الظاهر لولا دليل على خلافه انه وقف على المسجد أو ملک له ـ کما ان اليد في الإنسان تقتضي الملکية ـ وکونه اعم من المسلمين أو الطلاب يحتاج إلى دليل.

الثالث: يظهر من کلام المحقق النائيني انه قسم الموقوفات العامة والخاصة إلى خمسة اقسام:

الاول: وقف المشاعر کالمسجد والمشهد، ولا يبعد الحاق الحسينية بهما وهذا هو الذي يقال انه تحرير وفک ملک ... فهو بمنزلة العتق.

الثاني: ما يلحق بالاول کوقف الخانات والقناطر، وما يشبه ذلک، مما يوقف لانتفاع کل من سبق إليه فانه أيضاً تحرير.

الثالث: ما کان وقفا على الجهة کالوقف على العلماء وطلاب المدارس، والوقف في هذا القسم ليس تحريرا بل تمليک للجهة ولذا لو غصبه غاصب يحکم بضمانه، دون الاولين!

الرابع: ما کان وقفا خاصا کالوقف على الذرية، وهذا القسم قد يکون مؤبداً وقد يکون منقطع الاخر.

الخامس: الوقف على الموقوفات کالحصر على المسجد أو الفرش على المساجد.

والفرق بينه وبين القسم الثالث انّ في القسم الثالث يملک الموقوف عليه المنفعة اما في هذا القسم فمجرد اباحة الانتفاع.

اذا عرفت ذلک فاعلم ان مقتضي الاصل عدم جواز بيع القسم الاول والثاني لخروجها عن الملکية، ومقتضي الاصل جواز بيع القسم الخامس اذا لم يمکن الانتفاع به، لان الواقف وان وقف عين الرقبات ولکن حيث انها مما تزول خصوصياتها الشخصية فکانه وقفها بمراتبها، وتعلق نظره اولا بشخصيتها، ثم بما ليتها، فاذا لم يمکن الانتفاع بشخصها فللحاکم أو المتولي تبديلها ويصير بدلها أيضاً وقفا.

واما القسم الثالث والرابع فالاقوى الحاقهما بالقسم الخامس(انتهي ملخصا).

اقول: وفي کلامه (قدس سره) مواقع للنظر.

اولا: ان القول بالتحرير والفک في القسم الاول والثاني غير تام، کما عرفت سابقا لاسيما في القسم الثاني.

وثانيا: کيف يلتزم بان من اتلف شيئا من المسجد أو من المدرسه لاضمان عليه، ولا اظن من يلتزم ذلک في العمل، بل الظاهر کونه ضامنا وهذا دليل على عدم کونه تحريراً.

وثالثا: قد اشتهر بينهم جواز بيع بنيان المسجد اذا خرب ولم يمکن الانتفاع به وهذا ينافي ما ذکره في کلماته.

ورابعا: لا وجه للفرق بين القسم الثاني والثالث.

خامسا: ما ذکره في القسم الخامس من المعاملة معه معاملة الوقف غير تام بل هو من قبيل الملک للوقف لا الوقف، کما عرفته آنفا.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

10-أحکام بيع الوقف

وهذا العنوان (سواء کان طلقا أو التمامية) عنوان منتزع من الموانع الکثيرة المتصورة عن مقابل البيع، وقد أنهاها المحقق التستري في کلماته باثنين وعشرين مانعا! نقل ثمانية عشر منها شيخنا الاعظم في مکاسبه والاربعة الباقية هي:

1ـ تعلق حق الغرماء.

2ـ تعلق حق المضمون له بالضمان لو اشترط في مال خاص.

3ـ البيع قبل القبض في التبرعات المجانية، بناء على اشتراط القبض في تمام الملک.

4ـ البيع قبل القبض في الصرف، بناء على ما عرفت.

وعلى کل حال ليس من هذه العنوان في الادلة عين ولا اثر، حتى يؤخذ به، بل لابد في کل موضع من الأخذ بدليله الخاص به، فنقول (ومنه جل ثنائه التوفيق والهداية):

اما بيع الوقف فالمشهور بل ادعى الاجماع حرمته.

ويظهر من کلمات العامة انه مفروغ عنه عندهم أيضاً کما حکاه الشيخ في الخلاف کتاب الوقوف.

واستدل له مضافا إلى ذلک بروايات عديدة، قال في الجواهر يمکن دعوى تواترها:

1ـ منها ما رواه ابوعلي بن راشد عن أبي الحسن (ع) قال قلت: جعلت فداک اشتريت أرضا إلى جنب ضيعتي بألفي درهم، فلما وفرت المال خبّرت أن الارض وقف، فقال: ((لا يجوز شراء الوقوف (الوقف خ ن ) ولا تدخل الغلّة في ملک)).

2ـ ما رواه أيوب بن عطية قال: سمعت أباعبد الله (ع) يقول: ((قسم رسول الله (ص) الفيء فأصاب علياً (ع) أرض فاحتفر فيها عيناً فخرج منها ماء ينبع في السماء... فقال: بشّر الوارث، بشر الوارث، هي صدقة بتاً بتلاً في حجيج بيت الله)) بناء على کون قوله (لاتباع ولا توهب ولا تورث) وصفاً لنوع الوقوف بعد ما ذکر الصدقة بعنوان جنس لها، لاوصفا لشخصه بان يکون من الشرائط في ضمن العقد، ولکن ظهور الحديث في المعنى الاول لا يخلو من اشکال.

3ـ ما رواه عجلان أبي صالح عن أمام الصادق (ع) قال: أملى ابوعبد الله (ع) ((بسم الله الرّحمن الرّحيم هذا ما تصدق به فلان بن فلان هو حي سويّ بداره التي من بني فلان بحدودها، صدقة لاتباع ولا توهب، حتى يرثها وارث السماوات والأرض، وانّه قد أسکن صدقته هذه فلاناً وعقبه، فاذا انقرضوا فهي على ذي الحاجة من المسلمين)). والاستدلال به مثل سابقه.

4ـ ما رواه ربعيّ بن عبدالله عن أبي عبد الله (ع) قال: ((تصدّق اميرالمؤمنين (ع) بدار له في المدينة في بني زريق فکتب بسم الله الرّحمن الرّحيم هذا ما تصدق به علي بن أبيطالب وهو حي سويّ، تصدق بداره التي في بني زريق صدقة لاتباع ولا توهب حتى يرثها الله الذي يرث السماوات والارض)).

ويرد عليه ما ورد على الرواية السابقة من احتمال کون القيد من قبيل الشرط الخاص لا من اوصاف النوع.

وقد يعارضها بعض الروايات مثل ما روى علي بن مهزيار قال: کتبت إلى أبي جعفر الثاني(ع) ان فلاناً ابتاع ضيعة فأوقفها وجعل لک في (من) الوقف الخمس، ويسأل عن رأيک في بيع حصتک من الأرض أو تقويمها على نفسه بما أشتراها، أو يدعها موقفة فکتب اليّ: ((أعلم فلانا انّيآمره أن يبيع حقي من الضيعة)).

ولکن حملت الرواية على عدم القبض وشبهه.

هذا، ولکن الذي يسهل الخطب ان العمدة في المسألة کون (التابيد) من الشرائط المفروغ عنها عند العرف والعقلاء، المأخوذ في ماهية الوقف، وان الظاهر ان الوقف ليس من ابداعات الشريعة الإسلامية، بل کان معمولاً بينهم من قبل، الوقف على الکنائس والبيع وغيرهما من المعابد.

ولکن سيأتي ان شاء الله ان الظاهر من روايات الأصحاب وفتاواهم کون الوقف على قسمين منقطع ومؤبد، وان عدم البيع وشبهه مأخوذ في خصوص المؤبد ولکن الوقف ينصرف إلى خصوص المؤبد بل لا يفهم منه غيره (في عصرنا).

ومما ينبغي ذکره أيضاً انا لم نعثر على ما ادعاه في الجواهر من تواتر الروايات الدالة على عدم جواز بيع الوقف.

نعم يظهر من بعضها ـ سوى ما ذکر ـ ان عدم جواز البيع کان مفروغا عنه في اذهان الروات وانما کانوا يسئلون عن مجوزاته مثل ما رواه على ابن مهزيار قال: وکتبت إليه: ان الرجل ذکر أن بين من وقف عليهم هذه الضيعة اختلافا شديدا، وانه ليس يأمن أن يتفاقم ذلک بينهم بعده، فان کان ترى أن يبيع هذا الوقف ويدفع إلى کلّ إنسان منهم ما وقف له من ذلک أمرته، فکتب إليه بخطه ((واعلمه أن رأيي له ان کان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف أن يبيع الوقف أمثل فانه ربما جاء في الاختلاف تلف الاموال والنفوس)).

ولکن في مقابلها ما يظهر منه خلافه مثل ما روى علي بن مهزيار نفسه وقد مرّ آنفاً قال: کتبت إلى أبي جعفر الثاني (ع) انّ فلانا ابتاع ضيعة فأوقفها وجعل لک في الوقف الخمس ويسأل عن رأيک... فکتب اليّ: ((أعلم فلاناً أنّي آمره أن يبيع حقي من الضيعة)).

ومع ذلک کله لا يبلغ شيء من ذلک حد التواتر أو قريبا منه.

هذا، ويمکن القول بان الوقف على قسمين، قسم مؤبد وقسم منقطع (وان کان المعروف هو القسم الاول) ويشمله قوله: (الوقوف على حسب ما يوقفها اهلها).

کما سنشير إليه ان شاء الله في محله، ولکن لا يصح بيع شيء منها في زمن الوقف فبطلان بيعه مقطوع به سواء کان مؤبداً أو موقتاً کما لا يخفى.

بقي هنا شيء: وهو ان صاحب الجواهر (قدس سره الشريف) صرح في بعض کلماته في المقام بان مجوزات بيع الوقف توجب ابطال وقفيته.

قال: (الذي يقوي في النظر بعد امعانه ان الوقف مادام وقفا لا يجوز بيعه، بل لعل جواز بيعه مع کونه وقفا من المتضاد، نعم اذا بطل الوقف فالمتجه حينئذ جواز البيع).

وقد حکى انه تبع في ذلک استاده کاشف الغطاء ـ قدس سره ـ ولکن البطلان لاوجه له والتضاد انما هو في غير موارد الضرورة وشبهه وجواز البيع حينئذ لا يدل على ابطال الوقف، بل يبقى على حاله إلى ان يباع وهو المرتکز العرفي العقلائي أيضاً.

وان شئت قلت: الوقف هو المال الموقوف الذي لا يباع ولا يورث مادام وقفاً بحسب طبعه الاولي، وان کان قد يخرج عن هذه الطبيعة بسبب ضرورات خاصة، فاذا حصل شيء منها کانت طبيعة الوقف باقية على حالها، وان جاز بيعه بسبب العوارض المنافية لطبيعته.

مجوزات بيع الوقف

قد وقع الخلاف بين الفقهاء الاعلام في جواز بيع الوقف في بعض الحالات بعد کون عدم البيع هو الاصل فيه، واختلفت الاقوال فيه غاية الاختلاف، وقلما يوجد مسألة وقع فيها مثل هذا الخلاف، وقد نقل کثيرا منها شيخنا الاعظم في مکاسبه، وقد سبقه إلى ذلک (صاحب الجواهر) رضوان الله عليهما، ذکرها في صفحات کثيرة من کتابه، کما انه سبقهما إليه صاحب مفتاح الکرامة ـ قدس سره ـ والاولي ذکر امهاتها ثم الرجوع إلى ادلة المسألة التي هي العمدة في المسألة دون الاقوال.

قال في الجواهر ـ بعد ذکر الاقوال ـ هذا مجموع ما وقفنا عليه من عبارات الأصحاب أو حکيت لنا وقد تبين منها انهم ما بين مانع من بيع الوقف، ومجوز له في الجملة، ومتوقف عن الحکم... وان الاکثر على جواز البيع في الجملة، ولکن کلامهم في تعيين محل الجواز والسبب المجوز على ما ترى من الاختلاف الشديد الذي قلما اتفق مثله في شيء من المسائل، حتى انفرد کل منهم بقول! وقال صاحب المفتاح: عبارات الأصحاب هنا مشکلة کما في غاية المراد، وفي المسالک قد اضطربت فتوى الأصحاب في هذه المسألة اضطرابا عظيما، حتى من الرجل الواحد في الکتاب الواحد!

وذکر شيخنا الاعظم بعد نقل الاقوال ان لأصحابنا في الخروج عن عموم المنع في الجملة اقوالا:

احدها: عدم الخروج اصلا.

ثانيها: الخروج عن عموم المنع في المنقطع في الجملة خاصة.

ثالثها: الخروج عن عموم المنع في الجملة في المؤبد.

رابعها: ما يظهر من بعضهم من التعميم في المنقطع أيضاً، کما يظهر من بعضهم التخصيص.

ثم انه يظهر من کلامه (قدس سره) أيضاً ان محل الکلام خصوص ما کان ملکا للموقوف عليهم، لا مثل المساجد والمدارس والربط التي لا تکون ملکا لاحد، بل يکون فک ملک.

اقول: ينبغي الکلام «اولا» في الموقوفات العامة، ثم الموقوفات الخاصة.

والموقوفات العامة أيضاً على قسمين، قسم منها يکون وقفا على جميع المسلمين کالمساجد والقناطر، وبعضها لصنف خاص منهم کالربط للمسافرين، والمدارس لطلاب العلم، والمستشفيات للمرضى، وغير ذلک.

واللازم البحث عن کيفية الوقف فيها اولا وانها هل هي فک للملک أو تمليک للمسلمين؟

اما المساجد فلا يبعد ان يکون من قبيل فک الملک، أو ملکا خاصا لله، کملک سهم واحد من السهام الستة من الخمس له تعالى، وان کان هو مالک الملوک ومالکا لکل ملک ملکا عاما وکذا بيت الله الحرام والمشاعر العظام.

ولکن يظهر من کلام المحقق في الشرئع انه ملک للمسلمين حيث قال في کتاب الوقف يصح الوقف على المصالح (اي مصالح المسلمين) کالقناطر والمساجد لان الوقف في الحقيقة على المسلمين انتهى.

وهذا الکلام ظاهر في کونه تمليکا عليهم وان کانت موقوفة لا يجوز بيعها.

لکن وقال في موضع آخر: (اذا وقف مسجد فخرب، أو خربت القرية أو المحلة، لم يعد إلى ملک الواقف، ولا تخرج العرصة عن الوقف).

وقال في الجواهر في شرح هذا الکلام: (وان لم يبق من آثاره غيره اذ هي (اي العرصة) العمدة في المسجديّة بلاخلاف اجده في شيء من ذلک بيننا) ولولا ما ذکره من کون المسألة کالمجمع عليه بين الأصحاب، امکن القول بجواز بيعها اذا صارت متروکة أو مخروبة بحيث لا ينتفع بها بعنوان المسجد اصلا باذن ولي امر المسلمين، لانها من اموالهم ولا تترک اموالهم سدى، ولکن شبهة الاجماع وارتکاز المتشرعة يمنعنا عن الحکم في ذلک الا بالاحتياط.

هذا، وقد يخرج المسجد عن عنوان المسجدية کما اذا وقع في الشارع واخرب ظلما، أو لضرورة المسلمين فانه يشکل صدق عنوان المسجد حينئذ عليه، وکانه کالمتلف، وحينئذ لايبعد ان يکون من اخربها ضامناً لثمنه للمسلمين، فيصرف ثمنه باذن ولي الامر في بناء مسجد آخر، أو تعمير سائر المساجد،ومما ذکرنا يظهر انه لا يجري عليه احکام المسجد بعد ذلک ـ اي بعد ما وقع في الشارع وتبدل عنوانه وليس المقام، مقام الاستصحاب کما هو ظاهر.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

پایگاه اطلاع رسانی دفتر مرجع عالیقدر حضرت آیت الله العظمی مکارم شیرازی
سامانه پاسخگویی برخط(آنلاین) به سوالات شرعی و اعتقادی مقلدان حضرت آیت الله العظمی مکارم شیرازی
تارنمای پاسخگویی به احکام شرعی و مسائل فقهی
انتشارات امام علی علیه السلام
موسسه دارالإعلام لمدرسة اهل البیت (علیهم السلام)
خبرگزاری دفتر آیت الله العظمی مکارم شیرازی

قالَ رَسُولُ اللّهِ صلّى اللّه عليه و آله :

الحسن و الحسين امامان قاما او قعدا .

حسن و حسين در همه احوال امام و پيشوايند؛ چه قيام کنند و چه بنشينند.

بحار الانوار 43/291 و 44/2